"حكاية ممثل خرج عن النص"... فارس حلو وتجربته الفريدة في عمق الثورة السورية

الثلاثاء 16 مارس 202107:57 م

بهتافه الشهير "الله أكبر حرية، حرية حرية" و"خاسر خاسر خاسر، النظام السوري خاسر"، اختار الفنان الكوميدي السوري فارس حلو أن يقف إلى جانب أبناء شعبه منذ اللحظة الأولى لثورتهم ضد نظام الرئيس السوري بشار الأسد في صيف 2011، مخالفاً بذلك العديد من رفاق مهنته الذين التزموا إما بالوقوف على الحياد، أو مهادنة النظام، أو دعمه الصريح.

قلبت المشاركة في الاحتجاجات الشعبية حياة حلو، وعرّضت حياته وأمن عائلته لتهديد مباشر من قبل أتباع للنظام، ما اضطره إلى التخفي على الفور، سيّما وهو فنان معروف. وحين لجأ إلى مخبأ تحت الأرض، انضم إليه المصور والمخرج رامي فرح الذي كانت ترافقه كاميرته في تلك اللحظات.

حتّى حين اضطر حلو إلى الفرار من سوريا نحو منفى أبعد، فرنسا، تبعه فرح، دون أن يكون لدى الممثل أو المخرج تصوراً لهذا الفصل الجديد من حياتهما: المنفى.

هذا الفصل الذي كان مليئاً بالأسئلة وخيبات الأمل والاغتراب، وفي الوقت ذاته عامراً بالأسى  والارتباك الثقافي اللذين يستدعيان الضحك أحياناً. ومن ذا القادر على اجترار الضحك من عمق المآسي مثل الفنان الكوميدي فارس حلو؟

تجربة فريدة كالثورة

وثّق رامي فرح في فيلم تسجيلي أنتج عام 2019، تجربة الفنان الكوميدي الفريدة والتي تنبثق من كافة تعقيدات وملامح تفرد الثورة السورية. لكن أداء نجم الأعمال الكوميدية الشهيرة مثل "عيلة خمس نجوم" و"بقعة ضوء" كان مختلفاً كلياً في هذا العمل: كان حقيقياً ونضالياً من طراز رفيع.

على مدى ساعة و35 دقيقة، عبر نسخٍ بالعربية والإنكليزية والفرنسية، تحت عنوان "فارس حلو... حكاية ممثل خرج عن النص" أو "كوميدي في مأساة سوريا" (في نسخته الإنكليزية) يقدم الفيلم تجسيداً حميماً للعنف النفسي والاغتراب اللذين يعيشهما صنّاع العمل - تحديداً المخرج وممثله المفضل.

يظل يتباهى بأنه جزء من "معركة الشرف السورية"... فارس حلو الفنان الذي "خرج عن النص" وقدم تجسيداً حميماً للعنف النفسي والاغتراب اللذين يعيشهما كل سوري أجبر على مغادرة وطنه

في حين أن الفيلم يقدم قصة ثورة وحرب ملحميتين ومأساويتين عاشهما السوريون قبل عقد من الزمن، عبر تجربة خاصة لشخصية محبوبة لدى الكثير منهم، يعتز حلو بأن المنتج النهائي هو "فيلم قاسٍ بدون قسوة… فيلم عنيف بدون عنف".


لم يكن إعداد الفيلم سهلاً، ليس فقط من نقطة انطلاقه - التواجد في التظاهرات في دمشق - وإنما كذلك في اختيار ما يعرضه عن حياة الفنان السوري في فرنسا. لذا، استغرق إعداده أربع سنوات.

ويسلط الفيلم الضوء على ضريبة انحياز حلو للسوريين الثائرين على نظام الأسد، إذ استهدفه "الجيش الإلكتروني" السوري الذي حمل على عاتقه التحريض ضد كل صاحب فكر معارض للنظام عبر نشر أرقام هواتفهم عبر الإنترنت، لا سيما الفنانين والمشاهير منهم، مانحاً بذلك أنصار النظام فرصة مهاجمتهم مباشرةً وتعكير حياتهم.

علاوةً على ذلك، قام مسلحون بتحطيم مشروعه الثقافي الفني الذي أسسه عام 2006، "ورشة البستان للثقافة والفنون". يُظهر الفيلم كيف وقف حلو آنذاك في حالة ألم ممزوجة بالكبرياء وهو يقول: "هيك بدو يسقط النظام انشالله… هيك".

من الملامح الجمالية المؤثرة في العمل كيف أظهر تناقضات الشخصية السورية ومعاناتها النفسية مجسَّدةً في حلو الذي كان في بعض المشاهد قوياً متماسكاً، وفي مشاهد أخرى خائر القوى يوشك على السقوط أرضاً وغير قادر على التنفس.

جانب آخر صادق وحقيقي - ربما لا يفهمه إلا السوريين أو من عاش تجربة بصعوبة محنتهم، يجسده الفيلم، وهو تلك الصدمة التي تظل ترافق السوريين الناجين حتى عقب حصولهم أخيراً على ملجأ في بلد "آمن".

حمل الوطن في قلب المنفى

عن تجربة المنفى، قال مصور ومخرج العمل، فرح: "في فرنسا، تلاشى الخوف الشامل الذي عشناه في سوريا، لكننا ما زلنا نشعر بالصدمة إلى حد ما. ظل فارس يعيش جزئياً في سوريا عبر سكايب ويحاول نسبياً التأقلم مع فرنسا - الطقس واللغة وحركة المرور…".

مثلما كان قرار فرح تصوير حلو في سوريا لتوصيل الصوت السوري إلى العالم، قرر كذلك مواصلة تصوير الفنان السوري في المنفى "ليس لمشاركة خيبة أمله من الوضع السياسي، ولكن لالتقاط أكثر اللحظات الإنسانية الحميمية التي يمكن أن تتحدث عن كفاح إنسان منفي وخائب الأمل. كان قد خسر معركةً للتو، إن لم يكن الحرب" بعدما "تحطم حلمنا المشترك بالعودة السريعة" وتحولت الانتفاضة السورية إلى "حرب رهيبة".

أراد أيضاً أن يبعث برسالة مفادها أن بطل الرواية لا يمكنه دائماً حل المشكلات وأنه في كثير من الأحيان لا يكون هنالك "منقذ أو حلول سهلة" و"أننا جميعاً كبشر نحتاج إلى بعضنا البعض وأن هذا هو أهم شيء يجب التمسك به في خضم كارثة إنسانية".

"في فرنسا، تلاشى الخوف الشامل الذي عشناه في سوريا، لكننا ما زلنا نشعر بالصدمة إلى حد ما. ظل فارس يعيش جزئياً في سوريا عبر سكايب ويحاول نسبياً التأقلم مع فرنسا - الطقس واللغة وحركة المرور…".

حتى في المنفى، يحمل حلو وطنه معه وتستمر نشاطاته الحقوقية والفنية المفعمة بتفاؤله في سوريا بلا استبداد. هناك، أسس "الناجون من المعتقلات السورية" التي همها محاربة الإفلات من العقاب لكل من أجرم بحق السوريين.

يرى حلو أن كل من تمكن من مغادرة معتقلات الأسد حياً هو ناجٍ تماماً كما كل مَن غادر سوريا من اللاجئين. أما السوريين في الداخل فهم وحدهم الذين يستحقون وصف "الضحايا" لأنهم "يعيشون تحت نير الظلم والاستبداد"، بنظره.

وفيما يرفض التخلي عن حلمه بانتصار الثورة، يظل حلو يعبّر في كل مناسبة عن سعادته بأن يكون جزءاً من "معركة الشرف السورية" برغم كل ما مر به على إثر مشاركته بها.

يشار إلى أن الفيلم من إنتاج ليانا صالح، وسيني بيرجي سورينسن، وسيندي لوتامبليه. وقد حظي بدعم من جهات عديدة أبرزها مؤسسة صندانس غير الربحية، برنامج الأفلام الوثائقية التابع لمؤسسة المجتمع المفتوح، ومؤسسة الدوحة للأفلام، والصندوق العربي للثقافة والفنون.

عالمياً، عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية (IDFA) نهاية 2019. وهو يشارك في نسخة هذا العام من مهرجان قمرة في الدوحة. ولم يعرض إلى الآن سوى في الدنمارك وفرنسا والنرويج وقطر والأردن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard