الغزو الروسي لأوكرانيا والصورة الجديدة للاقتصاد العالمي

الأربعاء 23 مارس 202201:56 م

شكّلت العقوبات الاقتصادية الرد الأبرز للدول الغربية على الغزو الروسي لأوكرانيا. وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، طغت العقوبات على الاقتصاد الروسي.

بدأ الغرب بالاستيلاء على أصول أغنى الأفراد المقربين من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ومنع الرحلات الجوية الروسية في المجال الجوي للدول الأوروبية وأمريكا، وتم تقييد وصول الاقتصاد الروسي إلى التكنولوجيا المستوردة من الدول غربية. والأمر الأكثر دراماتيكيةً، هو أن الولايات المتحدة وحلفاءها جمّدوا الأصول الاحتياطية للبنك المركزي الروسي وعزلوا روسيا ليس عن نظام المدفوعات المالية SWIFT فحسب، ولكن أيضاً عن المؤسسات الأساسية للتمويل الدولي، بما في ذلك جميع البنوك الأجنبية وصندوق النقد الدولي وأسواق الدين في بورصات لندن وباريس وبراميت التي لطالما شكّلت السوق الأبرز لسندات الدين الحكومية الروسية.

روسيا، الدولة التي تمتد عبر 11 منطقةً زمنية وتصدّر جميع أنواع السلع الحيوية تقريباً، لم تعد جزءاً من النظام الدولي بالطريقة التي كانت عليها قبل أسابيع قليلة فقط.

نتيجةً للعقوبات الغربية، انهارت قيمة الروبل، وتشير التقديرات إلى أن الحكومة الروسية على وشك التخلف عن سداد ديونها بالعملة الأجنبية.

نتيجةً للعقوبات الغربية، انهارت قيمة الروبل، وتشير التقديرات إلى أن الحكومة الروسية على وشك التخلف عن سداد ديونها بالعملة الأجنبية، في حين أجبر الخوف من التعرض للعقوبات، الشركات الغربية على الفرار بشكل جماعي من البلاد.

إن العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا لديها تأثيرات تتجاوز الاقتصاد الروسي لتستهدف نظام العولمة الاقتصادية الذي تم إرساؤه بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية.

واجهت العولمة الاقتصادية خلال العشرين سنةً الماضية تحديين رئيسيين:

الأول: يتمثل في الحواجز التي أقامها الشعبويون والقوميون أمام التجارة الحرة والاستثمار والهجرة وانتشار الأفكار، خاصةً في الولايات المتحدة الأمريكية.

الثاني: يتمثل في تحدي الصين للنظام الاقتصادي الدولي القائم على القواعد والترتيبات الأمنية طويلة الأمد في آسيا، الأمر الذي دفع الغرب إلى إقامة حواجز أمام التكامل الاقتصادي مع الصين، ليأتي الغزو الروسي وما استدرجه من عقوبات غربية على موسكو ويدق مسماراً جديداً في مفهوم العولمة الاقتصادية.

في هذا المقالة سوف نحاول تحديد الملامح الأولية للنظام الاقتصادي الجديد من خلال تحليل الأدوار المختلفة للاقتصاديات الكبرى في العالم ووسائل التفوق الاقتصادي الجديدة:

1- مواجهة عسكرة الدولار

تكمن نقطة قوة العقوبات المفروضة على روسيا في أن التحالف الذي فرضها كان واسع النطاق. فتجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي، على سبيل المثال، لا يصلح إلا إذا كانت غالبية النظام المالي العالمي على استعداد للقيام بذلك... نظراً إلى أن التحالف المناهض لروسيا يضم جميع المؤسسات المالية الرئيسية باستثناء البنوك الصينية، وبما أن البنوك الصينية لا تريد أن تُستبعد من هذا النظام، فلن تؤدي العقوبات المالية إلى أي تغييرات جوهرية في النظام النقدي أو المالي العالمي.

إن العقوبات الاقتصادية المفروضة على روسيا لديها تأثيرات تتجاوز الاقتصاد الروسي لتستهدف نظام العولمة الاقتصادية الذي تم إرساؤه بعد الحرب العالمية الثانية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية

لكن في المقابل ستجد الاقتصادات المتخوفة من استخدام واشنطن للدولار كسلاح وبشكل مفرط ولمرات عديدة منذ تسعينيات القرن الماضي، نفسها أمام مبرر جديد لعدم ربط احتياطيتها النقدية بالدولار، بل بسلة عملات مختلفة والبحث عن نظام مدفوعات بديل من نظام Swift، الخاضع للهيمنة الأمريكية، وربما هذا ما يفسر رغبة المملكة العربية السعودية في بيع إنتاجها النفطي باليوان الصيني، وهو الأمر نفسه الذي دفع الحكومة الهندية إلى استغلال فرصة التوتر بين روسيا والغرب إبان فرض العقوبات، حيث اشترت ثلاثة ملايين برميل من خام الأورال الروسي من شركة فيتول، للتسليم في أيار/ مايو، في أول عملية شراء لها منذ غزو روسيا لأوكرانيا في 24 شباط/ فبراير الماضي. يأتي ذلك في الوقت الذي كشف فيه بعض المسؤولين الهنود عن أن نيودلهي تدرس قبول عرض روسي لشراء نفطها الخام وسلع أخرى بأسعار مخفضة، مع الدفع عن طريق صفقة بالروبل الروسي والروبية الهندية، وإبداء الحكومة التركية الرغبة في التبادل السلعي بالعملات المحلية.

كما سيشجع هذا الوضع الصين لمحاولة استبدال اليوان الصيني بالدولار الأمريكي، ويبدو ذلك فكرةً واعدةً لكنها تتطلب العديد من الإجراءات أولها إجراء تغييرات في النظام المالي الصيني من خلال تخفيف قيود التحكم برأس المال -Capital control- بهدف تسهيل دخول الاستثمارات الأجنبية إلى الأسواق الصينية وخروجها، ووجود نظام مدفوعات معتمد في العديد من الدول يوازي نظام Swift.

كما أن الارتفاعات الكبيرة في استثمارات العملات الرقمية التي لا تخضع للنظام العالمي التقليدي على الرغم من عدّها من أصول المخاطرة المرتفعة والتي تنخفض في أوقات الحروب في ظل ارتفاعات أسعار الملاذات الآمنة، تشير إلى دور كبير يمكن أن تلعبه هذه العملات في نظام المدفوعات العالمي المتوقع أن تتبناه دول عدة لتفادي تحكّم الدولار.

2- الموقع الجغرافي وتعقيد سلاسل التوريد

إن أحد أهم تأثيرات العولمة الاقتصادية ما بعد الحرب العالمية الثانية، هو أنها قللت من أهمية الموقع الجغرافي، فمن الناحية الجيوسياسية ظهرت سلاسل توريد انسيابية وممتدة بشكل مذهل تجعل السلع والخدمات تصل إلى يد المستهلك النهائي من الوقود إلى الهاتف الذكي أو أي شيء آخر في أي مكان إلى حد كبير.

أما الآن فقد عادت الأهمية للموقع الجغرافي، سواء من الناحية السياسية أو الاقتصادية. ألمانيا على سبيل المثال، والتي تبعد عاصمتها نحو 750 ميلاً عن العاصمة الأوكرانية، كييف، وتعتمد على روسيا للحصول على نصف احتياجاتها من الغاز، تقع في مكان مختلف من نواحٍ عديدة عن فرنسا المجاورة التي تقع عاصمتها على بعد نحو 1،300 ميل من منطقة الحرب ولا تحصل إلا على ربع احتياجاتها فقط من الغاز الروسي. أصبحت الحدود مع روسيا الآن بمثابة أفق جيوسياسي، وسيعكس القرب منها كيفية استجابة الدول، مما يزيد من احتمالية الانقسامات بين الحلفاء، كما رأينا بالفعل في إحجام بعض الدول الأوروبية عن اتّباع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في فرض عقوبات على الطاقة الروسية.

إن الآثار الاقتصادية للغزو الروسيا لأوكرانيا تكاد تعادل أو تتفوق على آثاره السياسية والعسكرية، من خلال تشكيل تحالفات مرحلية أو دائمة لمواجهة نظام اقتصادي قائم منذ الحرب العالمية الثانية تقوده الولايات المتحدة الأمريكية

3- تضخم مزمن وركود قادم

إن السمة الأبرز للاقتصاد العالمي بعد الغزو الروسي، هي التضخم المزمن المتسارع والمدفوع من ارتفاع التكاليف والذي عرقل معركة البنوك المركزية الكبرى في العالم مع حالة التضخم المؤقت الناجمة عن فتح الاقتصاد العالمي بعد جائحة كورونا.

إن هذا التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة وتعقيدات سلاسل التوريد، سيتسبب في العديد من الأزمات في دول الشرق الأوسط، فعلى سبيل المثال تُعدّ سوريا ولبنان وجنوب السودان واليمن من الدول المهددة بمجاعات في حال استمرار ارتفاع أسعار الغذاء العالمية، في حين ستعاني الأسواق الناشئة مثل مصر وتركيا من ارتفاع تكاليف الدين وتخارج كبير في أموال الاستثمارات وخاصةً من الدول التي لا تقف إلى جانب إستراتيجية العقوبات الأمريكية على روسيا، إذ إن الشركات الكبرى ستحجم عن الاستثمار في هذه الأسواق خوفاً من استهدافها بعقوبات أمريكية.

كما أن قيود التصدير التي بدأت تفرضها الدول على تصدير بعض المنتجات بهدف السيطرة على التضخم كإجراءات وقائية تشكّل تحدّياً كبيراً لقواعد التجارة الحرة.

في حين ستجد بعض الدول المنتجة للطاقة في استخدام إستراتيجية تسييس إمدادات الطاقة من خلال التحكم بحجم الإنتاج والمعروض في الأسواق بهدف الحصول على مكاسب سياسة كالمملكة العربية السعودية وفنزويلا وقطر.

الخلاصة

إن الآثار الاقتصادية للغزو الروسيا لأوكرانيا تكاد تعادل أو تتفوق على آثاره السياسية والعسكرية، من خلال تشكيل تحالفات مرحلية أو دائمة لمواجهة نظام اقتصادي قائم منذ الحرب العالمية الثانية تقوده الولايات المتحدة الأمريكية، اعتمد على فرض هيمنة مالية مدعومة بقوة عسكرية وسياسية واقتصادية. من المبكر الحكم على مدى قدرة هذا النظام الاقتصادي الجديد على الاستمرار، ولكننا نستطيع القول إنه يستقطب اهتمام العديد من الدول التي لطالما عُدّت في ركب الإستراتيجية الأمريكية سياسياً واقتصادياً مثل السعودية والهند على سبيل المثال، فهل تشكل الأزمة الأوكرانية بداية النهاية للهيمنة الاقتصادية الأمريكية على العالم؟

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard