اعتكاف الحريري ومحاولات السنيورة ملء الفراغ... مواجهة الهيمنة بـ"عدّة بائدة"

الثلاثاء 22 مارس 202212:07 م

ماذا لو كان سعد الحريري، الزعيم السني اللبناني ورئيس تيار المستقبل، قد تشاور مع الفاعلين على الساحة السنية في لبنان قبل أن يُقرر العزوف عن المشاركة في الانتخابات من ضمن قراره الأكبر بتعليق عمله السياسي في هذه المرحلة التي لا يرى فيها أي مجال "لأي فرصة إيجابية للبنان في ظل النفوذ الإيراني والتخبط الدولي والانقسام الوطني"؟

لم تأتِ خطوة الحريري بالتنسيق مع أي من محيطه (حلفائه أو المقربين من تيّاره)، ولا حتى مع دار الفتوى. أخذ القرار وأتى إلى لبنان ليُبلغ قيادات حزبه ونادي رؤساء الحكومات السابقين وغيرهم من القوى، بقرار العزوف عن المشاركة في الانتخابات ترشحاً واقتراعاً، من دون أي تفسير غير ما ورد على لسانه في كلمته من دارته في بيت الوسط، في 24 كانون الثاني/ يناير الماضي.

أربك الحريري الساحة السنيّة كما أربك حلفاءه من خارج الطائفة وحتى غير الحلفاء. تغيرت حسابات الكثيرين بين ليلة وضحاها، ومَن كان يتكئ على الصوت السنّي وجد نفسه من دون داعمه الأساسي، ومن اعتقد أن انسحاب الحريري يفتح المجال أمامه كي يأخذ من حصة "المستقبل" تبيّن له أن الأمور ليست بهذه البساطة، فيما يبقى الرابح الأكبر من كل ذلك حزب الله الذي يتهيّأ ليحصد المزيد من المقاعد السنيّة التي تدور في فلكه.

مرحلة الانتكاسات

بعد اغتيال والده، رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري في 14 شباط/ فبراير 2005، وجد سعد الحريري نفسه أمام تحديات كبيرة ليس أقلها وراثة والده الذي كان أكثر من رئيس حكومة لبنان، بل كان من القيادات السنية التي لها مكانتها في العالم العربي والعالم، والتي استفاد منها النظام العربي آنذاك، من السعودية إلى سوريا (أيام حافظ الأسد) كثيراً.

ليس لدى أحد من قيادة "المستقبل" أي جواب حول السبب الذي أدى إلى مثل هذا القرار، أي الانسحاب وتعليق العمل السياسي، بل هناك الكثير من التنبؤات والتوقعات التي تأتي في سياق معلومات، فيما الواقع أن الحريري لم يفصح عن خلفية قراره الحقيقية حتى لكثيرين من المقربين منه، على ما يبدو واضحاً، ومن ضمنهم نائب رئيس تياره مصطفى علّوش الذي قرر الاستقالة من منصبه "الفارغ من مضمونه" على ما يقول، وخوض الاستحقاق الانتخابي.

ليس لدى أحد من قيادة "المستقبل" أي جواب حول السبب الذي دفع زعيمهم سعد الحريري إلى عدم خوض الانتخابات وتعليق العمل السياسي.

وخاض سعد الحريري منذ دخوله المعترك السياسي ثلاثة استحقاقات انتخابية برلمانية، ونجح عام 2005 في الحصول على 36 نائباً لتيار المستقبل وحده، وفاز مع حلفائه آنذاك بأكثرية نيابية وصلت إلى 72 مقعداً من أصل 128 يُشكلون مجموع مقاعد المجلس النيابي في لبنان، وكرر الأمر نفسه في انتخابات عام 2009 التي فاز فيها تكتل لبنان أولاً بـ41 نائباً، غالبيتهم من تيار المستقبل وبعض المستقلين، والحركات السياسية، التي تدور في فلكه.

على أرض الواقع، لم يجعله الفوز بأكثريتين نيابيتين متتاليتين يحكم. بين العامين 2005 و2009، عاش لبنان تداعيات اغتيال والده والاغتيالات اللاحقة في صفوف ما كان يُعرف بفريق 14 آذار/ مارس، وخروج جيش النظام السوري من لبنان وحرب تموز/ يوليو عام 2006، والانقسام الحاد الذي ساد في تلك الفترة، مروراً بـ7 أيار/ مايو 2008 واتفاق الدوحة.

وبعد انتخابات عام 2009، كان الملك السعودي الراحل عبد الله بن عبد العزيز في طريقه إلى تثبيت ما عُرف آنذاك باتفاق "سين-سين"، أي السعودية وسوريا، التي زار على أثرها الحريري دمشق، وشكّل حكومة وحدة وطنية مع خصومه الذين استقالوا في 12 كانون الثاني/ يناير 2011 من الحكومة في أثناء زيارته إلى واشنطن، فسقطت حكومته وعلى أثرها غادر لبنان وبقي خارجه حتى 8 آب/ أغسطس 2014.

إثر انتخابات عام 2009، بدأت علاقة الحريري بحلفائه تنتكس، بعدما أعلن حليفه الأول، النائب السابق وليد جنبلاط انسحابه من قوى 14 آذار/ مارس، فيما علاقته مع حليفه الآخر في حينها، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، بدأت بالتصدع بعد أن تبنّى الأخير قبيل استحقاق انتخابات عام 2013 والذي أُجّل إلى عام 2018، قانوناً انتخابياً عُرف بالقانون الأرثوذكسي وهو ما أثار حفيظة الحريري وغيره، بذريعة أن القانون يُكرّس الانقسام الطائفي في البلد.

وعاش لبنان مرحلةً من التعطيل بعد تأجيل انتخابات 2013 وعدم القدرة على انتخاب رئيس للجمهورية إلى أن بادر الحريري في عام 2016 (بعد أن كان قد تبنّى ترشيح سليمان فرنجية)، بالقيام بما عُرف بالتسوية الرئاسية التي أتت بخصمه اللدود، زعيم التيار الوطني الحر آنذاك ميشال عون، رئيساً للجمهورية، ودفعه إلى ذلك، حسب ما قال مقربون منه آنذاك، اتفاق معراب الذي حصل بين "العدوّين" جعجع-عون، تحت شعار "أوعى خيّك".

في مرحلة ما بعد خروجه من الحكومة عام 2011، بدأ يظهر إلى العلن توتر العلاقة بين الحريري وبين السعودية التي كانت تؤمّن له الغطاء السياسي والمادي، ومعه بدأ يخسر رصيده المادي والسياسي في الرياض سريعاً، وازدادت العلاقة سوءاً بعد أن خلف الملك سلمان بن عبد العزيز الملك عبد الله، وانتشرت معلومات عن العلاقة المتوترة بين ولي العهد الجديد محمد بن سلمان والحريري، إلى أن بانت كما هي عام 2017 مع إعلان استقالته من الحكومة بخطاب مُتلفز مكتوب، ومن الرياض التي بقي فيها "محتجزاً" إلى أن تدخّل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ليعيده إلى لبنان.

بعد عودته من الرياض في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، فتح الحريري صفحةً جديدةً مع خصومه دفعه إليها العداء السعودي المستجد تجاهه.

بعد عودته من الرياض في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، فتح الحريري صفحةً جديدةً مع خصومه دفعه إليها العداء السعودي المستجد تجاهه، فزار عون وعاد عن استقالته بناءً على طلب الأخير، ومشى في قانون انتخابي فصّله الطرفان المسيحيان وسُمي بـ"القانون الأرثوذكسي المقنّع"، لتكون النتيجة تراجع كتلته النيابية بما يقارب النصف إذ فاز في انتخابات عام 2018 بـ21 نائباً، بعد أن كانت كُتلة تياره 33 نائباً، وكتلة لبنان أولاً 41 نائباً.

بعد تلك المرحلة، كانت صفحة جديدة للحريري، مع تواصل مفتوح مع حزب الله، عدوّه السابق، والمتهم باغتيال والده، والذي تثبت بصدور قرار عن المحكمة الدولية، وُصف بالخجول، يدين أحد أعضائه بتنفيذ الجريمة، كذلك أتت انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019 لتضعه أمام خيارين، الاستقالة أو مواجهة الشارع، فقرر الاستقالة ولم ينجح لاحقاً في تشكيل حكومة جديدة، بعد أن عادت الخلافات مع رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل إلى أوجها فيما تحالفاته السابقة مع القوات والاشتراكي لم تعد يوماً إلى مجاريها، بل تحوّل الخلاف مع جعجع إلى عداء كبير بين الجانبين.

واقع السُنّة اليوم

في المرحلة الممتدة من العام 2005 إلى اليوم، واجهت الطائفة السنيّة في لبنان الكثير من التحديات، تختصرها تجربة الحريري، الزعيم السنّي الأكثر حضوراً والذي يُمثّل تيّاره أغلبيةً واضحةً، والذي يعتكف اليوم إلى أجل غير مسمّى، فيما تيّاره تراجعت شعبيته عما كان عليه في السابق، وزادت من ذلك الأزمة الاقتصادية التي يمرّ بها لبنان والتي يعاني  اللبنانيون بسببها من انعدام الأمن الغذائي والاجتماعي الذي لم يسبق أن عاشوه في ما مضى.

وتُعدّ مناطق انتشار السنّة في الأطراف من أكثر المناطق التي تعاني من هذا الواقع السيئ، لا سيما طرابلس وعكار والبقاع، إذ تزداد معدلات الفقر بشكل كبير، وأصبح الوصول إلى الغذاء مهمّةً صعبةً أمام كثيرين مع انهيار العملة والغلاء الذي أدى إلى تخطي نسبة الفقر في طرابلس وحدها الـ70% من سكانها حسب إحصاءات محليّة، والأمر نفسه ينطبق على عكار والمناطق الأخرى.

سياسياً، أدت انتخابات عام 2018 إلى تشكّل كتلة سنيّة تدور في فلك حزب الله مكوّنة من ستة نواب، يرى كثيرون من السنّة أنها لا تُمثل "المزاج السنّي العام"، إذ يظهر حسب الأرقام التي أفرزتها نتائج انتخابات عام 2018 أن النائب عبد الرحيم مراد هو الوحيد الذي فاز بأصوات سنيّة ولديه كتلة ناخبة تصل إلى 32 ألف صوت، فيما على سبيل المثال استطاع فؤاد المخزومي تحقيق خرق في بيروت، ولكنه استفاد من أصوات الثنائي الشيعي كي يحصل على حاصل للائحته خوّله الفوز بمقعد نيابي.

التزم كُثر بقرار الحريري ومن كانت لديهم نيّة الترشح بعد إعلان الاعتكاف عادوا وتراجعوا نتيجة ضغوط مورست عليهم، لثنيهم عن قرارهم.

وكان الشارع السنّي من أكثر المشاركين في احتجاجات عام 2019، وسُميت طرابلس آنذاك بعروس الثورة، وعانت المدينة ومعها عكار من الكثير من التهميش، خاصةً مع الوجود السوري في لبنان، وشاركت بزخم في تحركات 14 آذار/ مارس التي تلت اغتيال الحريري، إلا أنها لم تنَل الاهتمام الذي اعتقد أبناؤها أنهم سيحصلون عليه بعد انسحاب جيش النظام السوري من لبنان.

لماذا الرفض؟

عبّر عدد من القيادات السنية غير البعيدة عن سياسة الحريري، عن رفضهم لقراره بالعزوف عن المشاركة في الانتخابات، وفي طليتعهم رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة ونائب رئيس تيار المستقبل مصطفى علوش، فيما التزم كُثر بقراره وتخلوا عن فكرة الترشح، نتيجة قناعة أو ضغوط مورست عليهم.

يقول النائب السابق مصطفى علّوش إن ترشحه هو "لرفض إخلاء الساحة السنيّة لمرشحين ونواب سيوصلهم حزب الله ولعدم السماح بتوسع هيمنة الحزب وسطوته". وعليه، هو يطمح، أقلّه في طرابلس، إلى "منع تسلل هذه القوى إلى طرابلس وغيرها من المناطق طبعاً ومنع حزب الله من تكوين أكبر كتلة قد يطمح إلى الحصول عليها يوماً".

ويُحاول علوش تشكيل لائحة في دائرة الشمال الثانية التي تتمثل حسب قانون الانتخاب بثمانية مقاعد في طرابلس (5 للسنّة، 1 للعلويّين، 1 للموارنة، 1 للروم الأورثوذكس)، ومقعدين للسُنة في الضنية، وآخر سنّي في المنية.

يعتقد علّوش أن الترشح اليوم والمشاركة في الانتخابات واجبان لأن "حصول حزب الله على نسبة الثلثين في المجلس النيابي المُقبل يعني أنه أمسك بكل شيء في لبنان"، وهذا ما دفعه إلى أن يخوض هذه المعركة تحت شعار "عدم التسليم"، وبرأيه فإنه "إذا حصل حزب الله على عشرة نواب سنّة في البرلمان، ونتيجة عزوف تيار المستقبل، يعني ذلك أن هؤلاء سيُمثّلون 40% من الرأي العام السنّي، وتالياً المشروعية ليقوم الحزب بما يريد".

يعتقد كُل من فؤاد السنيورة ومصطفى علوش أن اعتكاف الحريري سيُخلي الساحة لحزب الله، ولذلك يخوضان الاستحقاق الانتخابي لمنع "تسليم البلد للحزب"

أيضاً، كان رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة من أبرز المعترضين في "المستقبل" على قرار الحريري، وهو كان يعتزم الترشح عن دائرة بيروت الثانية التي كان يترشح فيها الحريري الأب والابن، وتُعدّ مركز الثقل السياسي للسنّة. ويصل عدد مقاعد هذه الدائرة إلى 11 مقعداً تتوزع على ستة مقاعد للسنة و2 للشيعة ومقعد درزي وآخر للطائفة الإنجيلية ومقعد للروم الأرثوذوكس.

يرى السنيورة، حسب ما تنقل عنه مصادر مقربة، أن "اعتكاف الحريري يعني أن الساحة السنية ستُترك للفراغ، وستُخلى لحزب الله كي يملأها وتالياً سيستطيع أن يفرض ما يريد، وعليه فإن عدم الاعتكاف وخوض هذا الاستحقاق محاولة لترميم ما يُمكن ترميمه على الساحتين السنيّة والوطنية".

لكن السنيورة لم يُكمل في ترشحه في الدائرة الثانية، إلا أنه عازم على تأليف لائحة يدعمها ويسعى كي تحصل على أكبر قدر من المقاعد، في وقت كان لافتاً إعلان الوزير السابق والنائب عن بيروت نهاد المشنوق، عزوفه عن الترشح، وهو كان قد نجح في انتخابات 2018 على لوائح الحريري قبل أن يقع خلاف بين الطرفيت لا يزال مستمراً إلى اليوم.

المعترضون

يتمسك من ينوي الترشح أو خوض غمار الانتخابات بشعار "منع تغلغل حزب الله"، وتقف دار الفتوى على خطوة واحدة من الجميع، المعتكفين وغير المعتكفين، إذ دعت إلى المشاركة في الانتخابات من دون أن تدخل في المعارك الدائرة بين "أبناء الطائفة المختلفين"، ولا يتوقع أي من المختلفين أيضاً أن يصدر عن دار الفتوى أي موقف إضافي في هذا السياق، فهي "قالت ما لديها انطلاقاً من حرصها على الطائفة، ويُترك الباقي للسياسة".

إلى الآن، لم يستطع كُل من السنيورة أو علوش الوصول إلى تحالفات ولوائح مكتملة وأسماء بإمكانها أن تُحدث الفارق لا سيما في بيروت الثانية التي وحسب المعلومات، يضغط تيار المستقبل على كُل من يدور في فلكه لكي يقطع الطريق أمام أي خرق قد يُحققه السنيورة في إقناع المحازبين والمناصرين المؤثرين بالترشح، وهو ما تعترف به أوساط رئيس الحكومة السابق، التي تُشير على سبيل المثال إلى أن "النائب الحالي رولا الطبش شاركت في حوار مع الرئيس السنيورة حول إمكان خوضها الاستحقاق لكنها لاحقاً انسحبت".

تعترف الأوساط نفسها بصعوبة مهمّة إقناع الناس بالمشاركة والترشح، خاصةً المؤثرين في العاصمة، إلا أن ذلك لن يؤثر على قرار خوض الانتخابات والعمل "جارٍ على قدم وساق من أجل الوصول إلى لائحة تُنافس اللوائح أو اللائحة التي يتمثل فيها حزب الله وحلفاؤه، والسنيورة يُكمل اتصالاته ليحاول تشكيل لائحة في أقرب وقت".

يضغط تيار المستقبل على كُل من يدور في فلكه لكي يقطع الطريق أمام أي خرق قد يُحققه السنيورة في إقناع المحازبين والمناصرين المؤثرين بالترشح.

أكثر من ذلك، وعلى سبيل المثال في بيروت، تنقسم العائلات البيروتية حالياً حول المشاركة أو عدمها وهي غير موحدة تماماً. كذلك، من يريد المشاركة في الانتخابات يبدو أيضاً أن لديه مشكلة مع ترشيحات السنيورة التي يتكئ فيها بشكل أساسي على الوزير السابق خالد قباني الذي لا يحظى بتأييد واسع من جزء وازن من اتحاد العائلات البيروتية التي لا ترى فيه وفي الأسماء التي تُطرح أمامها سوى "إعادة إنتاج ما ملّوا منه، وبقاء الرهانات في مكان ضيق من دون محاولة التعاطي مع الشارع السنّي من منطلق انفتاحي تقدمي شبابي"، حسب أحد المطلعين من الاتحاد.

واللافت في هذا السياق التواصل الذي بدأ ولا يزال مُستمراً منذ إعلان الحريري اعتكافه بين جعجع والسنيورة، وهو الذي أثار حفيظة "المستقبل"، إذ يرى التيار أن جعجع كان من الذين حرّضوا عليه خليجياً، و"الآن هو يستغل اعتكاف الحريري ليطرح نفسه بديلاً، بعد أن صوّر أن الحريري فشل في المعركة مع حزب الله، وأنه هو في استطاعته أن ينجح"، حيث فشل حليفه السابق وعدوّه اليوم.

ونتيجةً لهذا الواقع، يُفضّل علوش الابتعاد حالياً عن هذا الاصطفاف، ويقول إنه "بالرغم من الاتفاق مع جعجع على العناوين الإستراتيجية إلا أننا لا نتفق في التكتيك السياسي، ونحن اليوم نحاول أن نحاور ونضم كُل مَن يريد من المستقبل أن يُشارك في ما نقوم به، والتحالف مع القوات سيضرّ بهذا المسار".

في المقابل، يخوض الوزير السابق أشرف ريفي الاستحقاق الانتخابي بالتحالف والتكافل مع القوّات اللبنانية، وهو كان أوّل المنفصلين عن تيار المستقبل بسبب ما أسماه سياسة المهادنة، إلا أنّه وبالرغم من الحيثية التي كان يملكها في الشارع الطرابلسي والسني بشكل عام، لم يستطع أن يُشكّل حالةً فريدةً، وهو اليوم يعاني من تراجع كبير في حجم تأييده.

وجدير بالذكر أنه خلافاً للسنيورة، فإن نادي رؤساء الحكومات السابقين قرر عدم الترشح للانتخابات وكذلك عدم خوض المعركة، وإن كان تمام سلام واضحاً في نيّته الابتعاد، فإن رئيس الحكومة الحالي نجيب ميقاتي أيضاً عزف عن الترشح، ولكن دعا إلى المشاركة في عملية الانتخاب، فيما لا يبدو إلى الآن أنه سيدعم لائحةً بعينها تدور في فلكه، خاصةً في طرابلس مسقط رأسه.

المستقبل ينتظر

حين أعلن الحريري عزوفه عن الترشح وتعليق عمله السياسي، ربط الموضوع بالوضع القائم في لبنان، من تغلغل الفساد والطائفية، فضلاً عن الهيمنة الإيرانية على لبنان.

وكان الحريري، لا سيما بعد التسوية الرئاسية، وتحديداً أكثر بعد عودته من الرياض وتراجعه عن الاستقالة، في مرحلة مهادنة مع حزب الله، وصفها البعض بأنها أكثر من ذلك، إذ إن خصوم الحريري من الطائفة السنية في حينها رأوا أن دورهم انتهى أو تراجع لدى الحزب، كون العلاقة مع الحريري تُغني عن الباقين الذين غالباً كان دورهم اعتراضياً في الطائفة السنية في وجه الحريري، وانتفت لفترة طويلة الحاجة إلى الضغط على الحريري عبرهم.

تعامل "المستقبل" مع الانتخابات سيختلف من منطقة إلى أخرى، وقد يلجأ في مكان ما إلى الدعوة إلى المقاطعة أو إلى التصويت "السلبي" ضد شخصيات معيّنة.

يعمل تيار المستقبل على الأرض من أجل تثبيت موقف الحريري من الاعتكاف، أي محاولة تعميم هذا الواقع على كوادره، وهو إلى اليوم نجح في ذلك بشكل كبير، إذ لا يجد أي من المعترضين من داخل الطائفة والتيار، شخصياتٍ وازنةً ترغب في خوض الاستحقاق، كذلك الأمر بالنسبة إلى القوات اللبنانية التي اعتقدت أنها ستملأ الفراغ.

تقول مصادر قيادية في "المستقبل"، إن تعليق الحريري عمله السياسي لا يعني الاعتزال، بل هي مرحلة لإعادة ترتيب البيت الداخلي، للعودة من جديد إلى الساحة السياسية بشكل مغاير عمّا كان عليه الأمر في السنوات الماضية، من دون أن تنفي أن ما يمرّ به لبنان اليوم لا يسمح أساساً بأي عمل سياسي فعلي.

ولم يدعُ المستقبل مؤيديه إلى مقاطعة الانتخابات وهو ما يُشدد عليه قياديوه، إذ يرون أنهم كتيار غير معنيين بها، ولكن هذا لا يعني أنهم مع المقاطعة أو يدعون إلى المقاطعة كما يُردد البعض.

إلا أن هناك من يشير من داخل "المستقبل" إلى أن التعامل مع الانتخابات سيختلف من منطقة إلى أخرى، وقد يلجأ التيار في مكان ما للدعوة إلى المقاطعة أو إلى التصويت "السلبي" ضد شخصيات معيّنة، وكُل ذلك من تحت الطاولة، ومن دون دعوة علنية إلى هذا الأمر، وهم يعتقدون أن هذا الأمر طبيعي نظراً لكُل ما يحصل ولمحاولة استغلال قرار الحريري من قبل كُثر.

إلى أين؟

في ظل هذا الواقع، يُدرك من سيخوض المعركة الانتخابية أنه يُغامر في إعلان معركة قد تكون خاسرةً ضد حزب الله من خلال الانتخابات، لا سيما بعد اعتكاف الحريري، لكن بالنسبة إلى السنيورة فهو لن يترك الساحة للحزب، وكذلك الأمر لعلّوش الذي يرى أن معركته هي لكي يمنع حزب الله من الحصول على نسبة الثلثين في المجلس المُقبل، وهي "مخاطرة جدية مقابل ترك القرار الدستوري وجعل سنّة لبنان بيد حزب الله".

على أرض الواقع، لا يبدو أن المعترضين على الاعتكاف ومن ينوون خوض غمار الاستحقاق، قادرون بأي شكل على ملء فراغ سيتركه الحريري حكماً، وهناك من يشير إلى أن ما يحصل الآن يوحي وكأن من لديه حيثية في السابق ويحظى باحترام الشارع السنّي لن يكون قادراً على تأمين نجاحه هو، فكيف يشكل حالةً تواجه حزب الله أو يمنع "تغوّله"؟

يحمل المعترضون على قرار الحريري شعار "منع تمدد حزب الله وإيران ومواجهتهما"، فيما يرى كُثر أنه لا يُمكن اليوم خوض استحقاق بعدة بائدة وبالأسلوب نفسه الذي خسر في كُل المحطات التي سبقت

يقول السياسي والكاتب خلدون الشريف، إن "أطراف 14 آذار في السابق لم تستطع أن تفرض التوازن مع حزب الله بالرغم من المحطات الكثيرة التي مرّت في المرحلة الماضية، منها انتخابات عام 2005 و 2009 التي فازت فيها وذهبت بعدها إلى تسويات وحكومات وحدة وطنية، و من ضمن التسويات كان انتخاب العماد ميشال عون رئيساً. و قد ذهبت أكثر هذه التسويات لمصلحة حزب الله وليس العكس ما يعني أنّ كل أدوات المواجهة التي استخدمتها تلك القوى منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري أثبتت عدم نجاعتها".

في ظل هذا الواقع، وتعقيباً على ما تمرّ به الطائفة السنيّة اليوم بعد اعتكاف الحريري، وبناءً على ما حصل سابقاً، يرى الشريف أن "حزب الله اليوم هو أقوى بما لا يُقاس مما كان عليه في عزّ مواجهة هذه القوى له، وتالياً الحديث عن خوض معركة بهدف إعادة التوازن لا يُمكن أن يكون عملياً أو أن يتحقق اليوم باستخدام الأدوات السابقة".

ترفع "القوّات" شعار "نحن قدها"، ويمضي السنيورة في محاولة التنسيق معها ومع غيرها في أكثر من منطقة في لبنان من أجل ما يُسمّونه "منع تمدد حزب الله وإيران ومواجهتهما"، فيما يرى كُثر أن هذه الشعارات لم تعد تؤتي ثمارها، إذ لا يُمكن اليوم خوض استحقاق بعدة بائدة وبالأسلوب نفسه الذي خسر في كُل المحطات التي سبقت.

في كُل المراحل التي مرّ بها لبنان كانت التسويات الإقليمية والدولية هي التي لها الكلمة الفصل في التوجهات السياسية المحلية، فيما يبدو اليوم ربطاً مع ما يحصل في المنطقة والعالم أن التسوية الجديدة التي من المُمكن أن يُقبل عليها لبنان لن تخرج من سياق "الهيمنة الإيرانية" التي قد تتعزز مع مسارعة الولايات المتحدة للعودة إلى الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن طهران.  

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard