الكلمات الأمازيغية في العامية التونسية... شاهد على ثقافة متجذرة لكن منسيّة

الثلاثاء 29 مارس 202205:18 م

نستعمل في تونس مئات الكلمات الأمازيغية من دون أن نفطن إلى ذلك، وتزخر لهجتنا التونسية أو كما نسميّها في تونس "الدارجة"، بالعديد من العبارات والأسماء التي يعود أصلها إلى اللغة الأمازيغية: ونحن كتونسيين لا نتحدّث لغةً عربيةً صرفةً بل لغة تم إثراؤها بمئات الكلمات الأمازيغية التي عٌرِّبَّتْ ولا زلنا نردّدها من دون أن ندرك أنها تعود إلى لغة السكان الأصليين لشمال إفريقيا على غرار، برشا: وفير/ كثير، للّا: السيدة المبجلة، "الممي": الابن أو الطفل الصغير، نانا: الأمّ أو الجدّة الشابة، هجّالة أو تادجالات: الأرملة، بكّوش: الأبكم الذي لا ينطق، قمقوم: الشخص المتفرغ أو المرتاح مادياً أو الشيء الجيد، هردة: كارثة، وبلعوط: الثرثار المجادل/ الكاذب.

واللغة الأمازيغية هي لغة الشعب الأصلي في تونس، وتعود إلى قرون قبل الوجود العربي ودخول الإسلام، وهي أيضاً لغة السكان القدامى في كل بلدان شمال إفريقيا (الجزائر والمغرب وموريتانيا وجزء من مالي وبعض مناطق جنوب مصر).

 تسمّى الحروف الأمازيغية تيفيناغ  tifinaghوهي كلمة أمازيغية تعني الكتابة الأمازيغية وهي أبجدية أمازيغية قديمة استخدمها الأمازيغ، سكان شمال إفريقيا الأصليون منذ عصور ما قبل الميلاد، لكتابة لغتهم والتعبير عن طقوسهم وشعائرهم الدينية.

لغة تقاوم

فتح المسلمون تونس في القرن السابع الميلادي، وأسسّوا فيها مدينة القيروان سنة 50 للهجرة، لتكون أول مدينة إسلامية في شمال إفريقيا ثمّ توسّع الوجود العربي في تونس بشكل كبير في القرن الحادي عشر ميلادي، إثر ما يُعرف بالغزوة الهلالية التي وقعت بعد هجرة قبائل عربية بتشجيع من الفاطميين من صعيد مصر لتونس والجزائر، وقد دمّر الهلاليون دولة بني زيري في تونس، وانتشروا في بقاع تونس والجزائر، واندمج بنو هلال وحلفاؤهم وتزاوجوا معهم، قبل أن ينصهر بنو هلال والأمازيغ في فرع واحد هو فرع العروبة.

يروي عضو الجمعية التونسية للأمازيغية، جلول غاقي، من مواليد 1956، لرصيف22، أنه تم منعه ورفاقه الأمازيغ في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، من الحديث بالأمازيغية في المدرسة، وهي لغة يقول إنها صمدت بالرغم من كل شيء.

اللغة الأمازيغية هي لغة الشعب الأصلي في تونس، وتعود إلى قرون قبل الوجود العربي ودخول الإسلام. يشهد على ذلك آثارها التي ما زالت حاضرة في العامية التونسية

يتذكر غاقي، وهو سجين سياسي سابق تم القبض عليه عام 1983، مع رفاق له من اليسار التونسي بتهمة المسّ بأمن البلاد، أنه قيل لوالدته التي لا تتكلّم العربية أن من يعادي بورقيبة يُقطَع رأسه، فخافت عليه وذهبت لرؤيته في سجن 9 نيسان/ أبريل، ويوم التقته كانت تحدّثه بالأمازيغية في حين كان يجيبها هو بالعربية خشيةً من الحراس الذين كانوا معهم، والمضحك أن أحدهم سأله بعد ذلك بأي لغة تتحدّث والدتك لأن الأغلبية كما يروي يظنون أن التونسيين جميعهم عرب، ويتحدّثون بالعربية.

ويتحدّث غاقي بأسف عن مخاطر الاندثار التي واجهتها اللغة الأمازيغية، بسبب ما أسماه بالغزو العربي وسياسات الاستهداف المتواصلة للثقافة الأمازيغية لولا صمود هذه اللغة التي عمرها 35 ألف سنة حسب إحدى الدراسات الفرنسية.

ويضيف أن القوميين العرب ينفون وجود الحضارة الأمازيغية ولا يعترف كثيرون منهم بها حتى مجرّد اعتراف في عداء واضح للتعددية و للأصل والتاريخ حسب وصفه.

وحافظت تونس على أسماء بعض مدنها التي تعود لكلمات أمازيغية على غرار اسم مدينة تطاوين، وهو اسم محافظة في تونس، وتعني بالعربية العيون، واسم محافظة زغوان وتعني باللغة العربية الديار.

من جانبه، يرى صالح بن محمود، وهو باحث في اللغة والحضارة الأمازيغية، ويدرّس لغتها، أن الأمازيغية من أسهل الكتابات وأقدمها وهي لغة حامية نسبةً إلى مازيغ بن كنعان بن حام بن نوح، مضيفاً أن الكتابة اللاتينية تأثّرت بالأمازيغية وأخذت منها على سبيل المثال حرفي H وB.

أغلب التونسيين يتحدّرون من أصول أمازيغية حسب تحليل جيني أُجريَ عام 2017، إلاّ أن من يتكلمون الأمازيغية في تونس اليوم أقلية

بن محمود الذي يقدّم برنامجاً أسبوعيّاً على أمواج إذاعة "أوليس" المحلية حول الثقافة الأمازيغية، أكّد لرصيف22 أن أغلب التونسيين يتحدّرون من أصول أمازيغية حسب تحليل جيني أُجريَ عام 2017، إلاّ أن من يتكلمون الأمازيغية في تونس اليوم أقلية. وتشير الدراسات إلى أن جزءاً من الإرث الجيني لسكان إفريقيا أمازيغي، بحكم التمازج بين القبائل العربية والأمازيغية.

ومع ذلك حافظت مناطق عدة على الخصوصية واللغة الأمازيغية على غرار منطقة " ڨلالة" في جزيرة جربة التي يتحدث 90 في المئة من سكّانها اللغة الأمازيغية، وعددهم تقريبا 12 ألف شخص، بالإضافة إلى عدد من العائلات في الجنوب التونسي وسليانة.

ويرى محدّثنا أن عدم تدريس اللغة الأمازيغية ضمن المناهج الدراسية أدّى إلى تراجع الناطقين بها، على عكس دول الجوار (المغرب والجزائر)، حيث تُعدّ الأمازيغية لغةً رسميةً وهناك نشرات إخبارية ناطقة بالأمازيغية في قنواتهم الرسمية.

إرث بورقيبة

كرّس الحبيب بورقيبة، عندما تولّى تأسيس الدولة الوطنية بعد الاستقلال، اللغة العربية لغةً رسميّةً لتونس، ومنع الأسماء الأمازيغية إذ سعى إلى فرض "هويّة واحدة"، وكان يخشى من التعددية العرقية لسكّان البلاد التي كانت تتميز وقتها بطغيان التقسيم القبلي.

لكنّ الثورة عام 2011، مكّنت بعد ذلك من إعادة المسألة الأمازيغية إلى النور، وتم إلغاء المرسوم الذي يمنع تسمية المواليد الجدد بأسماء أمازيغية لتصبح الأسماء الأمازيغية متاحةً وغير ممنوعة، وهو ما جعل العديد من العائلات تسمّي أبناءها بأسماء أمازيغية، وهنا يشير الباحث صالح بن محمود، إلى أن أحد أقاربه أطلق على ابنه مؤخراً اسم "غيلاث" الأمازيغي، لكن لا يزال تضمين اللغة الأمازيغية في الدستور التونسي مرفوضاً وينصّ في فصله الأول على أنّ  تونس دولة حرّة، ومستقلّة، وذات سيادة، والإسلام دينها، والعربية لغتها، والجمهورية نظامها.

مكّنت الثورة عام 2011،  من إعادة المسألة الأمازيغية إلى النور، وتم إلغاء المرسوم الذي يمنع تسمية المواليد الجدد بأسماء أمازيغية لتصبح الأسماء الأمازيغية متاحةً وغير ممنوعة

ومع ذلك تظل ّملامح الحضارة الأمازيغية محفورةً في مختلف مظاهر عيشنا اليومي: في العادات الغذائية واللباس والموسيقى التقليدية والأعراس. هي جزء راسخ من الهويّة التونسية إذ بالإضافة إلى الكلمات، حافظ التونسيون على الأكلات الأمازيغية على غرار "العصبان" و"الكسكسي" و"البسيسية" و"الزميطة" و"العصيدة" وهي أشهر الأكلات التقليدية التونسية.

وحاولت الأنظمة السياسية السابقة القضاء على الثقافة الأمازيغية والتمثيل الثقافي الأمازيغي، ويتذكّر جلول غاقي، وهو نائب رئيس الكونغرس العالمي للأمازيغية، أنه بعد الثورة وخلال تنظيم إحدى المسيرات المطالبة بإحياء الثقافة الأمازيغية والاعتراف بها في العاصمة عام 2011، أخرج أحد المواطنين رأسه من نافذة سيارته، وقال للمشاركين في المسيرة: "أحنا ناقصين تقسيم باش تجيونا من المغرب والجزائر تعملوا مسيرات"، ظنّاً منه أن الأمازيغ موجودون في المغرب والجزائر فحسب، وأن المشاركين في المسيرة قدموا من هاتين الدولتين الجارتين للتظاهر.  

وحسب رأي الباحث في الحضارة الأمازيغية، صالح بن محمود، فإن "ملامح الأمازيغ الأصليين تتميّز ببشرة بيضاء وعيون زرقاء وشكل أصابع مختلف لكن مع اختلاط الأنساب و"تمزّغ" العديد من الأفارقة وحصولهم على ألقاب واندماجهم في المجتمع الأمازيغي، تغيّرت هذه الملامح".

وساهم التجّار من منطقة جربة في تطوير مزج اللغة العامية، إذ "تمزّغت" الكلمات العربية، وتعرّبت الكلمات الأمازيغية، وخُلِقَت اللهجة التونسية المحكية.

وبالرغم من تغير الوضع بعد الثورة إذ أصبح يُسْمَحُ بالاختلاف، إلا أن الثقافة الأمازيغية لا زالت مغيّبةً، ومن أهم مطالب الأمازيغ اليوم: الاعتناء بالعمارة الأمازيغية وتدريس اللغة الأمازيغية والاعتراف بها كلغة ثانية في تونس، وهي اللغة التي ظلّت صامدةً وشفويةً لآلاف السنين، ويجب منحها ما تستحق في الثقافة التونسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard