هل نغادر مدننا التي نحب عندما تصعب الحياة فيها؟ عن فيلم بلفاست ورحلة الخروج السورية

الاثنين 28 مارس 202212:27 م

وصل فيلم كينيث براناه الجديد "بلفاست" والحائز على أوسكار أفضل سيناريو 2021 ، إلى صالات السينما بالتزامن مع فيلم آخر للمخرج نفسه هو موت فوق النيل، ظاهرة لم يكن يمكن أن تحدث لولا جائحة كورونا، ولعل من الملفت أيضاً ملاحظة وظائف جديدة تظهر في شارة نهاية فيلم بلفاست: مراقب كوفيد ومشرف كوفيد، مما يدلنا على ظروف مختلفة تحكم صناعة السينما اليوم.

مع انطلاق أحداث الفيلم، وفي المشهد الافتتاحي بعد فوتومونتاج قصير، لم أستطع منع نفسي من التفكير بتصوير مشهد يحتوي كل هذا العدد من الممثلين والكومبارس إجرائياً، سرحت بأفكاري، لعلهم اضطروا لإجراء فحوص كوفيد لكل المشاركين، لعل المخرج غير الميزانية ليحافظ على مسافات متباعدة بين الشخصيات، إلا أنني بعد لحظات نسيت كل ذلك، وعدت مع الفيلم إلى نهاية الستينات، حيث لا كوفيد ولا جائحة، وبدأت مشاهد الفيلم تتلاحق وتسحبني معها إلى ذاك العالم الإيرلندي الذي كانت همومه مختلفة تماماً.

لا يبدو الفيلم معنياً برواية حكاية بقدر ما يحاول نقل شعور إلى المشاهد،  شعور بفقدان المألوف والمعتاد،  وبأننا لا يمكننا أن نمنع هذا التيار العنيف من التغيير القسري الذي لم نختره.

يقدم المخرج في فيلمه بلفاست حكاية مغادرة عائلة لمدينة بلفاست عقب اندلاع الحرب الأهلية الإيرلندية، ويروي لنا القصة من عيني الطفل الصغير في العائلة.

لا يبدو الفيلم معنياً بالصراع السياسي وتفسيره إلا أن ذلك منسجم مع كوننا نشاهد الحكاية من وجهة نظر طفل لا يفهم تماماً ما يجري.

يخرج الفيلم عن طبيعة الأفلام التي يخرجها براناه عادة والتي تميل إلى التحليل الفكري للنص وربما إلى بعض الجمود وتبتعد عن المشاعر، فيما يبدو فيلم بلفاست وجدانياً إلى حد الشعرية، تنساب لقطاته من شارع إلى آخر في المدينة المفقودة. يحول الطفل البطل المدينة بأكملها إلى ملعب كبير لا يخربه إلا الحواجز العسكرية، كما يقوم التكرار ببناء الألفة بين المشاهد والأماكن، إذ يعيد بادي نفس الأفعال يومياً ويمر من نفس الشوارع ويلعب في نفس الزوايا.

لا يبدو الإيقاع البطيء الذي تسير فيه الحكاية عبئاً على الفيلم لأنه في النهاية ليس سوى صور وذكريات من طفولة بعيدة، إذ لا يبدو الفيلم معنياً برواية حكاية بقدر ما يحاول نقل شعور ما إلى المشاهد، شعور يعيشه البشر في أماكن متفرقة من العالم، شعور بفقدان المألوف والمعتاد، شعور بأن ما نعرفه يتغير دون أن نستطيع التحكم بذلك ودون أن نستطيع منع هذا التيار الهائل والعنيف من التغيير القسري الذي لم نختره.

يختار المخرج أن يلون كامل الفيلم بالأبيض والأسود عدا اللقطات الافتتاحية ومشاهد السينما التي يشاهدها البطل بادي على شاشة الدهشة، يتلون العالم بألوان زاهية جميلة في المتخيل فيما يظل الواقع باهتاً رغم أن المخرج يراه جميلاً ويحمل نحوه الكثير من النوستالجيا.

نتلصص والبطل بادي على العائلة ونتعرف إلى خبايا علاقة الحب التي تربط الجد بالجدة وتعقيدات الزواج الذي يربط الأم بالأب، كما نفهم جانباً من تركيبة ميليشيا الحارة وقائدها، وكل ذلك في مشاهد صورت من وجهة نظر الطفل مما يجعلنا نشعر بلا توقف بصغر حجم بادي بالمقارنة مع العالم المحيط به.

يبدأ السؤال الأكبر الذي يطرحه الفيلم بالظهور شيئاً فشيئاً: هل نستطيع مغادرة المدن التي نحب عندما تصعب الحياة فيها؟ ترفض الأم رفضاً قاطعاً المغادرة في البداية إلا أن حدثاً لاحقاً يجعلها تبدأ بالتفكير جدياً بالرحيل. تعبر الأم عن خشيتها من العزلة والوحدة إن تركت مدينتها وعن خوفها من أن تعتبر غريبة أو أن يتعرض أطفالها للتمييز ضدهم بسبب لهجتهم المختلفة إلا أن القلق من الأثر الذي تتركه الحرب على تربيتها لأبنائها تغير أولوياتها وتجعل الرحيل خياراً قائماً على الأقل. ينفجر بادي غاضباً عندما يدور حديث عن إمكانية الانتقال إلى لندن ويرفض مغادرة مدينته وترك جده وجدته.

هل سيكون للفيلم نفس الأثر على من لم يترك مدينته المحبوبة يوماً مضطراً؟

رغم قتامة الموضوع الذي يعالجه الفيلم، يبدو ملفتاً الحس الطريف الذي يسود أجزاء رئيسية منه، إذ يحب بادي الطفلة التي تجلس أمامه في الصف، وتسير أحداث الفيلم فيما يحاول بادي الحديث إليها والتقرب منها، ويحدث جده وجدته مطولاً حول كيفية لفت نظرها، كما يترافق كل ما هو حزين في الفيلم بتعليقات بادي الطفولية والصريحة، وقد وفق المخرج في خياراته للممثلين جميعاً إلا أن اختيار الطفل جود هيل الذي مثل دور بادي يشكل في فيلم كهذا عماداً أساسياً، وقد نجح الطفل بابتسامته الساحرة وعينيه الفضوليتين ولهجته القوية بنقل تفاصيل عالم الفيلم للمشاهد بكل بساطة وسلاسة.

أعيد النظر في كل ما سبق وأفكر، فيخطر لي سؤال ملح: هل سيكون للفيلم نفس الأثر على من لم يترك مدينته المحبوبة يوماً مضطراً؟ يبدو لي انطباعي شخصياً للغاية ولصيقاً برحلة الخروج السوري الجماعية.

أعادني الفيلم إلى دموع الأمهات في وداع بيوتهن وكل ما جمعنه عبر السنوات من كنوز بسيطة تركت لتجمع الغبار، إلى تماسك يمثله الرجال حسب الدور الذي يفرضه عليهم المجتمع وهم يودعون ما ألفوا، إلى وجوه الأطفال الحائرة التي تخلف وراءها كل ما عرفت، وأخيراً إلى دموع الجدات المكتومة عند الوداع ودعواتهن بحياة جديدة سعيدة وأملهن بلقاء يعرف الجميع أنه لن يكون.

تبدو بلفاست في الفيلم دمشق التي كانت، تبدو كنبات البيت القديمة كتلك التي تركت في الصالونات المخبأة للضيوف، وتبدو المدينة قريبة وبعيدة في آن، حقيقية ومتخيلة، قاسية وحانية، ولكنها دون شك خاوية حزينة دون من أحبوها سوى من جدات ينتظرن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard