شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

اشترك/ ي وشارك/ ي!
حيرةُ أن تدمر مدينة على هواك!

حيرةُ أن تدمر مدينة على هواك!

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

ثقافة

الجمعة 6 مايو 202202:30 م

أنشأ مؤرخ العلوم والأسلحة النووية أليكس ويلرستاين عام 2012، مدونة بعنوان "خريطة نووية-Nuke Map"، هدف المدونة ببساطة، تقديم خريطة للعالم، تتيح لنا، أي المستخدمين، اختيار المدينة التي نريد "قصفها"، ثم التعرف على نتائج هذا القصف، سواء كان السلاح نووياً أو هيدروجينياً، إذ تقدم لنا المدوّنة معلومات عن دائرة الانفجار الأولى وتبعاتها، وعدد الضحايا من المدنيين، ومقدار الخراب المُحتمل، أي بصورة أخرى، تتيح لنا المدونة أن نختار المكان الذي نريد تدميره ثم الاطلاع على نتائج هذا القرار.

التدمير كاختبار لاهٍ

يشير أليكس في تدوينة جديدة أن الحرب على أوكرانيا والتهديد باستخدام النووي، عطّلا الموقع لفترة، بسبب كثرة من أرادوا اختبار القنبلة النووية، ويشير في تدوينة سابقة تحتفي بمرور عشر سنوات على تأسيس المدونة، أن المستخدمين شديدي التنوع، (حد الرعب إن صح التعبير)، هناك خبراء عسكريون، مختصّون في الأسلحة، طلاب جامعة، مراهقون، طلاب مدرسة إعدادية، إذ بلغ عدد من "جرّبوا" تدمير مدينة، حوالي الخمسين مليون، منذ بدايةشهر آذار/مارس-2022.

الملفت أيضاً أن أليكس يشرح لنا عن طبيعة المعلومات التي يحصل عليها من المستخدمين (وصل عدد التفجيرات منذ إنشاء المدونة إلى ما يزيد عن 250 مليون)، كبلد الإقامة، وارتفاع القنبلة التي اختارها، لكنه لا يستطيع أن يعرف بدقة أين اختار المستخدم إلقاء القنبلة، أي لا يمكن استخدام معلومات من يرمون القنابل لنعرف إن كان "أحدهم" يستهدف "آخر" بعينه، الشأن الذي قد يؤدي إلى مشاكل قانونية لاحقاً، تخيل/ي أن نستخدم قنبلة من نوع "الرجل السمين" التي سبق وجربت فوق ناكازاكي، كي نفجّر شخصاً ألقى نكتة لم تعجبنا، ولاحقاً قُتل هذا الشخص، ألن يكون المُستخدم هنا محط الشبهات؟

جرّبت هذه اللعبة، لكن لم استطع اختيار المدينة التي أردت نسفها، كونه لا يمكن التحكم بأثر الدمار، وقد يهدد ذلك مدناً أخرى أرغب أن تبقى موجودة، وهنا يظهر الأثر المُرعب الأول لهذه المدونة، ويتجلى بسؤال: أي مدينة تستحق أن تنسف، سواء عبر طائرة أو من الأرض، كما يتيح الموقع؟ أي مكان على سطح الأرض يستحق بما يحويه من حيوات أن نلقي فوقه مثلاً، صاروخاً نووياً اختبرته كوريا عام 2017؟ أو "الملك العاجي"، أكبر سلاح انصهار نووي اختبرته الولايات المتحدة؟

أنشأ مؤرخ العلوم والأسلحة النووية أليكس ويلرستاين  مدونة بعنوان "خريطة نووية-Nuke Map"، هدف المدونة ببساطة، تقديم خريطة للعالم، تتيح للمستخدمين، اختيار المدينة التي يريدون "قصفها"، ثم التعرف على نتائج هذا القصف

هذه الحيرة، سببها أن السلاح النووي، لا ينسف الحياة الآن، بل يمتد في الزمن، أي علي أن آخذ بعين الاعتبار أن المدينة التي سأقصفها ستكون غير صالحة للحياة لمدة 100 عام مثلاً، هي وما حولها، فكل ما فيها سيموت، ويستمر بالموت نافياً أي احتمال مستقبلي للحياة.

يمكن تفسير سبب الرعب (الجذر اليوناني لكلمة رعب يحيل إلى حالة من الشلل والعجز عن الحركة واتخاذ القرار) بأن الموقع يقدم لنا قائمة ليست بالقليلة للأسلحة النووية التي اختبرت علناً، والتي نعرف مواصفاتها وأثرها المدمر بدقة، ثم يستفيد من الإحصائيات الرسميّة ليحدد لنا طبيعة الضرر و مساحته، في حال سقطت واحدة من هذه القنابل في أي مكان في العالم، لا فقط المدن التي يقترحها هو، كباريس، برلين، طهران ونيويورك، بالتالي، اختيار أي مدينة في هذا المقال لتكون مثالاً، سيفتح باب التأويلات أمام القارئ، وهذا بالضبط ما يشير له أليكس حين يتحدث عن طبيعة المعلومات التي يجمعها من المستخدمين، ويؤكد أنه لا يمتلك إحصائية تدل على "من يقصف من"، لكن نعلم مثلاً، كما هو منشور، أن أكبر  نسبة مستخدمين كانت من الولايات المتحدة، تليها بريطانيا ثم كندا!

حيرة القاتل المضنية

تجاهل حيرة المدينة، تليه حيرة أي سلاح أختار؟ "قنبلة القيصر" مثلاً التي امتلكها الاتحاد السوفيتي؟ أو قنبلة "ديفي كروكيت" التي تمتلكها الولايات المتحدة؟ سبب التردد في اختيار القنبلة يعود إلى طبيعة المعلومات التي يوفرها الموقع عن الأضرار في حال استخدمنا مثلاً، قنبلة من نوع "مايك العاجي"، أول قنبلة هيدروجينيّة تبلغ قوتها 10.4 ميغا طن، إذ تقدم لنا المدونة معلومات عن دوائر الانفجار، ثم امتداد الإشعاع والغبار النووي، ويمكن لنا اختيار ارتفاع القنبلة، وسرعة الريح، وأثر ضغط الانفجار، وشكل الفطر النووي، والأهم، عدد الضحايا وتوزعهم حول القنبلة، ناهيك عن وجود تنبيه يقول إن أثر أي قنبلة، في أي وقت أو مكان اخترنا فيه إلقاءها، يهدد حوالي 3 ملايين شخص.

أشار أليكس ويلرستاين في تدوينة جديدة أن الحرب على أوكرانيا والتهديد باستخدام النووي عطّلا موقع "خريطة نووية" لفترة بسبب كثرة من أرادوا اختبار القنبلة النووية

ما بدأ بلعبة، تحول إلى شأن يثير القشعريرة، فحسب الإحصائيات، الكثيرون اختبروا الأثر الذي يمكن أن تتركه قنبلة نووية قد تلقى على أوكرانيا، التهديد الذي يظن البعض أنه قائم، ويتصرفون على أساسه، لكن هناك ما لا يمكن استيعابه في هذه "اللعبة": القنبلة النووية ولو استهدفت "الأعداء"، لا يمكن إصلاح ما تسببت به من "موت". اختيار أي مدينة أو مكان ليس بالأمر السهل، ولا يمكن أيضاً ضبط المساحة التي ستضرر بسببها، الأهم، هل يوجد عدو يستحق إفناءه كلياً، أي لو قررت أن اختار منزل شخص بعينه، عدو، ارتكب ما "لا يصفح عنه ولا يسقط بالتقادم"، هل يستحق أن يُنسف هو وسلالاته المستقبلية والتراب من تحته؟

جرّبتُ هذه اللعبة، لكن لم استطع اختيار المدينة التي أردت نسفها، كونه لا يمكن التحكم بأثر الدمار، وقد يهدد ذلك مدناً أخرى أرغب أن تبقى موجودة، وهنا يظهر الأثر المُرعب الأول لهذه المدونة، ويتجلى بسؤال: أي مدينة تستحق أن تنسف؟

الشكل الجدي للمدونة وأسلوب تقديم المعلومات فيها يهدد مقاربة اللعب، خصوصاً أننا أمام أرقام وإحصائيات "حقيقية" عن كمية الأضرار والخراب الذي تسببه القنابل التي نعلم أنها موجودة، والأهم، أننا نمتلك مرجعية من الصور عن آثار الدمار، لكن، إن تبنينا منطقاً منحرفاً، وتأملنا أعداد المستخدمين، نكتشف أنه لا يوجد بلد في العالم لم يستخدم هذا الموقع، أحلام "التدمير" التي تشكل جزءاً من تكويننا كبشر قائمة، وهنا المرعب مرة أخرى، فكما في المدونة، على أرض الواقع، شخص واحد من يقرر إلقاء القنبلة النووية، أي بعد كل الإجراءات والألاعيب السياسية، شخص واحد من يضغط الزر الأحمر، شخص واحد مسؤول عما سيحصل، وهنا تعود القشعريرة، كل هذا الخراب لأجل "عدوّ".

هناك أيضاً ما يثير المتعة، كون المدون تخاطب فينا النزعة للفناء والرغبة الدفينة بالتدمير، التي نمزح ونردد بسببها أننا ننتظر النيزك، أو القنبلة النووية أو الغضب الرباني، وتساعد وسائل التواصل الاجتماعي بذلك، كل فترة تظهر صور مُصطنعة لمدينة تدمر أو تتعرض للقصف، ونسأل في مقارنة مع الصور الحقيقية، تخيل أن باريس هي التي تقصف، أو واشنطن؟ لكن هذه المتخيلات عن خراب المدن، تستفيد من المعالم الشهيرة و تقدم لنا نسخة مدمرة عن الصور النمطية، في حين أن الأرقام فقط التي نراها في الموقع، تثير القشعريرة، لا تكفي المخيلة للإحاطة بها ولا الصور، وهذا بالضبط ما يمنع (منعني) من اختيار مدينة، المخيلة عاجزة عن تصورّ احتمالات الدمار، لا حكايات كافية لرصده، فقط أرقام وصور بيانيّة، أثر القشعريرة يمنع حتى تخيل ما يمكن أن يحدث في المخيلة ذاتها، إن قررت لعباً، نسف مدينة عن بكرة أبيها.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.

Website by WhiteBeard