"الفريب"... ملاذ بسطاء تونس وأثريائها لاقتناء الملابس يواجه شبح الاندثار

الاثنين 4 أبريل 202202:38 م

يُكافح قطاع الملابس المستعملة المعروف بالعامية "الفريب" (الملابس المستعملة)، في تونس من أجل البقاء، فالأسواق والمحال التي تعرض تلك الملابس للبيع للعموم قد تندثر بعد أقل من ثلاث سنوات، حسب ما يقول تجار ونقابيون، بسبب تراجع عملية استيراد هذه الملابس.

وبالرغم من أنه يستقطب فئاتٍ واسعةً من التونسيين، سواء الأثرياء أو البسطاء، إلا أن هذا القطاع يشكو تهميشاً متزايداً من السلطات في وقت تعرف فيه البلاد واحدةً من أسوأ أزماتها الاقتصادية بالتوازي مع مسار سياسي صعب تعيشه البلاد منذ تموز/ يوليو 2021.

قطاع يحتضر

دق نقابيون وتجار ناقوس الخطر مؤخراً بشأن الأزمة التي بات يعيشها قطاع الفريب -وهي ملابس مستعملة تأتي من أوروبا وتضم علامات تجاريةً عالميةً- الذي لم يعد ملاذ بسطاء تونس فحسب لاقتناء ملابسهم، بل أصبح وجهة أثريائها أيضاً.

يقول الصحبي المعلاوي، رئيس الغرفة الوطنية لتجار الملابس المستعملة، إن "قطاع الفريب موجود في تونس منذ أكثر من 75 سنةً، أي منذ العام 1944، والشركات والمعامل التي تقوم بالفرز والتحويل والرسكلة لم يسبق لها أن أغلقت أبوابها مثلما يحدث الآن. المعامل التي تشغل الآلاف وتزود التجار بدأت تغلق أبوابها بسبب غياب السلع التي يتم استيرادها عادةً من أوروبا".

وأوضح المعلاوي في حديث إلى رصيف22، أن "الأزمة تتصاعد بسبب غياب السلع، وهناك عوامل خارجية تسببت فيها أساساً جائحة كورونا وتشجيع الأوروبيين على فتح محال كبيرة وعملاقة لبيع الملابس المستعملة وحتى على الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى دخول دول، سواء عربية أو أوروبية، مثل مصر وتركيا وهي دول ليست لها تقاليد في بيع الفريب، على خط هذا القطاع".

وتابع النقابي التونسي أن "الفريب لم يعد متوافراً، لذلك دخل القطاع في حالة موت سريري في تونس بالرغم من أنه يشغّل أكثر من 200 ألف عامل، بينهم ثمانية آلاف من خريجي الجامعات. وفي حال استمرت الأزمة الحالية، فإن هذا القطاع سيندثر في تونس بعد ثلاث سنوات أو أقل، وفي عام 2025 ستكون تونس بلا فريب".

"الفريب لم يعد متوافراً، لذلك دخل القطاع في حالة موت سريري في تونس بالرغم من أنه يشغّل أكثر من 200 ألف عامل، بينهم ثمانية آلاف من خريجي الجامعات"

وتعمل خمس وزارات في تونس على تنظيم قطاع تجارة الملابس المستعملة، وهي وزارة الداخلية، ووزارة المالية، ووزارة الشؤون الاجتماعية، ووزارة الصناعة، ووزارة التجارة التي تُعد المعني الأول بالقطاع المذكور.

وتم تشكيل لجنة تجمع بين ممثلين عن الوزارات الخمس، وممثلين عن التجار، دام عملها طوال ثماني سنوات، بحضور ممثل عن البنك المركزي قبل أن ينضم إليهم ممثل عن وزارة الصحة تبعاً لتفشي وباء كورونا الذي زاد من انهيار الوضع الاقتصادي في تونس.

يقول المعلاوي: "لقد طالبنا خلال اجتماعات اللجنة هذه، بتغيير بعض القوانين التي كبّلت بالفعل التجار، وأيضاً طالبنا بإجراءات استثنائية في ظل حالة الوباء".

وشدد على أنهم قاموا بإيصال أصواتهم إلى الحكومات المتعاقبة في انتظار الاستجابة إلى مطالبهم، للحفاظ على سيرورة هذا القطاع الذي دخل في باب العادة اليومية للمواطن التونسي، وهو قطاع مهم له مساهمة بارزة في الدورة الاقتصادية للبلاد.

وجهة البسطاء والأثرياء

في حي ابن خلدون وسط العاصمة تونس تعلو هتافات باعة الفريب بشعارات مختلفة لجذب الزبائن مثل "فرصة لا تُعاد يا مدام (يا سيدة)"، و"بالة جديدة يا مفيدة" وغيرها، بينما يقضي هؤلاء الزبائن دقائق في عملية الفرز اليدوي للظفر بملابس توازن بين رغبتهم في مواكبة الموضة وقدرتهم الشرائية.

يقول كريم (28 عاماً): "حتى تتمكن من شراء ما تريد، عليك أن تنغمس في عمليات الفرز بالساعات. العملية تتطلب سعة خاطر وصبراً كبيراً".

وأضاف في حديث إلى رصيف22، أن الفريب "يبقى وجهة كل التونسيين بمختلف شرائحهم، الفقراء وكبار البلاد (الأثرياء)، لا أحد يكبر على الفريب، لكن هناك فئوية حتى هنا، وهناك دكاكين تبيع الفريب بأسعار لا نقدر عليها نحن كأبناء شعب الزواولة (البسطاء)، لكن هنا بإمكاننا اقتناء ملابس لأن هناك تفاوتاً في الأسعار (..) وفي كل الأحوال يبقى الفريب أرحم بكثير من بقية المحال التجارية".

في حي ابن خلدون وسط العاصمة تونس تعلو هتافات باعة الفريب بشعارات مختلفة لجذب الزبائن مثل "فرصة لا تُعاد يا مدام (يا سيدة)"، و"بالة جديدة يا مفيدة"

وتشهد تونس موسم التخفيضات الشتوية، غير أن كريم يرى أن ذلك لن يغير شيئاً، قائلاً: "التونسي اكتوى بنار الأسعار في محال الملابس الجاهزة، وحتى الفريب بدأت تنتقل إليه حمّى غلاء الأسعار للأسف، ولا نعرف سبب ذلك. لم نعد نقدر على شيء في هذا البلد منذ سنوات".

وتساير آمنة (31 عاماً)، كريم في رأيه في تصريح لرصيف22، بينما تنهمك في تقليب الملابس التي تتكدس بشكل عشوائي على طاولات خشبية مهترئة، قائلةً: "لا شيء يدعو إلى التفاؤل هنا. الحكومة بصدد رفع الدعم عن المواد الأساسية والفريب قد ينهار وكل يوم يبشروننا بما يزيد من نقمتنا على الوضع الراهن".

وتوضح كمن يتابع بشكل وثيق مجريات الأحداث السياسية والاقتصادية في بلادها: "المؤكد أن الأحزاب التي حكمت منذ 2011 تتحمل مسؤولية هذا المشهد. البلد ينهار كله جراء سياساتهم، واليوم يحاولون عرقلة أي عملية إصلاح لأنهم فاسدون ويخشون على مصالحهم".

انهيار الطبقة الوسطى

بعد أن طفت فوق السطح، أصبحت أزمة الفريب في تونس اختباراً آخر للحكومة التي لجأت إلى رفع الدعم عن بعض المواد والزيادة في أسعار المحروقات وغيرها من الإجراءات لتعبئة المزيد من الموارد المالية في بلد يشهد انهياراً اقتصادياً بالفعل، ويواجه صعوبةً في الولوج إلى الاقتراض من المانحين الدوليين لأسباب عدة.

وقد يشكل انهيار هذا القطاع انهياراً للطبقة الوسطى التي تجد نفسها في وضع غير مريح بعد سنوات من إثقال كاهلها بالضرائب والزيادات في الأسعار وغيرهما، وهو ما يدعو للتحرك الحكومي العاجل خاصةً أن هذه الطبقة تستقطب الغالبية العظمى من التونسيين.

يقول محمد الجويلي، أستاذ علم الاجتماع في الجامعة التونسية، إن انهيار الفريب يعني انهيار الطبقة الوسطى، لأن هذا القطاع يلعب دوراً تعديلياً لبقاء الطبقتين الوسطى والضعيفة في وضع أفضل على الأقل.

وأردف الجويلي في تصريح لرصيف22، أن "هذا الوضع يمكّن من مواجهة المصاريف المتزايدة في مجتمع فيه نوع من التفاخر بالوضعية الاجتماعية وبالملابس وغير ذلك. للّباس قيمة كبيرة لدى التونسيين سواء بين الشباب أو الأطفال أو النساء".

ويشدد على أن هذا الانهيار المحتمل سيخلق مشكلةً كبيرةً تجعل من صالح الدولة الحفاظ على منظومة الفريب، كما محافظتها على منظومة الدعم بالقيمة الاجتماعية والنتائج نفسها، موضحاً أن "الفريب على الأقل يبقي أبناء الطبقة الوسطى والضعيفة في الوضعية الاجتماعية نفسها بتخفيف المصاريف الأخرى. هناك مصاريف متعلقة بالكراء وبشراء الخضروات والغلال وفاتورة الكهرباء وغيرها، فالفريب بقعة الضوء الوحيدة التي تخفف عن هذه الطبقات".

"هذا الوضع يمكّن من مواجهة المصاريف المتزايدة في مجتمع فيه نوع من التفاخر بالوضعية الاجتماعية وبالملابس وغير ذلك. للّباس قيمة كبيرة لدى التونسيين سواء بين الشباب أو الأطفال أو النساء"

ويرى البعض أن منظومة الفريب وقادتها كرّسوا نوعاً من الفئوية، إذ باتت هناك دكاكين ومحال خاصة تبيع بأسعار مرتفعة جداً لا يقدر عليها إلا الأثرياء، بينما ظلت السلع التي تتكدس في الأسواق للفقراء.

في تعليقه على ذلك، يقول الجويلي إن "هذا يجسد التراتبية الاجتماعية، إذ هناك الفريب الشعبي بينما هناك فريب آخر يضاهيه من حيث قيمة الملابس الجاهزة القادمة من مصانع النسيج وجودتها". سلّم تراتب الفريب يعكس تماماً التراتب داخل المجتمع".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard