حين فجروا المدينة... كم بيكسل لالتقاط الخراب؟

الأربعاء 4 أغسطس 202111:04 ص

"بيروت- بعد عام"، خمسة أفلام قصيرة من إنتاج IMS وبيروت DC يروي فيها خمسة سينمائيين لبنانيين شهاداتهم بعد عام من الانفجار الذي دمر بيروت في الرابع من آب عام 2020. الأفلام الخمسة تُعرض على منصة أفلامنا ضمن برنامج "عن مساحة الكارثة والتعبير" وتُنشر للمرة الأولى من خلال رصيف22.

لا يوجد وسيط فني أو جدّي قادر على التقاط "كل" ما حدث لحظة الانفجار في بيروت 4آب 2020، سواء كنا نتحدث عمن شهد الحدث أو من تذكره، نحن أمام قوّة استثنائية سياسية تهدد الأدراك بمعناه الفردي، و على صعيد "الكل" لا يوجد ما يكفي من العدسات والصفحات القادرة على الإحاطة بما حدث، فكما شدّة الانفجار دمرت بيروت، عطلت أيضاً نظام التمثيل، وفعلت العجز عن إدراك ما حدث مع الجميع ،صحيح أننا نعلم من السبب، وندرك تسلسل الأحداث، لكن اللحظة نفسها لا تكتمل أمامنا، هناك دوماً ما هو "ناقص"، ما لا يمكن التقاطه من نبض وجرح وذاكرة ودمار.

حاولت المخرجة اللبنانية سارة قصقص في فيلمها القصير "struck" أن تستعيد لحظة الانفجار في بيروت 4 آب عبر ما سجّلته عدسة هاتفها النقال، محاولةً رصد أثر اليوم المشؤوم عليها وعلى مدينتها

حاولت المخرجة اللبنانية سارة قصقص في فيلمها القصير "struck" أن تستعيد تلك اللحظة عبر ما سجّلته عدسة هاتفها النقال، محاولةً رصد أثر اليوم المشؤوم عليها وعلى مدينتها، إذ تقصّ علينا ما حواه ذاك اليوم من تفاصيل شكلانية، لا تبدو ذات قيمة، تفاصيل نرجسية إن صح القول، هي في سيارتها تحاول الإجابة عن استبيان يقوم به طبيب نسائي عن "عذريتها"، تليه نقاشات مع صديقها، وأخرى مع صديقتها، ودعوات للرحيل لأن المدينة لم تعد تطاق.

ثم حلّ الخراب، تتدفق الصور أمامنا، مشوشة، غير واضحة أحياناً، أصوات صراخ وزمامير سيارات في الخلفية، نعلم، كما تعلم قصقص نفسها، أنه لا يمكن "تمثيل" لحظة الانفجار وأثرها الفردي، تتدفق العلامات/ الخراب /الجروح ضمن البيكسلات ونحن واعون أسفاً بعجزها، بصورة أخرى، هل هناك "صور" و "بيكسلات" قادرة على أن يشكل مجموعها ما يساوي شدة 2750 طناً من نترات الأمونيوم؟

تتداخل الأصوات في الفيلم وتتعدّد الشهادات، صوت قصقص وغيرها ممن نجوا يتردد أمامنا، لكن، هل تكفي أصوات الجميع وكل ما لديهم من "كلمات" و"شهادات" وذكريات" للإحاطة بالانفجار؟

تتداخل الأصوات في فيلم Struck وتتعدّد الشهادات، صوت المخرجة سارة قصقص وغيرها ممن نجوا يتردد أمامنا، لكن، هل تكفي أصوات الجميع وكل ما لديهم من "كلمات" و"شهادات" وذكريات" للإحاطة بالانفجار؟

نرتجل ونقول لا، ناهيك أن الصور الثابتة نفسها التي نراها تشكل أيضاً "المابعد"، فالكارثة أكبر من الشاشة، وإن انقسمت كما نرى إلى ثلاثة أجزاء، حيث كل جزء يصور ما انهار وما سقط ومن يركض، مع ذلك لا يكفي، فالداخل والخارج متداخلان، لا جدران، لا أبواب، انتهك الانفجار، والسلطة السياسية وراءه، المكان والجسد والذاكرة، وهنا نكرّر مرة أخرى، ما الوسيط/ القادر على التقاط أثر الدمار الذي يتركه انفجار 2750 طناً من نترات الأمونيوم؟

المخيف في "تمثيل " الانفجار هو إدراكنا عجز العلامات والوسائط عن الإحاطة به، هذا اليقين بالنقص يثير القشعريرة، ما هو "واقعي" و"محسوس" داخلنا لا يمكن تأطيره، سواء كنا نتفرّج من "مساحة الأمان"، أو كنا في وسط الحدث ضمن منطقة "الخطر"، ربما عبارة "انفجر كل شيء" التي نسمعها في الفيلم علامة في درجة القصوى من التعبير، عبارة ذات معنى جدّي لا مبالغة فيه، هي تكديس لكل ما حصل سابقاً، وكل ما ساق بيروت إلى تلك اللحظة، "انفجر كل شيء" لم تكن أبداً عبارة حرفية، لكن ربما في حالة بيروت في 4 آب هي "ممتلئة"، يمكن أن نرددها بثقة دون أن نتعرض للسخرية.

المخيف في "تمثيل " الانفجار هو إدراكنا عجز العلامات والوسائط عن الإحاطة به، هذا اليقين بالنقص يثير القشعريرة، ما هو "واقعي" و"محسوس" داخلنا لا يمكن تأطيره، سواء كنا نتفرّج من "مساحة الأمان"، أو كنا في وسط الحدث

تصف قصقص فيلمها بأنه يحوي ذاكرة متشظية، فالصور أشبه بقطع من أحجية لامتناهية، أجزائها في ذاكرة "الكلّ"، لكن لا وسيط لجمعها أو ترتيبها لنقول: هذا هو الانفجار، وهكذا مسّ كل واحد منا، نستطيع فقط أن نشير ونصرخ ونكتب اسم المسؤولين وكيف أوصلوا المدينة إلى حافة الانهيار.

نحاول إيقاف الصورة في الفيلم، والتقاط التفاصيل المتناثرة في البيوت والشوارع، نحول تلمس أثر العنف فيما نراه، لكن الكاميرا المهتزّة/ الخائفة، لا يهمها التفاصيل، هي تتطابق مع جسد حاملها، هي تهرب، تحاول إن تنقذ أحدهم، وتطمئن على من نجا، وتترقب خبر من رحل، كل هذا يظهر ضمن "علامات" لا يشكل تسلسلها معنى واضحاً، لكن، أي معنى نريد؟ "انفجر كل شيء"، ألا تكفي هذه العبارة؟

نقارن حينن نشاهد تدفق الصورة ما نمتلكه من خراب في ذاكرتنا الشخصية، فالخائفون والهاربون يتشابهون، خصوصاً حين يكون مصدر الخطر واحداً (السلطة السياسية)، لكن يسأل صوت في الخلفية قصقص: "لوين رايحة؟". لا تجيب سارة عن السؤال مباشرة، وهنا يسأل كل مشاهد نفسه بعد انتهاء الفيلم، إن لم تدري قصقص إلى أين ستذهب، هل نعرف نحن الطريق؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard