روائح الماضي وعبق التاريخ في "ليالي الحي القديم"

الجمعة 13 مايو 202212:00 م

عرض التلفزيون المغربي مسلسل" ليالي الحي القديم"، وقد تابعه الكثير من المشاهدين، وأشاد النقاد والمتابعين بجودته وباختلافه عما هو سائد منذ فترة طويلة، فهو يزيح الحاضر بروائح الماضي الجميل رغم قسوته، ويشدّنا إلى عبق التاريخ والأحياء القديمة التي أصبحت في الذاكرة الوطنية.

والروائي، والسيناريست البشير الدامون، هو كاتب روائي وله أكثر من مسلسل، وحينما سألته عن فكرة المسلسل، أجاب بعفوية: "فكرة سيناريو (ليالي الحي القديم) بدأت تراودني منذ بدأت أفكر في كتابة السيناريو، هي فكرة تلخص بعض العلاقات الإنسانية والاجتماعية التي قد تسود فضاء ما، وكذلك لا تخلو من استحضار بعض الأحداث الحقيقية. وفيما يخص الفضاء المختار، والذي يمثل حيّاً من أحياء المدينة القديمة بمدينة تطوان، فأنا ابن حي من تلك الأحياء، ودفء دورها وأزقتها، وما شاهدته وعايشته فيها من أحداث، وما ترسخ في قلبي من عبقها الذي لم يفارقني، قد يكون سبباً في اختيارها كفضاء للحكاية. لكن المهم بالنسبة لي هو أنه في كل سيناريو تبقى الحكاية هي الانطلاقة وهي الأساس، حكاية مشوقة تتنامى أحداثها، تتغير وتتنوع شخوصها على شرط أن تكون الحبكة مقنعة، متماسكة".

وعن أجواء المسلسل، قال: "أجواء سلسلة "ليالي الحي القديم"، وهي سلسلة من أربع حلقات، تحكي عن "حسنا"، شابة في العشرينيات من عمرها، أكملت دراستها الجامعية ولم تحصل على عمل، فظلت تساعد والدتها وأختها في صنع حلويات تقليدية للأفراح، وبيعها".

حسنا كانت على علاقة عاطفية لمدة طويلة بـفريد ، زميل لها وفي نفس الوقت جار في نفس الحي، والكل في الحي القديم يعرف بعلاقتهما. لكن ما إن حصل فريد على وظيفة بتدخّل من خاله، وهو صاحب منصب كبير ونفوذ، حتى تخلى عن حسنا، معتبراً أنه أصبح ذا مقام اجتماعي عال، فرغب مع أمه في الزواج من ابنة خاله طمعاً في تحسين منصبه الوظيفي، وكذا حالته الاجتماعية.

عرض مسلسل" ليالي الحي القديم" بالتلفزيون المغربي، وقد تابعه الكثير من المشاهدين، وأشاد النقاد بجودته وباختلافه عما هو سائد، فهو يزيح الحاضر بروائح الماضي الجميل رغم قسوته، ويشدّنا إلى عبق التاريخ والأحياء القديمة التي أصبحت في الذاكرة الوطنية

ستصدم حسنا، خاصة وأنها وهبته نفسها وقلبها. ستبدأ حسنا بالتعرض للتحرش سواء من طرف "الكحشة"، صعلوك الحي، أو من طرف الحاج يوسف صاحب بازار ومرقص ليلي، ويقوم ببيع المخدرات المهلوسة التي يدخلها من الخارج.

ستعيش حسنا أياماً عصيبة من القلق والإحباط، وستحاول الخروج من أزمتها عبر قراءة الروايات التي كان أحمد صاحب دكان بيع الحلويات يعيرها بعضاً منها. أحمد شاب خلوق كان يحب حسنا بصمت.

تتوالى الأحداث، ويرغب الحاج يوسف بالإيقاع بحسنا في شباكه بشتى الطرق. سيدعو الحاج سعيد، أخ حسنا للعمل معه في المرقص، حيث سيتفاجأ سعيد بوجود ليلى جارة عائلته، وصديقة أخته الحميمة، تشتغل كمطربة، بعدما كانت تدعي أنها تعمل بمصحة خاصة.

ليلى هي المعيلة الوحيدة لأمها العمياء. ستتولد علاقة حب بين سعيد وليلى. سيتشبث الحاج بقوة بحسنا رغم رفضها. سيرسل رجاله لكسر يد "الكحشة" الذي كان يتحرش بحسنا، كما سيدبر خطة لتسليم فريد شحنة من الأقراص المهلوسة ما سيودي به إلى السجن، وبعدها سيتقدم لخطوبة حسنا. زوجته ستهدد حسنا ووالدتها رحمة. المرأة المكافحة التي تحاول ما أمكن إسعاد أبنائها.

الروائي والسيناريست البشير الدامون: لم أفكر يوماً في أن أكتب، إلى أن عشت حالة نفسية وأنا في أواخر الثلاثين من عمري، دخلت معها تجربة الكتابة

الحاج كان له خادم يدعى قويدر يعتبر يده اليمنى، ينفذ أوامره ويتكلف ببيع المخدرات وبالحسابات. الحاج وزوجته وابنه الوحيد والمدلل إلياس كانوا يعاملون قويدر بازدراء، خاصة إلياس، ابن الحاج المدلل الذي كان قويدر يتكلف بإيصاله بالسيارة إلى المراقص، والذي كان يهين قويدر بشكل كبير، ما جعله ينتقم منه، ويناوله أقراصاً مهيّجة أدت إلى قتله. تم اعتقال قويدر، وكذلك الحاج يوسف. أحمد سيتقرب أكثر من حسنا التي بدورها ستتقرب أكثر منه، تقاربها سيؤدي إلى تولد علاقة عاطفية بينهما، وستتم خطوبتهما.

وعن انتماء المسلسل للواقع المغربي، وأهم الشخصيات به، قال: "أرى أن السلسلة تسرد جانباً لما يعيشه مجتمع مثل مجتمعنا، بمعنى أنها تعكس جانباً من الواقع، وطبعاً هذا موضوع طويل تتداخل فيه الآراء، أنكتب الواقع ام نتخيل ونسرد حكاية شيقة قد تكون لها جذور في الواقع أم أصلها خيال فقط؟".

سيناريو ليالي الحي القديم سرد يلخص علاقات إنسانية واجتماعية قد تكون في كل مجتمع: علاقة حب كاوية، شخصيات نسائية تكافح من أجل العيش، شخصيات تكسب مالاً ونفوذاً بالعمل غير المشروع، وشخصيات مقهورة تتقبل واقعها أو تفكر في الانتقام.

الروائي والسيناريست البشير الدامون: عالم السيناريو يختلف عن عالم كتابة الرواية، فإذا كانت كتابة الرواية تتيح لكاتبها الكتابة بحرية والإفصاح عن كل ما يرغب في قوله. على العكس في السيناريو التلفزي، فالكاتب مجبر بإحضار المتلقي أمامه

وعن اختلافه عن أعماله السابقة، أجاب: "السلسلة الأولى (مرجانة) مختلفة تماماً عن سلسلة ليالي الحي القديم. إنها سلسلة تحكي عن حقبة تاريخية، مرحلة بداية الستينيات، وعن قصة حب بين مرجانة، فتاة سمراء تنتمي إلى طائفة عبيد كناوة، وبين شاب أرستقراطي، ابن صاحب القصر الذي كان يشتغل فيه أفراد عائلة مرجانة كخدم.  كما تحكي عن صراعات سياسية بين الأحزاب عرفها المغرب في بداية الستينيات، وعن كنز مدفون من عهد الرومان (مرحلة الملك بطليموس والأميرة اورانيا في المغرب حوالي 40 ميلادية) وسيناريو السلسلة قمت باقتباسه من روايتي أرض المدامع الصادرة عن المركز الثقافي العربي".

وعن الصعوبات التي واجهته في كتابة المسلسل، قال: "إن الصعوبة الكبرى التي تواجهني عند كتابة السيناريو هو استحضار حضور المتلقي، وتساؤلي كيف سينظر الشاهد بمختلف اتجاهاته وثقافاته إلى العمل. وبالنسبة لي، المتلقي يختلف ما بين متلقي للأعمال التلفازية ومتلقي للأفلام السينمائية، وأرى أنه يجب أن يكون هناك اختلاف في المادة والمضامين المقدمة في سيناريوهات الأعمال التلفازية والأعمال السينمائية، اعتماداً على أن ما يعرض في التلفزة يقتحم منزل المشاهد دون رأيه، بينما ما يعرض في القاعات السينمائية يكون مُشاهده قد رغب في مشاهدته. وعلى سيناريست الأعمال التلفازية مراعاة ثقافة المجتمع وخصوصيته، وتقديم رسائل تنويرية بطريقة ذكية".

وعن الصعوبات التي واجهت اخراج المسلسل، وعن هم الممثلين والممثلات، قال: "من بين الصعوبات التي واجهت السلسلة هو أن الإنتاج والتصوير تمّا في جائحة كورونا، ما فرض القيام بالتشدد في الإجراءات الاحترازية، الشيء الذي كان يعوق بعض الشيء عملية التصوير، ويعمل على إبطائها. وهناك كذلك المدة الزمنية التي خصصتها شركة الإنتاج للانتهاء من تصوير العمل. لكن وبجدية المخرج محمد الشريف الطريبق، وبتضحيات فريق العمل، من فنانين وتقنيين، تم إتمام العمل في الوقت المناسب".

ما يُجّمل هذه السلسلة هو اختيار المخرج لممثلين محليين ووجوه غير مشهورة فنياً على المستوى الوطني، منهم فرح فامة، والفنانة بوزكري خديجة التي أبهرت المتلقين بأدائها العفوي، وكذلك عبد السلام الصحراوي، مصطفى الولانتي، إلى جانب ممثلين مرموقين مثل نسرين الراضي، الركراكي، بنعيسي الجيراري، وسناء بهاج.

وعن اختياره لاسم ليالي الحي القديم، الذي يتشابه بمسلسل ليالي الحلمية لأسامة أنور عكاشة، قال: "كلمة الليالي هي كلمة جامعة ومعبرة، في إشارة الى ما يحدث في ليالي الحي القديم، وقد نتخذها بمعنى معاكس للنهار، وقد ترمز هنا إلى الظلام والسواد عكس النور والضوء، وفي قراءاتنا العربية عودتنا كلمة الليالي على ليال لحكي الأحداث بطريقة مشوقة (ألف ليلة وليلة) ولهذا كنت دائماً أربط الليالي بالحكي (حكي الجدات بالليالي). كما أننا نصف الأيام الشديدة المطر في المغرب بالليالي، إشارة إلى أنه في تلك الليالي الماطرة يحلو الحكي للاستئناس والخروج من الضجر. أما عن ليالي الحلمية فقد كان مسلسلاً كبيراً، وجميلاً، عشنا حلقاته بمنتهى العشق والتشويق. وهو من المسلسلات العربية التي بصمت تاريخ الدراما العربية".

وعن انجذابه لكتابة السيناريو بعدما تحقق إبداعياً في الرواية، أجاب: "منذ صباي كنت أقرأ كثيراً، خاصة القصص والروايات، موازاة مع دراستي الأكاديمية، ولم أفكر يوماً في أن أكتب، إلى أن عشت حالة نفسية وأنا في أواخر الثلاثين من عمري، دخلت معها تجربة الكتابة. فكانت روايتي الأولى سرير الأسرار، وواصلت بعدها الكتابة. بالنسبة لكتابة السيناريو، فلقد كنت أعشق السينما بشكل كبير، وخاصة أفلام سينما المؤلف، وأود أن أشير هنا إلى جمعية أصدقاء السينما بمدينة تطوان، والتي انبثق منها المهرجان السينمائي لدول البحر الأبيض المتوسط، حيث شاهدنا أفلاماً سينمائية رائعة. 

كتبت الرواية ولم أكن أفكر في الكتابة من قبل، وبطلب من صديق مخرج سينمائي توجهت إلى الاطلاع ودراسة كيفية كتابة السيناريو، وهكذا تمكنت من كتابة أول سيناريو تلفزي قبل أن أشرع في كتابة مجموعة من السيناريوهات الأخرى.

عالم السيناريو يختلف عن عالم كتابة الرواية، فإذا كانت كتابة الرواية تتيح لكاتبها الكتابة بحرية والإفصاح عن كل ما يرغب في قوله. على العكس في السيناريو التلفزي، فالكاتب مجبر بإحضار المتلقي أمامه، وأن يعمل حسابه بأنه يقتحم بيوت الناس عبر التلفاز عنوة، وبالتالي فهو مقيد في تعبيره وكتابته، الشيء غير المطلوب في حالة كتابة سيناريو فيلم سينمائي، حيث الكتابة تكون بحرية أكبر كحال كتابة الرواية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard