من حاضرة إقليم خوارزم في خراسان إلى واحة أسطورية هاربة من التاريخ... خيوه الأوزبكية

الخميس 24 مارس 202206:45 م

"عندما سمع أمير بخارى بمئذنة خيوه الفريدة، أبرم صفقة مع المهندس المعماري لبناء مئذنة مماثلة في بخارى، لكنه أُجبر على الفرار تاركاً مئذنة خيوة غير مكتملة، وذلك عندما علم أن جنكيز خان قد استلم هذه الصفقة وأمر بقتل المهندس المعماري بمجرد اكتمالها"؛ هذا ما سمعته من صديقتي الأوزبكية أثناء جولتي معها في مدينة خيوه الأثرية، وغالباً ما يردد هذه القصة جميع سكان هذه المدينة الأسطورية. باعتقادي لو زار والت ديزني خيوة عند ضوء القمر، لأصبح تصميم مملكته السحرية مختلفاً تماماً.

تقع خيوه، التابعة لإقليم خُراسان في العصور الإسلامية، في أقصى غرب أوزبكستان. وتحمل اسم خوارزم قديماً، ولا عجب أن يكون عالم الرياضيات الشهير الخوارزمي من تلك المدينة الهاربة من التاريخ.

خيوة، التي لا يقل عمرها عن 2500 عام، محمية من قبل اليونسكو كموقع للتراث العالمي، وتعتبر من أفضل مدن طريق الحرير في آسيا الوسطى التي تم الحفاظ عليها. رغم ذلك يقول البعض إنه تم الحفاظ عليها بشكل مبالغ فيه، فقد تم ترميمها تحت الحكم السوفيتي، وتم رصف شوارعها بآجر جديد، ونقل سكانها إلى المدينة الخارجية لإفساح المجال أمام السياح. ومع ذلك، لا أحد يجادل في حقيقة أن الترميم قد اجتذب السياحة إلى حد كبير.

لا أحد يعرف العمر الحقيقي لمدينة خيوه. تحكي الأسطورة أن شيم ابن نوح أسسها بعد فترة وجيزة من الطوفان العظيم، بينما كان يتجول في صحراء كارا كوم وكيزيل كوم، وكان لديه حلم يرى فيه رجالاً يسيرون عبر الكثبان الرملية حاملين المشاعل. فتأثر كثيراً لدرجة أنه طلب من رجال قبيلته بناء تلّ تخليداً لذكرى رؤيته. بدأوا في الحفر في صحراء كارا كوم، وبذلك اكتشفوا بئراً تحت الرمال. ومع مرور الوقت، جذبت البئر المستوطنين من سكان آسيا الوسطى، وأصبحت في نهاية المطاف مدينة خيوة، واحة في منطقة كوريزم.

خيوة، التي لا يقل عمرها عن 2500 عام، محمية من قبل اليونسكو كموقع للتراث العالمي، وتعتبر من أفضل مدن طريق الحرير في آسيا الوسطى التي تم الحفاظ عليها

 يقال إن مدينة خيوة ظهرت إلى الوجود في وقت ما بين القرنين الخامس والسادس قبل الميلاد. مرّ الإسكندر الأكبر بها في القرن الثالث قبل الميلاد، ثم غزاها جنكيز خان وجحافله المغول في القرن الثالث عشر، وبعد ذلك وجعلها تيمورلنك عاصمة منطقة كوريزم في القرن الرابع عشر. وفي العصور الوسطى، كانت أكبر مركز لتجارة الرقيق في آسيا، وكانت التجارة مستمرة بين التركمان وقبائل الصحراء الكازاخية.

منذ قرون، كانت هذه الواحة مشهداً مرحباً به للمسافرين الذين يعبرون السهوب الخطرة والصحاري القاسية في آسيا الوسطى. لا بد أن القوافل العابرة على طول طريق الحرير الأسطوري تساءلت عما إذا كان سراباً عندما رأت المدينة تلوح من بعيد لأول مرة. يشعر المرء بدخول مملكة خيالية عند الاقتراب من المدينة، بجدرانها المصنوعة من الطين الأحمر والمآذن المدببة التي تضيئها النجوم.

وظلت هذه المدينة عاصمة خوان خانات من عام 1592 حتى استيلاء البلاشفة عليها في عام 1920، دمرتها بلاد فارس في القرن الثامن عشر ولعبت دوراً هاماً بين جواسيس بريطانيا وروسيا في القرن التاسع عشر، حيث قام كل منهم بمحاولات لتوسيع إمبراطوريتها.


بالتأكيد، قد تكون خيوه القرن الحادي والعشرين مبالغاً فيها إلى حد ما، لكن التاريخ الطويل والمضطرب للمكان هو ما يجعلها ساحرة للغاية. وهذا ما جعل إقامتي فيها لثلاثة أيام تستحق رحلة العودة الوعرة التي تستغرق ثماني ساعات عبر الصحراء من خيوه إلى بخارى.

لو زار والت ديزني خيوة عند ضوء القمر، لأصبح تصميم مملكته السحرية مختلفاً تماماً

لا يمكن الدخول إلى خيوه (المدينة المتحف) إلا سيراً على الأقدام، تنقسم شوارعها الرئيسية إلى نصفين ليشكلان صليباً، وهو الشريط الأفقي الذي يربط بين البوابتين الشرقية والغربية ، والشارع الذي توجد فيه أهم مباني خيوه. نظراً لعزلتها عن بقية آسيا ، تعتمد تقنيات البناء فيها على أساليب أقدم بكثير بحيث أن معظم مدارس خيوه الإسلامية والأضرحة والقصور تعود إلى ثلاثمائة عام من حكم الخانات. ومع ذلك، فهي تبدو في مظهر القرون الوسطى ولكنها في الواقع تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

تكمن أهمية خيوه في الجزء الأثري الذي يسمى إتشان كالا (المدينة الداخلية)، ندخل عبر بوابتها طاش دارفاسا الجنوبية، وهي واحدة من أربع بوابات ضخمة في أسوار المدينة.

لا يمكن وصف الكثافة العمرانية للأوابد الأثرية في إتشان كالا، فهناك تقف مئذنة إسلام خوجا المكونة من سبعة عشر طابقاً، وهي الأطول في خيوة، وتلوح عبرها شرائط البلاط الفيروزية المتلألئة في الوهج الذهبي لضوء النهار المتأخر.

يوجد أيضاً في الطرف الآخر مئذنة كالتا مينار المكونة من عشرة طوابق، وهي الأكثر تميزاً من بين أكثر من اثني عشر مئذنة داخل هذه الجدران. أمر خان أمينخان ببنائها في عام 1855م. كان من المفترض أن تكون أكبر مئذنة في كل الشرق، عالية جداً بحيث يمكن للمرء أن يرى بخارى، على بعد 450 كم.

يزعم المؤرخون أن السبب الحقيقي وراء عدم اكتمال المئذنة هو وفاة الخان في عام 1855. لكن صديقتي الأوزبكية أخبرتني أن الأسطورة تقول إنها تُركت غير مكتملة عندما أدرك الخان أن نسائه سيصبحن مكشوفات من قبل أي رجل يتسلق المئذنة.

زرت كونيا آرك من جهة البوابة الغربية، وهي مدينة محصنة داخل مدينة تضم مساكن وترسانة خان بالإضافة إلى دار صك النقود والمساجد والمحكمة العليا والسجن ومكاناً خاصاً لعمليات الإعدام.

إلى الشرق من كونيا آرك توجد مدرسة محمد رحيم خان، التي سُميت على اسم آخر خان سلم المدينة لروسيا في عام 1873م. يعد البناء المبني من القرميد المصنوع من الطين والبلاط الأزرق الأكبر من بين أكثر من عشرين مدرسة في خوارزم.

تكمن أهمية خيوه في الجزء الأثري الذي يسمى إتشان كالا (المدينة الداخلية)، ندخل عبر بوابتها طاش دارفاسا الجنوبية، وهي واحدة من أربع بوابات ضخمة في أسوار المدينة

أما مسجد الجمعة الذي يقع على امتداد الشارع نفسه فيعود تاريخه إلى القرن العاشر، أعيد بناؤه في عام 1789م، وسقفه المسطح مدعوم بـ 213 عموداً خشبياً منحوتاً، اثنان منها يعودان إلى وقت المسجد الأصلي، ومئذنته تعد أقدم مئذنة في خيوة.

إلى الجنوب من المسجد هناك أحد المزارات الأكثر أهمية في خيوة، وهو ضريح بهلوان محمد ذو القبة الزرقاء، وهو شاعر ومحارب أسطوري من القرن الثالث عشر، وباتجاه البوابة الشرقية يوجد مجمع قصر طاش خولي المحصن الهائل ، ومقر إقامة الحكام اللاحقين للمدينة، والذي بناه الله كولي خان بين عامي 1830م و1838م.

يطل النهار فوق خيوة، لأحمل أمتعتي وأغادر عبر البوابة الجنوبية، عندا نظرت إلى الوراء لأودع هذا المكان الخالد، شاهدت شروق الشمس يلقي وهجاً ذهبياً على المدينة المسورة.

مدينة خيوة عند الغروب


مئذنة كالتا مينار في خيوه كونيا آرك، المدينة المحصنة داخل خيوة


مسجد الجمعة في خيوه والأعمدة الخشبية المتنوعة

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard