الوساطة المجتمعية في اليمن… فن التفاوض الذي عجزت عنه المنظمات الدولية واستغلته

السبت 12 مارس 202201:33 م

يستذكر أحمد حوذان المختطَف والمفرج عنه بوساطة مجتمعية، مشاعر فرحته التي لم تكتمل عند إطلاق سراحه في صفقة تبادل أسرى ومختطفين بين طرفي الصراع اليمني، قائلاً: "أُفرج عني لكنني فقدت أخي في اليوم نفسه". لم يعانق شقيقه الأكبر الذي عمل جاهداً على إطلاق سراحه، وعند نجاح جهوده، قُتل في مواجهات وهو يقاتل في صفوف الشرعية في محافظة مأرب شرق اليمن.

حوذان البالغ من العمر 35 عاماً، أُطلق سراحه بعد 14 شهراً قضاها مختطَفاً في سجون الحوثيين في صنعاء، وكان ضمن صفقة لتبادل تسعة أسرى مقابل تسعة مختطفين، قادتها وساطة مجتمعية أواخر العام 2020، ونُقل حوذان ورفاق سجنه التسعة من صنعاء إلى منطقة التبادل التي غالباً ما تكون منطقةً تتوسط خطوط النار بين أطراف الصراع، بين محافظة مأرب والجوف في شرق البلاد.

نجح الوسيط جمعان في انتشال أكثر من 1،500 جثة وتبادلها بين طرفي الصراع، كذلك نجح في إطلاق 700 أسير ومختطف

يقول حوذان إنه "في منتصف طريق نقله إلى منطقة التبادل، تلقى اتصالاً من شقيقه الأكبر الذي يعمل ضابطاً في صفوف الجيش الوطني عبر هاتف الوسيط يستفسر عن صدق إطلاق سراحه، ليتم إخراج الأسرى الحوثيين من السجن ونقلهم إلى منطقة التبادل، وبعدها لم يسمع صوته، ولم يتمكن من رؤية شقيقه الذي قُتل في مواجهات بين الحوثيين والشرعية في ذلك الصباح. "أفرجوا عني وقتلوا أخي"، يقول حوذان مشيراً إلى الحوثيين.

الأرقام تتحدث

تقوم الوساطة المجتمعية في اليمن خلال الحرب الدائرة في البلد منذ سبع سنوات، بجهود كبيرة، وسطرت نجاحات واسعةً في ملفَي الأسرى والمختطفين وجثث قتلى أطراف الصراع (أنصار الله الحوثيين والشرعية المعترف بها دولياً)، منذ العام 2016، على الرغم من أن عدد الوسطاء في البلد ككل لا يتجاوز الاثني عشر وسيطاً فقط، "لكن تلك الطريق لم تكن سهلة المسار بل صعبةً ومليئةً بالأشواك"، يقول الوسيط المجتمعي هادي جمعان المتخصص غالباً في انتشال جثث قتلى طرفي الصراع وتبادلها.

تعرضت مركبة الوسيط جمعان، للقصف من قبل الحوثيين في مديرية ناطع في محافظة البيضاء وسط اليمن، في 10 آذار/ مارس 2018، وكانت محملةً بعددٍ من جثث قتلى طرفي الصراع التي انتشلها من منطقة البيضاء جنوب شرق العاصمة صنعاء، وتلفت كل تلك الجثث، فيما تعرض للسجن ثماني مرات في سجون الشرعية والحوثيين، بالإضافة إلى تلقّيه الكثير من التهم من قبل طرفي الصراع، الحوثيين والشرعية، بانتمائه إلى أحد الأطراف.


ونجح الوسيط جمعان في انتشال أكثر من 1،500 جثة وتبادلها بين طرفي الصراع، كذلك نجح في إطلاق 700 أسير ومختطف من الحوثيين والشرعية ومبادلتهم، منذ بداية عمله في مجال الوساطة المجتمعية مطلع عام 2016 حتى اليوم، كما يقول في حديثه إلى رصيف22.

بدأ جمعان عمله في مجال الوساطة المجتمعية وتبادل جثث القتلى بعد أن طلب منه أحد أصدقائه وهو موالٍ للحوثيين، إخراج جثث لأتباعه من إحدى جبهات محافظة الجوف الصحراوية الحدودية مع السعودية، ومن تلك اللحظة أجرى اتصالاته واستخدم علاقاته الواسعة مع قيادات وأعيان قبليين في صفوف الحوثيين والشرعية، بالإضافة إلى استغلاله انقسام أسرته بين مؤيد للشرعية ومؤيد للحوثيين، ولم يتوقف حتى اليوم، ويقول إن عمله "إنساني بحت، ولا بد أن يستمر في انتشال حثث أبناء جلدته من الجبال والشعاب مهما طالته الانتهاكات والشكوك والإقصاء".

أكياس الجثث ممنوعة

يعاني الوسيط جمعان حالياً من عدم تلقّيه الدعم والمساندة من قبل المجتمع الدولي والمنظمات الأممية والدولية. فعلى سبيل المثال، هو طالب أكثر من مرة (من دون جدوى)، اللحنة الدولية للصليب الأحمر في اليمن، بتوفير أكياس خاصة بانتشال الجثث وأدوات السلامة الصحية لحماية نفسه وفريقة من الإصابة بأمراض أو عدوى تنتقل عبر الجثث المتعفنة التي ينتشلها فريقه الذي بات مكوناً من 15 شخصاً فقط، بعد أن كان مؤلفاً من 75 شاباً وفتاةً، لكنه اضطر إلى تقليص العدد بسبب عدم قدرته على دفع مصاريفهم لقاء العمل الذي يقومون به.

يقول: "نحن لم نأتِ إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر في اليمن لطلب الدعم، إنما أتينا لطلب أكياس خاصة بالجثث ولم نحصل عليها، وانتشال الجثث من المفترض أن يكون من مهام اللجنة الدولية للصليب الأحمر، ونحن دخلنا هذا الميدان بسبب عدم قيامهم بما هو منوط بهم".

صنعت الوساطات المجتمعية في اليمن فارقاً غير مألوف، إذ استطاعت حل ملفات فشلت فيها وساطات المنظمات الدولية

بعد رفض الصليب الأحمر إعطاءه الأكياس، اضطر جمعان إلى شرائها والحصول عليها بأساليب ملتوية، إذ يبيعها موظفون في منظمات دولية مختلفة ومنها الصليب الأحمر، ويقول: "اشتريت منهم أكياس الجثث عن طريق شباب يخرجونها بطريقتهم الخاصة، وأدفع لهم المال. اشتريت منهم أكثر من 400 كيس، تراوحت قيمة الواحد منها بين أربعة آلاف وستة آلاف ريال يمني".

التقى جمعان بممثلي اللجنة الدولية للصليب الأحمر في اليمن في مأرب، أكثر من تسع مرات منذ 2016 وحتى نهاية عام 2018، ولم يستطيعوا تقديم أكياس للجثث التي ينتشلها جمعان وفريقه. وحاول رصيف22، الحصول على رد رسمي من قبل الناطق الرسمي باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، إلا أن وعوده المتكررة بالإجابة لم تتحقق حتى تاريخ نشر التقرير.

الجهد والعواقب

صنعت الوساطات المجتمعية في اليمن فارقاً غير مألوف، إذ استطاعت حل ملفات فشلت فيها وساطات المنظمات الدولية، لا سيما في ما يخص ملفي الأسرى والمختطفين، لكنهم يزعمون أنهم يتعرضون للإقصاء والحرب الخفية من قبل المنظمات الدولية والوسطاء الدوليين الذين فشلوا مراراً وتكراراً في أي ملف إنساني في اليمن حتى الآن.

يقول الوسيط جمعان، إن "المجتمع الدولي يحارب الوسطاء المحليين ولو استطاع منع أعمالنا وإيقافها لفعل"، مشيراً إلى أنه بعد نجاحه أكثر من مرة في فرض هدنة تصل مدتها إلى 24 ساعةً، لانتشال جثث قتلى الطرفين، تلقّى اتصالاً من مسؤول أممي يسأله فيه عن كيفية استطاعته تحقيق الهدنة.

من جهته، يرى الوسيط المجتمعي والشيخ القبلي صالح الأشول (53 عاماً)، المختص بتبادل الأسرى والمختطفين منذ عام 2016، أن ما حققته الأمم المتحدة والمجتمع الدولي قبل عامين عن طريق المبعوث الأممي السابق مارتن غريفيث الذي أصبح اليوم مساعد الأمين العام، من صفقة تبادل للأسرى والمختطفين، وكان عددهم ألفي أسير ومختطف، كان الدور الأكبر في نجاحها هو جهد الوسطاء المحليين في تقريب وجهات النظر حول الأسماء التي خرجوا بها.

الكثير من عمليات التبادل التي تتحدث عنها الأمم المتحدة تكون نتيجة لمجهود الوسطاء المحليين الذين يتواصلون مع طرفي النزاع اليمني ويتوصلون إلى اتفاق ليجدوا في النهاية أن الأمم المتحدة اعتبرت الصفقة نجاحاً لجهودها

ويقول في حديث إلى رصيف22، إن الوسطاء المحليين قاموا بالتنسيق والتواصل مع أطراف الصراع، وجهزوا تلك الأسماء للتبادل، وفجأةً تمت إضافتهم إلى صفقة الأمم المتحدة، وحُسبت على أنها إنجاز من إنجازات المجتمع الدولي، وركبوا الموجة وأصبح الوسطاء المحليون هم الوسيلة التي تعتليها المنظمات والوساطات الدولية لتحقيق نجاح أي صفقة تبادل في اليمن".

يؤكد الأشول أنه لا دور للمجتمع الدولي في دعم الوساطة المحلية، وأنه في الآونة الأخيرة حصل تواصل بين الوسطاء المحليين والوسطاء الدوليين ومندوب الأمم المتحدة، "لكنه كان من أجل الاستفادة من التجربة الناجحة التي حققها الوسطاء المحليون، وحصل اللقاء بيننا في عمان (عُقدت الورشة في عمان في الأردن بين 26 و28 أيلول/ سبتمبر 2021، وخرجنا من دون أن يقدموا أي دعم ملموس لنا، فأحياناً تمر أيام وشهور من دون أن نحقق صفقات تبادل بين الأطراف نتيجة قلة الإمكانات لدى الوسطاء المحليين".

ويضيف: "الوسطاء الدوليون غالباً ما يعرقلون دور الوساطات المحلية، فمثلاً إذا ما حرّك المجتمع الدولي ملف المفاوضات في موضوع الأسرى والمختطفين، يتوقف دور الوسطاء (عندما يأتي الوسطاء الدوليون للتدخل من أجل إطلاق وتبادل أسرى ومختطفين يعمل طرفا الصراع على توقيف عمل الوسطاء المحليين حتى انتهاء عمل الوسطاء الدوليين)، مما يعرقل جهود الوسطاء المحليين تماماً، إلى أن تنتهي المفاوضات وهذه إحدى المشكلات التي نواجهها".

لماذا تنجح الوساطة المحلية؟

يُفسر الوسيط جمعان سبب نجاح الوساطات المحلية في ملفات فشلت فيها الوساطات الدولية، بأن الوساطات الأممية تدار مفاوضاتها من على الكرسي، فيما الوساطة المحلية تدار في الميدان، مضيفاً أن "الوساطة المحلية لا تتاجر بالمشكلة، أما بالنسبة إلى الأطراف الدولية فالموضوع تحكمه المصالح وخالٍ من النوايا الحسنة التي تُساهم في حل الأمة اليمنية".

فريق الوساطة المحلية في اليمن يتكوّن من 12 شخصاً نجحوا في فك أسر وتبادل آلاف الأسرى، منذ بداية عملهم عام 2016 وحتى نهاية عام 2021

أيضاً يشير جمعان إلى أن الوساطات الدولية تفتح ملفات الأسرى، وفيها مئات من الأسماء الوهمية التي تعرقل المفاوضات من دون أن تعمل على حل تلك المشكلة العالقة منذ سنوات، مشيراً في المقابل إلى أن الوساطة المحلية أخرجت أكثر من تسعة آلاف أسير، "فماذا أخرجت الأمم المتحدة والوساطات الدولية كلها؟"، موضحاً أن "الوسطاء المحليين طالبوا بتحييد ملف الأسرى والمعتقلين عن المسارات السياسية وتسليم ذلك الملف للوسطاء المحليين، لكن لم يستجِب أحد".

واستطاع الوسطاء المحليون من خلال قربهم من طرفي النزاع وعلاقاتهم الشخصية الواسعة، أن يتواصلوا مع الجميع، والتأثير على طرفي الصراع وتحقيق النجاح في الملفات التي عملوا عليها، إلى جانب العلاقة التراكمية السابقة وتجاربهم المجتمعية في حل نزاعات قبلية وتقريب وجهات النظر، ويقول الأشول إن "المصداقية ونجاح عمل الوسطاء المحليين خلال ست سنوات، أكسباهم ثقة طرفي الصراع، وهو ما لم يستطع فعله الوسطاء الدوليون".

دور شبابي

بسبب الدور الذي يقوم به الوسطاء المحليون في اليمن، المكونون من 12 شخصيةً قبليةً ومجتمعيةً، كان الفريق بحاجة إلى فريق شاب مساعد في الدور الذي يقومون به، من حيث الدعم التقني والتوثيقي والتصوير لأعمال التبادل وتسهيل مهام فريق الوسطاء في الجوانب التقنية.

صدام الأدوار، عضو فريق الشباب لدعم الوساطات المحلية الذي تقوده منظمة محلية شبابية بدعم من الاتحاد الأوروبي، وتتكون المبادرة من فريق هو عبارة عن 12 شاباً مستقلاً أعمارهم تحت سن الثلاثين عاماً، يشير إلى أن الفريق تشكّل في محافظات تعز ومأرب والجوف في أواخر العام 2020 وبداية العام 2021، بهدف مساعدة الوسطاء المحليين وتقديم الدعم الفني واللوجستي لهم في أثناء عملهم الإنساني في ملفي الأسرى والمعتقلين وملف تبادل وانتشال الجثث. وتتوزع مهام فريق الشباب على ثلاث مراحل (قبل التبادل وفي أثنائه وبعده).

يقتصر دور مباردة الشباب على تقديم خدمات لوجستية لفريق الوسطاء، وترتيب كشوفات التبادل، وطباعة الأوراق، وتصوير عمليات التبادل وتوثيقها

ويقتصر دور مباردة الشباب على تقديم خدمات لوجستية لفريق الوسطاء، وترتيب كشوفات التبادل، وطباعة الأوراق، وتصوير عمليات التبادل وتوثيقها، وبدأت قبل أقل من عام، ومشروعها مموّل لمدة عام واحد فقط.

وعلى الرغم من الجهود الكبيرة للوسطاء المحليين في إطلاق العدد الكبير من الأسرى والمختطفين، إلا أن استمرار الحرب في البلد والحملات المستمرة لاختطاف المدنيين وأسر المقاتلين في جبهات القتال، تشكل عائقاً ورافداً أساسياً لاستمرار السجون في ازدحامها بالمدنيين والمواطنين والمقاتلين، فيما الحل يبرز في دور دولي لإيقاف الحرب بعد تدمير ممنهج للبلد منذ ست سنوات. ولكن من سيعمل على إيقاف حرب في الوقت الذي فشلت فيه الوساطات الدولية والأممية في ملفٍ كملف تبادل الأسرى، واليمنيون لا يجلسون وحدهم للتفاوض على مستقبل بلادهم؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard