تترات المسلسلات التونسية... نوستالجيا للبيع!

الجمعة 15 أبريل 202204:07 م

دأبت القناة التونسية الوطنية الثانية على بثّ مسلسلات رمضانية تونسية متفاوتة القدم. يعود بعضها إلى الثمانينيات والتسعينيات، وبعضها الآخر إلى العشريّة الأولى من القرن الحالي، أعمال تعود كلها إلى ما قبل ثورة 2011. وهي على ذلك لا تزال تُحظى بنسب مشاهدة عالية، ولعّل السبب هو تمسّك معظم التونسيين بماضيهم الأكثر هدوءً، بعد تجريب سنواتٍ عجاف من الاحتدام الاجتماعي والسياسي.

حوّل التلفزيون "نوستالجيا" التونسيين أو حنينهم للماضي إلى عمق تجاري، ولم تكن تجارة كاسدةً بالمرّة، فالسلسلة الهزليّة "شوفلي حل" على سبيل المثال، التي تروي يوميّات سكّان إحدى العمارات، حيثُ عيادة طبيب نفسي قام بدوره المسرحي القدير كمال التّواتي، وعرّافة مثلتها الفنّانة آمال البكّوش، والشخصية الأكثر شهرةً بين الكبار والصغار، السبوعي الذي مثّله المرحوم سفيان الشّعري، هي السلسلة الأكثر تكراراً على الشاشة، أُعيد بثّها أكثر من ستّ مرّات متتالية، وسجلت نسبة مشاهدة عالية في كل مرة.

ولعل التونسي الذي يعود إلى منزله بعد يومٍ ضاجّ ومرهق يرغب في الغرق في تفاصيل الماضي حين كانت "الدنيا بخير"، ولا يسأم من مشاهدة هذه الحلقات، رغم أنه بات يحفظ أحداثها وحواراتها عن ظهر قلب. هذه النوستالجيا استثمرتها القناة التونسية الوطنية الثانية ونجحت في بيعها دون أن تدفع للّذين عملوا بها، كما لم يكفّ الممثلون في هذا العمل عن التّرديد في أكثر من وسيلة إعلامية.

الحلقة الأولى من سلسلة شوفلي حل سنة 2005 نصّ الصّحفي حاتم بالحاج وإخراج الرّاحل عبد القادر الجربي

التترات: بوابة النوستالجيا

ما إن تنطلق مقدّمة سلسلة "شوفلي حلّ" حتى يهرع الكبار قبل الصغار أمام الشاشة مردّدين "السبوعي جاء". قد تنطلق بعض التنهدات وبعض عبارات الترحّم عمّن تُوفّي من الممثّلين، حال الفنان توفيق البحري المعروف باسم "الباجي ماتريكس"، الذي يملك في العمارة نفسها ـ حيث تدور معظم أحداث "السّيت كوم"ـ متجراً لتصليح الآلات الكهربائيّة والإلكترونيّة وكراء الأفلام المقرصنة.

ليست هذه السلسة وحدها التي تُبثّ على ذات القناة إلاّ أنها تبقى الأكثر إعادة. وثمّة عدّة مسلسلاتٌ أخرى تطل علينا من التلفزيون بغبارها ونوعيّة صورها الآتية من ماضٍ سحيقٍ، وتتردّد المقدمة الموسيقيّة لتثير الحنين الجمعي الذي أصبح أداة في يد السيّاسة التونسية، توجهها شمالاً أو جنوباً، حسب ما تقتضيه المصلحة.

مسلسل "الدُوّار" الذي تم بثه أول مرة سنة 1992 والذي عرف شهرةً على مستوى المغرب العربي بمقدّمته الموسيقيّة الّتي تُلامس عمق الجنوب التونسي، وهي من تلحين الفنّان منذر الدّيماسي، تحولت إلى ديكور رئيسي في الأعراس التونسية، تشترك في عزفه الفرق الشعبية، مثل "المزود" و"القصبة" وغيرهما. وتدور أحداث المسلسل حول قصة إرث يُفتك من عائلة بتواطؤ أحد أفرادها مع شخص آخر، وهما العاتي وعليّة. وبعد وفاة الأخير، يستأثر العاتي بالأموال المنهوبة ما يجعله ثرياً، فيما تبقي العائلة في صراعات ومحاولات مضنية لاسترداد الأموال المنهوبة.

دأبت القناة التونسية الوطنية الثانية على بثّ مسلسلات رمضانية تونسية متفاوتة القدم يعود بعضها إلى الثمانينيات والتسعينيات. هذه النوستالجيا استثمرتها القناة التونسية الوطنية الثانية ونجحت في بيعها دون أن تدفع للّذين عملوا بها

تترات الماضي الجميل

تتميّز أغلب هذه التترات بطابعها الموسيقي "النخبوي" إن صحّت العبارة. فهي كذلك قياساً مع بعض تترات اليوم التي تميل إلى "الرّاب" وما يُسمّى الموسيقى الشبابية. فمسلسل "الأيام كيف الريح" الّذي بُثّ سنة 1992، إنما هو إحالة على إحدى الأغاني التراثية الشهيرة للفنان التونسي ذي الأصول اليهودية، "الشيخ العفريت" الذي يملك أغنية تحمل ذات الاسم:

الشيخ العفريت "الأيام كيف الرّيح"

الحلقة الأولى من مسلسل "الأيام كيف الرّيح"

ثمّة مسلسل آخر لا يقلّ شهرة عن "شوفلي حلّ" المذكور في البداية، وهو "الخُطّاب ع الباب" وقد ظهر موسمه الأول سنة 1996، من إخراج صلاح الدين الصيد وإنتاج التّلفزة التونسية. يخوض هذا المسلسل في أجواء الأحياء العتيقة بالعاصمة التونسية، أو ما يُصطلح عليه باسم "الحومة العربي"، بما تحمله من عادات وشخصيات فكاهية وقصص حب صعبة.

الحلقة الأولى من الخطاب على الباب بشارة بدايتها الموسيقيّة

مثّل اللجوء إلى نجوم غنائية تونسيّة معروفة على المستوى العربي نقلةً نوعيّةً في سياق شارات بداية المسلسلات. فمنذ مسلسل "أمواج" الّذي بثّ في شهر رمضان 1994، لمع نجمُ الفنان صابر الرّباعي كمؤدّ لأغاني التترات 

التتر من تأليف الموسيقار الرّاحل مؤخّراً حمّادي بن عثمان، الذي يُشتهر بعدة أعمال دراميّة رمضانيّة أهمّها "وردة"، "باب الخوخة"، "ماطوس"، إخوة وزمان" إلخ... هذا إلى جانب تلحينه لنجوم تونسيّين، مثل ذكرى وعُليّة وصابر الرّباعي ولطفي بوشناق... وتتميّز هذه الموسيقى بفرادتها ورقيّها، كما لا يكفّ المختصّون عن الإشارة إلى ذلك. هذا إلى جانب الموسيقار أحمد عيسى وأسامة فرحات في تترات مسلسلات مثل "العاصفة" و"المتحدّي" التي تتحدّث عن حياة البحارة التونسيين في أغنية عنوانها "تحدّى يا بحّار!".

تترات شعبيّة

من جانبٍ آخر، نلمس حضور الغنّة الشّعبية في عديد "الجينيريكات" كما يُسمّيها التّونسيّون في تطويع للكلمة الفرنسيّة "جينيريك" générique، فنجد صوت الطّبل الشّعبيّ وما يُسمّى الطّرق التّونسي، وعدّة آلات موسيقيّة أخرى كالمزمار، أقرب تلك الآلات إلى العمق الرّيفيّ التّونسيّ. "بين الثّنايا" من تلك المسلسلات في أغنية بدايته المعنونة بـ"بين الثّنايا مشيت ما ولّيت"، حيثُ نصغي بكلّ وضوحٍ لتلك الغنّة المميّزة:

أغنية بين الثّنايا، مفتتح المسلسل، حيثُ الحضور المتميّز للمسرحيّة المرموقة: ناجية الورغي

Une image contenant personne, mur, intérieur, femme  Description générée automatiquement

الفنّانة ناجية الورغي، إحدى أعلام المسرح التّونسي

التترات ونجوم الغناء

مثّل اللجوء إلى نجوم غنائية تونسيّة معروفة على المستوى العربي نقلةً نوعيّةً في سياق شارات بداية المسلسلات. فمنذ مسلسل "أمواج" الّذي بثّ في شهر رمضان 1994، لمع نجمُ الفنان صابر الرّباعي كمؤدّ لأغاني التترات في أغنية "موش غريب"، من كلمات الشّاعر المنصف البلدي وألحان الموسيقار حمّادي بن عثمان. "موش غريب الزّمن ينكر" أغنية مثّلت عاملًا مهمّاً من عوامل نجاح المسلسل الذي أخرجه عرّاب الدراما التلفزية التونسية صلاح الدين الصّيد:

وتوالي اللجوء إلى النجوم مثل لطفي بوشناق في مسلسل "غادة" سنة 1994 وصلاح مصباح في مسلسل "ضفائر" 2001.

الفنّان لطفي بوشناق في "جينيريك" مسلسل غادة إخراج محمّد الحاج سليمان

صلاح مصباح في "جينيريك" مسلسل ضفائر

صيد الرّيم

مسلسل "صيد الرّيم" الذي عرض في رمضان 2008 وأخرجه علي منصور، عرف نجاحاً منقطع النظير، ابتداء من أغنية البداية "صيد الرّيم" التي أدّاها الفنان صابر الرّباعي، وأيضاً للقضية الحساسة التي طرحها وهي التّحرّش الجنسيّ الذي تتعرض له المرأة في العمل، وردة فعل أهالي الضحايا حين يخرجن عن صمتهن. عالجت الدراما المسكوت عنه والتابو في المجتمع، وظل تتر المسلسل علامة فارقة في مسيرة صابر الرباعي، لا يكف الجمهور عن المطالبة به في كل الحفلات.

أغنية صيد الرّيم وهي من تلحين "ربيع الزّموري"

المنعرج

إذا ما شهدت تترات المسلسلات التونسيّة منعرجاً، فإنّ ذلك قد تمّ بعد الثّورة التّونسيّة وظهور عدّة قنواتٍ خاصّة، مثل قناة "نسمة" و"الحوار التّونسي"، فخرجت موسيقى شارات البداية من نمطها التقليدي وظهر "الرّاب" على سبيل المثال في مسلسل "أولاد مفيدة" للنّجم التونسي بلطي وشيرين اللّجمي سنة 2015.

بلطي وشيرين اللّجمي في شارة بداية مسلسل أولاد مفيدة، رمضان 2015. الأغنية من تلحين الشّاب مهدي المولهي

المسلسل من إخراج سامي الفهري الذي مثّل دخوله إلى عالم الإخراج والإعلام نقلة مثيرة للجدل. ضخّت شركة "كاكتوس" للإنتاج التي كان يملكها بلحسن الطرابلسي، أخ زوجة الرّئيس الأسبق زين العابدين بن علي وسامي الفهري، دماءً جديدة منذ إنتاج مسلسل "مكتوب"، وفي التتر استُعيدت أغنية الفنّان الهادي الجويني "مكتوب يا مكتوب"، حيثُ يمكن تمييز ألحان "الفلامنكو" بوضوح:

مسلسل مكتوب، إخراج سامي الفهري

مغنو الراب يتنافسون على أداء أغاني المسلسلات

عرفت تترات المسلسلات التّونسيّة مصالحةً بين مختلف الألوان الموسيقيّة، مثل الرّاب والمزود وغيرهما. ففي شارة بداية المسلسل الكوميدي "كان يا ما كانش"، الذي أخرجه الشاب عبد الحميد بوشناق، نجل الفنّان لطفي بوشناق، وقد استعان بوالده لأداء أغنية المقدّمة بالاشتراك مع مغني الراب A.L.A

جينيريك سلسلة "كان يا ما كانش" في كلمات جلال الصّويدي

وقد عرفت المسلسلات التونسية مؤخراً، وخاصة في شهر رمضان، حضوراً لافتاً لمغني الراب الذين أدّوا أغاني "الجينيريك"، ومن بينهم جنجون، وكلاي بي بي جي، وأيضاً نوردو،

وحصدت أغنية جنجون، لتتر مسلسل "الفوندو" الذي بث على قناة الحوار التونسي، مليونين وأكثر من 700 ألف مشاهدة في وقت قياسي آنذاك.

استطاع الراب استقطاب قاعدة جماهيرية شبابية واسعة، خصوصاً من أبناء الأحياء الشعبية والأوساط المهمّشة والفقيرة... يخاطبهم بطريقة مباشرة بعيدة عن التعقيد، وبكلمة قوية قريبة منهم، تعكس همومهم ومشاغلهم وتحاكي الواقع دون مبالغة. كما تنتقد أغاني الراب الأوضاع الاجتماعية المتردية، كالبطالة والتهميش والهجرة غير الشرعية.

النوبة: عودة التونسي إلى نفسه

مسلسل النّوبة أو "عشّاق الدنيا" كعنوان فرعيّ له، ترجمة لنوستالجيا شعبيّة وضع لمساتها المخرج الذي دخل عالم الدراما بقوّة، عبد الحميد بوشناق. عاد خلال هذا المسلسل إلى "النّوبة"، وهو عرض لفنّ المزود الشّعبي الذي شارك فيه الفنّان لطفي بوشناق سنة 1991.

خاض المسلسل في عدة قضايا تمس المجتمع، من الحومة العربي وأجواء الفنّانين الشّعبييّن والأفيون والسياسة والجريمة... تلخيصٌ بارعٌ لتسعينيات القرن الماضي وما يليها من هزات سياسية في البلاد. نسمع في شارة البداية صوت "حبّوبة" المغني الذي يحبّه التونسيون.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard