دمج الطلبة العائدين من الحرب الأوكرانية... مطلبٌ يفرّق الجامعات المغربية

السبت 26 مارس 202211:10 ص

"تتابع اللجنة الوطنية لطلبة الطب، طب الأسنان والصيدلة في المغرب، عن كثب المستجدات الأخيرة وما يروج حول إمكانية دمج الطلبة المغاربة العائدين من أوكرانيا في الكليات العمومية. إن الوضعية الحالية الصعبة (...) وما يعانيه الطالب من صعوبات في التكوين تجعلنا ندعو إلى استبعاد هذه الإمكانية وبحث حلول أخرى لا تؤثر سلباً على جودة التكوين"؛ بهذه الجملة عبّر طلبة الطب في المغرب عن رفضهم التام لدمج زملائهم في التخصص، العائدين من أوكرانيا.

وأثار الموقف الذي صدر عن الهيئة الطلابية، التي تعدّ نفسها "الممثل الشرعي والوحيد لطلبة الطب والصيدلة وطب الأسنان"، كما جاء في نص البيان، ردود أفعال متضاربةً بين الطلبة أنفسهم، بين من يرون الموقف "إقصائياً" لزملائهم، وبين من يعدّونه "سليماً"، لأن "جودة التكوين خط أحمر"، كما جاء في البيان ذاته.

فبعدما طالبَ آباؤهم بإجلائهم إلى المغرب، يقفون اليوم بجانبهم رافعين مطلب الدمج في الكليات العمومية. الطلبة المغاربة الفارّون من أوكرانيا عقب الحرب الروسية، ينتظرون اليوم كيف سيُدبّرُ القطاع الحكومي الوصي على التعليم العالي تداعيات الحرب على مستقبلهم الجامعي، الذي يصفه أكثرهم بـ"المجهول".

نتابعُ الدراسة ولكن...

في حديث إلى رصيف22، تقول ندى العلوي، وهي طالبة في السنة الخامسة (طب أسنان)، في مدينة لفيف الكائنة في غرب أوكرانيا: "أنا الآن موجودة في مدينة بوخاريست الألمانية. هربتُ بالرغم من عدم تضرر مدينة لفيف في بداية الحرب تحسّباً لتدهور الوضع. أتابع دراستي بشكل عادي من بعد على منصات رقمية للدراسة، وتتمّ طمأنتنا حول إمكانية الدراسة في الصيف لتعويض الحصص الضائعة، ولكن بالرغم من ذلك أشعر بأن مستقبلي مجهول وغير واضح، لا سيما مع استمرار الحرب".

تتابع ندى حديثها، ونبرة صوتها توحي بالتيه والحيرة: "بعد مرور خمسة عشر يوماً كعطلة استثنائية، لا نعرف حقيقةً كيف يمكننا متابعة الدراسة في حال استمرت الحرب، وهل سنعود إلى المغرب أو نبحث عن كيفية للالتحاق بجامعات أخرى في أوروبا؟ كما نتابع وضع الطلبة الذين عادوا إلى المغرب، وننتظر معهم الحلّ لدمجنا في كليات الطب العمومية".

بعدما طالبَ آباؤهم بإجلائهم إلى المغرب، يقفون اليوم بجانبهم رافعين مطلب الدمج في الكليات العمومية. الطلبة المغاربة الفارّون من أوكرانيا عقب الحرب الروسية، ينتظرون اليوم كيف ستدبر وزارة التعليم ملفّهم

تُسجّل ندى بعض الأخبار التي تشيع بين الطلبة، ومن ضمنها إمكانية إرسال بعض الطلبة إلى دولة بولندا لإكمال الدراسة من دون أداء أي نفقات من جهة، واحتمال إرسال الطلبة إلى رومانيا من جهة أخرى، لكن التكاليف فيها تبقى "مرتفعةً جداً"، بالنسبة إلى المتحدثة، وهو الوضع الذي لن يكون في استطاعة أسرتها وأسر العديد من الطلبة تحمّل أعبائه.

وقبل أن تغادر الطالبة نفسها مدينة لفيف، حيث كانت، تحكي عن ظروف متابعة الدراسة حينها قائلةً: "كنا نتابع الحصص الدراسية عن بعد، لكن كلما اشتدّ القصف كنا نضطر إلى إنهاء الدرس والهروب إلى ملاجئ تحت الأرض".

وضعٌ كان صعباً على كل الطلبة بمن فيهم المغاربة، الذين يأملون أن تأخذ الحكومة وضعهم غير الواضح على محمل الجدّ، لا سيما بعد الوعد الذي قدّمه عبد اللطيف ميراوي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، الذي كان قد قال لوسائل إعلامية إن الحكومة لن تسمح بضياع حقوق الطلبة وستتكفل بهم في حالة بقاء الوضع غير المستقر في أوكرانيا على حاله.

الحربُ لم تنتهِ بعد

سعد النوحي، طالب في السنة الأولى (صيدلة)، من بين الطلبة العائدين من أوكرانيا، أوضح في حديث إلى رصيف22، أنه يتابع دراسته عن بعد، على غرار بقية الطلبة، بالرغم من إكراه السير غير العادي للدرس الذي يدفع إلى تأجيله وتعويضه بحصة لاحقة بسبب أصوات الغارات الجوية التي تشنها القوات الروسية على أوكرانيا وتصل إلى أوديسا، حيث جامعته وحيث كان يعيش".

مستشرفاً المستقبل، يقول سعد: "أتمنى أن تعود الأوضاع كما كانت عليه في السابق، ونعود إلى أوكرانيا بعد انتهاء الحرب، لأنه في هذه الحالة لن يكون لمطلب دمج الطلبة أي داع".

وبين من يتابع دراسته، وبين من يبحث عن حلّ يرسم معالم مستقبله الدراسي في المستقبل القريب، يوضحُ مسؤول في إحدى الوكالات المختصة بتوجيه الطلبة الذين يدرسون في الخارج ومرافقتهم ومتابعتهم، في حديث إلى رصيف22، أنه "بدأنا مسطرة البحث عن مدارس وجامعات يمكن أن يلتحق بها 35 في المئة من الطلاب المغاربة الذين عادوا من أوكرانيا بدءاً من السنة المقبلة بعد استيفاء دراستهم وامتحاناتهم عن بعد خلال ما تبقى من السنة الجارية".

وحول الإشكالات المرتبطة بتحويل الطلبة من جامعات أوكرانية إلى جامعات في دول أخرى، يقول المتحدث: "هناك شروط تتطلبها كل جامعة لتسجيل الطلبة، وليس كل الطلبة الذين يدرسون في أوكرانيا تتحقق فيهم شروط الانتقال والدراسة، ولكننا ندرس كل الإمكانيات بما يضمن مستقبل الطلاب".

"الدمج يضربُ تكافؤ الفرص"

وبالرغم من تعبير اللجنة الوطنية لطلبة الطب، طب الأسنان والصيدلة، عن متابعتها للوضع الأوكراني بـ"قلق على مصير إخوتنا الطلبة المغاربة ومستقبلهم"، كما جاء في نص البيان، فإن الهيئة الطلابية ذاتها تعدّ أي "إدماج" للطلبة العائدين "خطاً أحمر"، ترفض المساس به.

معاد واعمليش، طبيب عام، خريج كلية الطب العمومية، وعضو سابق في التنسيقية الوطنية لطلبة الطب، يؤكد الموقف الطلابي الذي عبّرت عنه اللجنة الوطنية، بالقول: "سيكون من الظلم في التكوين دمج الطلبة العائدين من أوكرانيا مع طلبة الطب في المغرب، لأنه بالنسبة إلي، حين كنت طالباً، كنت أذهب يومياً لاجتياز تدريبات من الصباح إلى المساء في المستشفى إلى جانب متابعة التكوين في الكلية، واليوم بعد ازدياد عدد الطلبة لتحقيق هدف طبيب لكل عشرة آلاف نسمة في أفق 2025، لم تعد المستشفيات الجامعية قادرةً مثلاً على استيعاب أربعين طالباً دفعةً واحدةً، وصارت تناوب بين الطلبة على مجموعتين أو ثلاث".

عودة طلبة كليات الطب المغاربة من أوكرانيا تثير الجدل في الجامعات. بين مطلبهم بالإدماج في كليات الطب وبين الطلبة المحليين الرافضين لأن يلتحقوا بهم في مدرجات الجامعات لأسباب يقولون إنها "موضوعية"

وتابع واعمليش، في حديث إلى رصيف22، أنه "في حال تزايد الطلبة العائدين على الطلبة الآخرين سيحدث الاكتظاظ في المصالح والمستشفيات"، مُشيراً إلى أنه بالرغم من خصوصية الظرف الأوكراني، فإن خصوصية ظروف الطلبة في المغرب تقتضي ألا يتم ضرب مصداقية المباراة التي اجتازها الطلبة، بدءاً من الانتقاء من خلال عتبة نقاط الولوج إلى كليات الطب ثم المباراة، فالطلبة بذلوا مجهوداً بولوج الكليات على عكس الطلبة في أوكرانيا الذين التحقوا بكليات خصوصية وبمعدلات أقل من معدلات نجاح الطلبة في المغرب، حسب تعبير المتحدث.

"رفض الدمج ليس أنانيةً"

ويلفتُ الطبيب الحديث التخرج إلى أنه خلال سنة 2011 حدث الأمر نفسه مع طلبة الطب في تونس الذين كانوا يودّون المجيء إلى المغرب، لكن الطلبة المغاربة رفضوا دمجهم، لتبحث الجهات المختصة عن حل يرضي الجميع حتى لا يحصل الضرر، وهذا الموقف لا يراه المتحدث أنانيةً أو رفضاً لبث روح التضامن مع الطلبة العائدين من الحرب، ولكنها "طريقة لحماية مكتسباتهم وهي توسيع المستشفيات الجامعية وأن يبقى عددهم بما يسمح لهم بالاستفادة من التكوين".

وبالنسبة إليه، يقترح المتحدث دمج الطلبة العائدين من أوكرانيا في الكليات الأقل عدداً، وإلحاقهم بالمستشفيات الجهوية كمتدربين مؤقتين، مع وضع دفاتر بيداغوجية مشتركة بتنسيق بين وزارة التعليم العالي المغربية ونظيرتها الأوكرانية، أو مباشرةً مع الجامعات الأوكرانية، في انتظار إيجاد حل للأزمة الحالية".

"أتمنى أن تعود الأوضاع كما كانت عليه في السابق، ونعود إلى أوكرانيا بعد انتهاء الحرب، لأنه في هذه الحالة لن يكون لمطلب دمج الطلبة أي داع".

ولم يصدر أي قرار حكومي في شأن مستقبل الطلبة الذين يتابع أكثرهم الدروس عن بعد، بعدما أكد مصطفى بايتاس، الناطق الرسمي باسم الحكومة، خلال ندوة المجلس الحكومي، أن "الحكومة أخذت على عاتقها ملف الطلبة العائدين من أوكرانيا".

من جهتهم، يتابع آباء الطلبة العائدين وأولياء أمورهم مستقبل أبنائهم، وبذلك توحّدوا في جمعية عقدت الجمع العام التأسيسي يوم الأحد الماضي تحت عنوان "معاً من أجل مستقبل أبنائنا الدراسي"، للبحث عن حل مع وزارة التعليم العالي، التي كانت قد دعت الطلبة المغاربة في أوكرانيا إلى التسجيل في منصة إلكترونية لإحصاء عددهم وتخصصاتهم، وإلى حدود يوم الأربعاء الماضي، بلغ عدد الطلبة المسجلين 3،744 طالباً، يتابعون دراستهم في تخصصات الطب والصيدلة وطب الأسنان، وبينهم 220 طالباً في طور التخصص.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard