"صوِّروني فأنا محسن"... نفاق يسيء إلى العمل الإنساني في المغرب

الاثنين 7 مارس 202203:48 م

مع موجة البرد في المغرب، تتجه القوافل التضامنية إلى الجبال والمناطق النائية حاملةً معها مساعداتٍ وأغطيةً ومواد غذائيةً تساعد أهلها على فك العزلة والاستفادة من بعض الخدمات التي تحملها. وتلك القوافل الإنسانية والخيرية، عادةً ما يتم توثيق مراحلها وفي أحيان أخرى يتم توثيق لحظات توزيع المساعدات والخدمات، مما قد يضع بعض المستفيدين في حرج، حسب ما يقول كثيرون.

وقد صارت عمليات التصوير والتقاط الصور التي توثق توصيل المساعدات إلى الناس، محط نقاش وانتقادات، بين مؤيد لها ومعارض، وبين مُطالب بتنظيم هذه العمليات بسرّية احتراماً للحياة الشخصية للمستفيدين منها، وبين من يراها ضروريةً ليعرف المتبرّعون أين صُرفت أموالهم. لكن التقاط الصور التي تكشف هوية المستفيدين، ثم بثّها، أمر لا يحترم أخلاقيات الإعلام، وما هو إلا موجة نفاق على مواقع التواصل الاجتماعي غايتها جلب اللايكات (الإعجاب)، كما يرى كثيرون، على حساب فئات معوزة وأطفال وشيوخ.

محتاجٌ يصبح "متسولاً"!

يقول الأستاذ في الإعلام ومنسق دراسات الإعلام والصحافة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الأول، هشام كزوط، في حديثه إلى رصيف22، إن تصوير الناشطين لعمليات الإحسان العمومي والمساعدات الإنسانية لنشرها، ليس من أخلاقيات الاعلام، ويطرح أمامنا ظاهرةً جديدةً تحمل في طياتها مفارقةً قيميةً، مفارقة بين التشهير وامتهان كرامة المحتاجين والفقراء، وبين ضرورة التوثيق ونشر قيم الإحسان والتطوع وفعل الخير، فالعملية محمودة من المنظور السوسيولوجي، إذ إنها قائمة على التضامن والمساعدة وتقديم العون إلى الفقراء والمحتاجين، غير أنها في مقابل ذلك، من وجهة التحليل النفسي، قد تحوّل المحتاج إلى متسول عبر مواقع التواصل الاجتماعي من خلال التشهير به، مما يُحدث آثاراً نفسيةً قد لا تندمل، نتيجة الإحراج عبر إظهاره في وضع مزرٍ، لا سيما عند كشف وجه المستفيد وهيئته، فيكون التصوير بمثابة ابتزاز على حساب كرامة الإنسان، وهو الأمر الذي بالإمكان تجاوزه بتقديم المساعدة على وجه الكتمان والسر.

في زمن الإنترنت تحول العمل الخيري في المغرب إلى فرجة متاحة على الإنترنت، حيث يقدم المعوز على أنه "متسوّل" يحتاج صدقة. إصرار ناشطي العمل الإنساني على التقاط الصور والبث المباشر لعملياتهم يغضب كثيرين

يضيف الباحث أنه قد يتم استغلال هذه الصور لخدمة الأجندات السياسية والحملات الانتخابية بشكل استباقي، مما يُفقد الظاهرة بعدَها القيمي والإنساني. ومن جهة أخرى تبرز للطرف الآخر ضرورة التصوير لتفادي التشكيك والاتهام الذي قد يطال المؤسسات المانحة والجمعيات المتطوعة، فيغدو التصوير ضرورةً مهنيةً خاصةً لدى المؤسسات العمومية، بهدف التوثيق وضمان النزاهة من أجل الحصول على التمويل مستقبلاً، فلا يكون حينها غرض تصوير المساعدات ونشرها في مواقع التواصل، الترويج أو الامتهان، خاصةً بعد استئذان المستفيد. لذا في اعتقادي، إن أي سلوك لا بد أن يؤطَّر قانونياً وأخلاقياً، ويجب المضي نحو جعل العمل التطوعي مؤسساتياً، في شكل تعاقدي قائم على احترام جملة من البنود القانونية وفق ثنائية الحق والواجب، حتى نضع حداً لذريعة ضرورة التصوير من باب التوثيق، فيكون الالتزام القانوني هو الكفيل بضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها، كما أن المؤسسات العمومية يجب أن تقدّم الإعانات بسرّية تامة، فهي تندرج ضمن مهامها للتخفيف من معاناة المواطن لا سيما في حالة الطوارئ.

ويشير كزوط إلى أن تصوير المحتاجين من قبل فعاليات المجتمع المدني، يعرّي هشاشة المؤسسات الوصية، ويسيء إلى صورة المجتمع عموماً، لذا وجب القطع مع مثل هذه السلوكيات، خاصةً مع تنامي استغلال هذه الفئة المعوزة من المجتمع، من طرف المؤثرين في البيئة الرقمية الذين يتهافتون على "البوز" والاغتناء من خلال الترويج للمضامين الإعلامية، إذ تتداخل فيها لغة العاطفة والاستجداء، ناهيك عن استغلال البعض من السياسيين والمسؤولين المحليين للتصوير الإحساني كمطية لمآرب أخرى.

الإحسان فرجة متاحة

من جهته، يرى الباحث في الإعلام وسيميولوجيا الصورة في جامعة مولاي إسماعيل في مكناس، إسماعيل العمري، في جوابه على سؤال رصيف22، أنه لا يخفى على المتتبع اليوم الدور الذي أضحت تضطلع به الصورة في حياتنا اليومية، إذ تشكل جزءاً لا يتجزأ من العملية التواصلية، وخصوصاً في خضم سطوة مواقع التواصل الاجتماعي التي تعدّ الصورة وسيلتها، إذ اضمحلت الكلمة وأفل عصرها، وحلّت محلها الصور وتراجعت التعابير المترجمة للمشاعر والعواطف وحلت مكانها الأيقونات التي أودعنا فيها رصيدنا من الأحاسيس.

يقول أحمد إن تجربته في العمل الاجتماعي توقفت بعد بث أحد المؤثرين صوراً توثق استفادة الأطفال من ملابس مستعملة، وأشياء بسيطة يسوّق لها بأنها أدخلت الفرح على قلوب المحتاجين. فلماذا يحب ناشطو العمل الإنساني المغاربة نشر صور المستفيدين؟

يقول العمري إن حياة الفرد صار لها معنى داخل مواقع التواصل الاجتماعي، التي تأسست على الفرجوية والعمومية بعيداً عن الخصوصية التي تُحترم فيها مشاعر الناس وعواطفهم، فما يأكله الإنسان وما يرتديه وما ينتابه من مشاعر يجد طريقه إلى العالم الافتراضي، ويمتد هذا إلى المقاربات الإحسانية التي تتحول إلى فرجة متاحة للجميع بعد ما كان الفعل حتى وقت قريب عملاً وسلوكاً يبتغي من ورائه صاحبه الثواب، ففي زمن الصورة صار الهدف والغاية هو نيل أكبر عدد من اللايكات.

في السياق ذاته، يضيف الباحث أن حديثه ليس محاكمةً للنوايا والكشف عن أسرار القلوب، لكن ثمة طقس وعادة تم التطبيع معهما على أن كل المبادرات تجد طريقها إلى اليوتيوب، ما قد يضع المحتاج في موضع ضعف، ويضع حياته الخاصة أمام العموم، إلى درجة أن هناك من يتخذ مآسي الناس وآلامهم وسيلةً لجمع عدد المشاهدات.

بديل في غياب الدولة

عبد القادر بوبول، نموذج عن فاعل جمعوي انخرط إلى جانب جمعيات في منطقة الأطلس المتوسط وسط المغرب، وفي بعض المناطق النائية، يقول في تصريح لرصيف22، إن الحديث كثر مؤخراً عن الخدمات الإنسانية التي تقدّمها بعض الجمعيات لسكان المغرب العميق، وانقسمت الآراء بين مؤيد لها ومعارض، وأنا شخصياً، بحكم انخراطي في مثل هذه العمليات، أشجعها لأنها البديل الوحيد في غياب الدولة وتخليها عن مواطنيها في الجبال والمناطق النائية، وأرى أنه يجب أن يعمل المجتمع المدني حين تغيب مؤسسات الرعاية الاجتماعية وتغيب التنمية.

يقول عبد القادر في حديثه: "صحيح أننا لا نقدّم حلولاً جذريةً لمشكلات المناطق التي نزورها، ولكن على الأقل نزرع البسمة على وجوه المستفيدين. لكن يبقى الخلاف الأكبر حول عملية تصوير الأعمال، فأنا أرى بحكم أن داعمينا من المحسنين، ضرورة التصوير كإعلام يوصل حقيقة أعمالنا وأرفض أي مس بكرامة المستفيد أو استثمار هذه الأعمال كمقدمة لأهداف سياسية.

يؤكد الفاعل الجمعوي في مجال الإحسان العمومي والعمل الخيري، أن تصوير العمل هو "لتحفيز الآخرين على العطاء والبذل والأريحية وليس تجميلاً لصورة الفاعل لأن المهم هو تلك الصلة مع الله قبل أي فائدة شخصية".

فيسبوك... محطة التبرعات

عالي خيري، شاب من جنوب المغرب، انخرط بدوره في العمل الاجتماعي، يقول في حديثه إلى رصيف22، إنه ليس ضد تصوير أنشطة الإحسان العمومي، ولكنها طبعاً يجب أن تكون بشروط، ويضيف: "مضت مدة طويلة وأنا أعمل في المجال الاجتماعي وكنا نوثق المساعدات التي سنأخذها إلى سكان المناطق النائية فحسب، كما نوثق الإعدادات القبلية من فرز وإعداد للملابس وغيرها". ونوثق القوافل والأضاحي وغيرها من المساعدات ونبثها في فضاءات التواصل، لأن فيسبوك هو محطة لجمع المساهمات، وكذلك لأن هناك محسنين كثراً نتعامل معهم، وتالياً يجب أن يعلموا أن أموالهم صُرفت في العمل الإحساني.

يؤكد عالي على أن الشرط الأساسي الذي تعاهدنا عليه، هو عدم تصوير المستفيدين، سواء أكانوا أطفالاً أو نساءً أو شيوخاً. نحن نوثق للأمانة وليعرف المحسنون والمتطوعون أن أموالهم ذهبت إلى من هم بحاجة إليها، ما عدا أنشطة الأطفال، كالعروض والمخيمات ومحافل الألعاب، فهذه أمور عادية لا إحراج فيها.

الأصل في الإحسان التستر

في الجهة المقابلة، يحكي لنا أحمد، وهو شاب من العاصمة الرباط، أنه كثيراً ما كان يشارك في محطات تضامنية مع سكان مناطق نائية، إلا أنه توقف عن ذلك بعد خلاف حاد مع أحد مسؤولي الجمعيات بعد تصوير بث مباشر يوثّق استفادة إحدى المعوزات من المواد الغذائية والملابس والأغطية.

يقول أحمد إن هذا عمل لا أخلاقي، وإن الذي يقوم بعمل خيري بيده اليمنى، لا يجب أن تعلم يده اليسرى به، وهذا "ما تعلمناه في ديننا لأن الصدقة والإحسان يجب أن تكونا في الخفاء احتراماً لمشاعر هذه الفئات، لا في فيسبوك ومنصات التواصل الاجتماعي التي لا تطالها أي رقابة وأصبحت منصةً لنشر مآسي الناس والمتاجرة بها.

يقول أحمد إن تجربته في العمل الاجتماعي توقفت بعد بث أحد المؤثرين صوراً توثق استفادة الأطفال من ملابس مستعملة، وأشياء بسيطة يسوّق لها بأنها أدخلت الفرح على قلوب المحتاجين، كما أشار إلى أن من يعطي من ماله لفعل الخير للمعوزين، لن ينتظر من منظّمي هذه القوافل الصور التي نؤكد ذلك، فالأصل في الصدقة هو النية من دون تقديم أي مبرر.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard