"لماذا تحتكر الدولة القمعية مبدعيها؟"... انشقاق راقصة باليه رفضاً للحرب على أوكرانيا

الأربعاء 30 مارس 202207:39 م

تداولت وسائل الإعلام خبر انشقاق راقصة البولشوي الأولى أولغا سميرنوفا ورفضها للحرب على أوكرانيا. وقد يبدو خبر انشقاق راقصة الباليه في زمن الحرب أمراً عادياً، ولا سيما أنه قد يبدو انتقالاً من مسرح إلى آخر، كما ينتقل لاعب كرة القدم من ناد إلى آخر ربما بحثاً عن فرصة أفضل أو راتب أعلى. لكن خصوصية الخبر تكمن بإعادته للأذهان حكاية انشقاق نورييف التي كانت في مطلع الستينيات أشهر قصة لمنشق عن الاتحاد السوفياتي.

أعادتني المقارنات التي أجرتها الصحافة لرواية جميلة، غير مترجمة للعربية، كتبها كولم ماكان عن حياة نورييف بعنوان "راقص"، حاول ماكان من خلال الرواية أن يحوّل المعلومات المتوفرة عن حياة نورييف إلى سرد روائي، وحاول تحويل واقع المجد والشهرة والألقاب إلى رواية عن فقدان الوطن وقسرية الغياب عنه. 

تبدأ الرواية من حكاية الطفل التتري المسلم في مكان ناء وبعيد عن المركز، حيث تكتشف معلمة الرياضة موهبة طالبها ذي العنينين الذئبيتين في الرقص، وتصمم له رقصة فولكورية كي يرقص أمام الجنود المصابين في المستشفى. يتخيل ماكان نجاح الطفل رودي في خطف الأنظار برقصه، وأن راقصة باليه منفية في الأرياف تشاهده وتقرر تعليمه الرقص في ظل رفض عائلته خوفاً من الاختلاط بأولئك الذين غضبت الدولة السوفياتية عليهم.  

تروي الرواية أيضاً اللحظات التي يتعلق فيها رودي بفن الباليه، وكيف يبدأ الهوس الذي يصيب كل الراقصين الكبار بإنجاز الأفضل بل المستحيل من خلال الضغط على أجسادهم. تنجح المعلمة بعلاقاتها المكتسبة في حياتها السابقة بتقديم رودي من خلال رقصة في مسرح المدينة، ومن هناك يتم اختياره للرقص في موسكو ولينينغراد. ويبدأ بالحصول على أدوار أكبر إلى أن يصبح الراقص الأول ويمثل موسكو في الخارج ويغدو تحت أنظار الرقابة الدائمة مطالباً بالتصرف كممثل للاتحاد السوفياتي في الخارج.

يعيدني هذا إلى لحظة اندلاع الثورة السورية وإلى إصرار النظام على ظهور الفنانين السوريين على شاشاته لإعلان دعمهم له بالترغيب أو حتى بالتهديد والوعيد

يخيب الشاب الجامح أمل سلطات بلاده بلا توقف، ويتعرض للتهديد بالإقصاء من الرحلات الخارجية إن لم يعدل سلوكه على نحو يجاري رؤية السلطة لممثليها. وتكثر هنا التكهنات حول المقصود بسلوكه ويربطها البعض بميوله الجنسية المثلية وتردده إلى بارات للمثليين في باريس. إلا أن الغالب هو انزعاج السلطات من اختلاطه بالأجانب وإجابته بصراحة عن الواقع الذي يعيشه الشعب في ظل الاتحاد السوفياتي، يحاول عملاء الكي جي بي المسؤولون عن مراقبته إقناعه بعدم إكمال الرحلة مع الفرقة إلى لندن والعودة إلى موسكو لأداء عرض في الكرملين، ثم يحاولون إقناعه بأن أمه مريضة وعليه العودة للاطمئنان على صحتها. إلا أنه يرفض ويقرر الانشقاق في مطار باريس خوفاً من اعتقاله لدى عودته إلى موسكو. 

يعالج ماكان في روايته فكرة الحنين المستمر إلى الماضي والبحث عن البلد المفقود في كل مكان وكل تفصيل. ولا تعوضه الشهرة والثروة اللتان يحققهما عما فقد، كما تنسج الرواية عن شراكته التي تحولت إلى ثنائية أسطورية في عالم الباليه مع مارغو فونتين حكاية جميلة عن الصداقة والوحدة، إذ يبدو أن نورييف وفونتين لا يجدان في العالم من يفهم معاناتهما سوى الشريك الذي يعلم معنى أن تضطر للرقص كل ليلة رغم الإصابات، وأن تدور الحياة حول التمرينات بمعزل عن الحق في حياة اجتماعية، ويضاف إلى كل ذلك في حالة نورييف أن الثروة التي تتحقق لا يمكن مشاركتها مع أحد. العائلة بعيدة ويتعذر إرسال النقود إليها ومثليته الجنسية لا تسمح له بتكوين عائلة والإنفاق على أطفاله، فضلاً عن انشغاله الدائم بالتدريبات، مما يجعله يبذر الثروة على أي شيء. يعاني نورييف في الرواية من حرمانه زيارة بلاده أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، لم يستطع خلالها محادثة عائلته بسبب ملاحقة الكي جي بي وتضييقهم على العائلة. يضطر نورييف لحظة اتخاذه قرار الانشقاق إلى قطع علاقته بالماضي بشكل كامل ومفاجئ، ليصل إلى بلاد لا يتحدث لغتها ولا يعرف فيها أحداً. 

في عالم يسوده الاستقطاب الشديد اليوم، كما في عالم الحرب الباردة، لماذا تحتكر الدولة الاستبدادية القمعية مبدعيها وتعتبرهم إنجازها حتى أنها لا تقبل إلا أن يكونوا ممثليها السياسيين؟

يبحث نورييف عبثاً عن الحب الذي يمكن أن يعوض عن كل ما فقد، ولكن المطلوب من الحبيب يفوق طاقة أي إنسان، إذ يبحث نورييف فيه عن الوطن والعائلة، كما أن الأولوية تبقى دوماً للباليه، مما يجعل علاقاته لا تستمر أو يجعلها عاصفة مليئة بالخلافات والصراعات، ليظهر لاحقاً البلاء الذي أصاب المجتمعات المثلية بكثافة في التسعينيات وهو فايروس الإيدز. يصاب نورييف بالفايروس ويموت في مشفى فرنسي بعدما تمكن من زيارة عائلته مرة واحدة في روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. 

 لا تبدو قصة انشقاق سميرنوفا مشابهة لقصة نورييف لا من قريب ولا من بعيد، إلا من ناحية استخدامها إعلامياً كما تم استخدام انشقاق نورييف، إذ كانت قصته ورقة قوية استخدمها الإعلام المعادي للسوفيات لسنوات طويلة، وقد تكون أقوى ضربة إعلامية تعرض لها الاتحاد السوفياتي في حينه، ولا يمكن هنا ألا نتساءل، هل ينشق الراقصون بحثاً عن حياة أفضل أو عن رواتب مجزية أكثر أو عن شهرة وأدوار أكبر؟ أم ينشقون لأسباب ودوافع سياسية؟ لأن استخدامهم في حال انشقاقهم بدوافع سياسية في مواجهة بروباغندا بلادهم يصبح مواجهة للأداة القمعية التي لم تسمح لأصواتهم بالوصول. ولكن ماذا إذا كان الخيار الذي يواجهونه هو أنهم لا بد أن ينتموا لمعسكر، وأن ينطقوا باسم بروباغندا ما؟ فيختارون أهون الشرور أو ما ينسجم مع مواقفهم الحقيقية. 

في عالم يسوده الاستقطاب الشديد اليوم، كما في عالم الحرب الباردة، لماذا تحتكر الدولة الاستبدادية القمعية مبدعيها وتعتبرهم إنجازها حتى أنها لا تقبل إلا أن يكونوا ممثليها السياسيين؟ ولماذا تحول فن الباليه الذي تنعدم في سياقه السياسة تماماً إلى أداة مسيسة إلى هذه الدرجة؟ ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بشدة الآن وحينذاك هو هل يستطيع راقص باليه أن يختار الرقص فقط؟ 

أعادتني الأسئلة السابقة كلها إلى لحظة اندلاع الثورة السورية وإلى إصرار النظام السوري على ظهور الفنانين السوريين على شاشاته لإعلان دعمهم للنظام ووقوفهم إلى جانبه بالترغيب أو بالترهيب أو حتى بالتهديد والوعيد. ورغم مرور أحد عشر عاماً على انطلاق الثورة، ظل النظام مستمراً في سياسته معتبراً الفنانين ناطقين باسم الدولة، ومحتكراً الفن السوري بكل أشكاله، ومؤكداً على دعم الفنانين له في لحظات لا يبدو للفن أي علاقة بها، كدعوة الفنانين لحضور أداء بشار الأسد للقسم بعد "فوزه بالانتخابات". يبدو منسجماً مع كل ذلك الهجوم العنيف الذي تعرض له كل فنان تجرأ على الخروج عن المنظومة أو أدلى برأي يخالف فيه رؤية النظام، وإن لم يعارضه صراحة.  ووجد بذلك كثير من الفنانين السوريين أنفسهم مجبرين على مغادرة سوريا ناظرين وراءهم بأسى كما فعل نورييف وربما كما ستفعل سميرنوفا اليوم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard