"الحياة مقرفة جداً يا عبد الجبار"... 7 أفلام أسعدت جمهور السينما المصرية

الأحد 20 مارس 202204:12 م

لكل منا تجربة شعورية خاصة مع الأفلام تؤثر على مدى ارتباطنا بالقصص وشخوصها. ولكن ثمة أفلام تنجح في ترك أثر محبب إلى النفس أكثر من غيرها، ويشهد لها الغالبية بالقدرة على الإمتاع وتحسين المزاج. حيث تقترن مشاهدتها من حين لآخر بتحرير مشاعرنا السلبية واستعادة التوازن النفسي والعقلي.

كأنها استراحة قصيرة من هموم الحياة ومتاعبها، تساعدنا على التقاط الأنفاس ومواصلة الرحلة.

في يوم السعادة العالمي، نتذكر بعض هذه الأفلام وعناصر جاذبيتها الفنية الصامدة أمام الزمن، ونتوقف عند أسلوبية كل مخرج استطاع ترك بصمة مميزة في فن صناعة البهجة.

ونظراً لصعوبة حصر تاريخ السينما المصرية الحافل بالأعمال الفنية الممتعة في قائمة محدودة العدد، قررنا الاستعانة بآراء مختصة وغير مختصة لمعرفة الأفلام التي تتبادر إلى الذهن، حينما نبحث عما يسر القلب ويريح البال بصرف النظر عن الأسباب.

وراعينا عند إعداد القائمة النهائية أن تتضمن فيلماً واحداً لكل مخرج، ذا تأثير قوي على مستوى الثقافة الشعبية، حتى نحقق تنوعاً يرضي الأذواق المختلفة.

إشاعة حب (1960): الكوميديا العائلية

تستدعيه الذاكرة على الفور بالرغم من مرور أكثر من نصف قرن على إنتاجه، حاضر دائماً في قائمة الشباب قبل كبار السن، ويحتل غالباً المرتبة الأولى. كان محطة مهمة في مشوار مخرجه فطين عبد الوهاب، وبداية لمرحلة جديدة يقدم خلالها أجواء الكوميديا العائلية التي طالما أحبها ولم تسنح له الفرصة في البدايات.

تمتاز قصته المقتبسة عن مسرحية "حديث المدينة" بالبساطة المناسبة لكل العصور. شاب خجول، يرغب في الزواج بابنة عمه، وهي تفضّل من يتمتَّع بالجرأة والخبرة في العلاقات النسائية. يتفق مع والدها على خطة توهمها أنّه صاحب مغامرات وعلى علاقة بفنانة شهيرة، ولكن الأحداث تأخذ منحى لم يكن في الحسبان.

يختار صنّاع الفيلم بور سعيد مسرحاً للأحداث، فهي مدينة صغيرة، يسهل تناقل الشائعات داخلها، على النقيض من العاصمة.

يقرّر المخرج الاستعانة بممثلين غير محسوبين على الكوميديا لتجسيد الشخصيات، كما يوضح الناقد أشرف غريب في كتابه "فطين عبد الوهاب.. رائد الفيلم الكوميدي في مصر"، فنجد يوسف وهبي يسخر من أدائه المسرحي على الشاشة بخفة ظل، وعمر الشريف، فارس الأحلام الوسيم، ينتزع الضحكات هنا بارتباكه وقلة خبرته، ومعهما عبد المنعم إبراهيم في دور كوميدي يختلف عما قدمه في "سكر هانم"، و"سر طاقية الإخفاء".

تعتمد كوميديا "إشاعة حب"، كعادة أفلام فطين، على رسم جيد للشخصيات، لكل منها تفاصيل وملامح خاصة، إذ يكون تفاعلها في الحكاية مفجراً للضحك، ونابعاً من المواقف التي تمر بها في الأساس، إلى جانب تقديم ملامح شخصية "كاراكتر" أيقونية، مثل (لوسي ابن طنط فكيهة) ذاك الشاب التافه الذي يرفض العمل، ويقضي وقته في السهر والرقص، ومشاهد مكتوبة بحرفية عالية لا تفقد بريقها مطلقاً، كالتي يتعلم فيها الشاب كيفية الغزل والإيقاع بالفتيات.

بعد نجاح تجربة "إشاعة حب" قدَّم فطين عدداً من الأفلام ترتبط أحداثها بتيمات أسرية، أحبها الجمهور، وأصبحت من علامات الكوميديا مثل "الزوجة 13"، "عائلة زيزي" و"اعترافات زوج".

الأفوكاتو (1983): أمل المتعة والانبساط

قبل أن يتجه رأفت الميهي إلى الإخراج، كتب سيناريوهات تعكس غالبيتها هموم وخيبات جيل الستينيات، وتكشف عمق رؤيته السياسية. لكن حينما قرر أن يصنع حكاياته بنفسه على الشاشة، مال إلى مزج الواقع بالخيال، فناقش موضوعات جدلية بلمحة فانتازية، تسخر من منظومات المجتمع وقوانينه.

كان "الأفوكاتو" ثاني أفلامه، وبداية صدامه مع كافة مفردات الواقع المعاش، يقدم خلاله شخصية حسن سبانخ (جسّدها عادل إمام) محامي فاسد، استوعب التغيرات التي خلفتها الأنظمة السياسية بعد ثورة 1952، وعرف أن النجاة في مثل هذا المناخ تتطلب التعامل مع الحياة كلعبة، من يعرف قوانينها يجني كل المكاسب. لا سبيل هنا لتغيير أي شيء، فـ"الحياة مُقرفة جداً يا عبد الجبار"، والأمل الوحيد هو الحصول على قدر من المتعة والانبساط، وبالتالي، لا ضير من النصب على الفاسدين ومساومة العاديين لتحقيق غاياته.

"إشاعة حب"، "الأفوكاتو"، "خرج ولم يعد"، "صعيدي في الجامعة الأمريكية"، "الناظر"... هنا لا يوجد تعامل بجدية مع أي شيء، اللعب والمزاح هما المحركان الأساسيان، وعلينا فقط الاستمتاع 

يمتلك البطل المضاد، بشكل عام، جاذبية شديدة تجعله دوماً محل إعجاب عند الجمهور. فما بالنا بـ"سبانخ" الذي يحيا حياة هي خليط من الجد والهزل، ويتبنى فلسفة مثيرة للاهتمام، ويلجأ إلى حيل تنم عن ذكاء وبصيرة. من الطبيعي أن يعلق في الأذهان، هو وأفراد عائلته، ومرافعاته التهكمية، وسجنه الذي يشبه الحقيقة كثيراً، ويعدّ ضرباً من الخيال في نفس الوقت.

واجه الفيلم اتهامات كثيرة وصلت إلى ساحات المحاكم، الأمر الذي دفع الميهي إلى التوغل أكثر في الفانتازيا، إذ أدرك أنها الحل الأمثل للتعبير عن مواقفه وآرائه دون مواربة أو تنازلات. وقدم ثلاثيته الشهيرة "السادة الرجال"، "سمك لبن تمر هندي" و"سيداتي آنساتي".

خرج ولم يعد (1984): محمد خان يفر إلى البراح

المدينة هي البطلة الأولى في أفلام محمد خان، عشق تصوير شوارعها، وغاص في حيوات أناسها، وكان واحداً من مؤسسي الواقعية الجديدة في ثمانينيات القرن الماضي، الموجة الراصدة لتحولات المجتمع المصري بصيغ سينمائية متعددة.

في "خرج ولم يعد" يقرر الهروب من القاهرة إلى جنّة الطبيعة، بحثاً عن الخلاص.

المدينة هنا فوضوية خانقة منذ دقائق الفيلم الأولى.

تبدو المدينة هنا فوضوية خانقة منذ دقائق الفيلم الأولى، تكبس على أنفاس عطية "يحيى الفخراني"، وتحرمه من ممارسة حقوقه الطبيعية.

عندما يغادر عطية القاهرة، ويسافر إلى الريف لبيع أرضه، تتفتح عيناه على الجمال الأخضر، ويعرف قلبه الحب، ويتخلص أخيراً من الهموم والوصايا التي أثقلت كاهليه لسنوات طويلة.

تتماشى هذه السردية مع الحلم الذي يراود كثيرين من آن إلى آخر، بترك المدينة أملاً في عيش حياة هادئة ونقية. لكن جاذبية "خرج ولم يعد" غير قاصرة على حكايته الجميلة أو ممثليه الذين لعبوا أدواراً تعد علامة في السينما المصرية، وإنما تتعلق أيصاً بكونه تخليداً بصرياً لمتعة الطعام التي يحتفي بها خان.

الأطعمة على اختلاف أشكالها وأنواعها حاضرة في الفيلم، سواء في المدينة أو الريف. صحيح أنها أقل لذة وجمالاً في القاهرة من قرية "العزيزية"، لكنها موجودة في العدس المعد على طاولة الخطيبة، والشطيرة التي يلتهمها موظف حكومي.

يصف خان العمل بإنه كإعداد قطعة شوكولاتة.

يقول: "مشاهد الأكل في كثير من أفلامي لا مفر منها، ودائماً أميل إلى اللمة حول المائدة أو الوليمة، مثل وليمة الخروف المشوي التي أحياها الإقطاعي المفلس فريد شوقي، على حس الخطيب الموعود الموظف يحيى الفخراني، من أجل ابنته ليلى علوي في "خرج ولم يعد". هذا الفيلم الذي أعاد طبق البيض المقلي بالسمن البلدي إلى قائمة المأكولات الشعبية المنسية، وساهم في ارتفاع سوق بيع البيض البلدي.".

بطل من ورق (1988): كوميديا التشويق

قدم نادر جلال مجموعة أفلام تتنوع بين الجاسوسية والحركة والكوميديا، لكن يظل فيلمه "بطل من ورق" الذي تسلل إلى القلوب بخفة ودون مشقة، واحد من أجمل تجاربه الإخراجية على الإطلاق. كان العمل مغامرة على أكثر من مستوى؛ فهو من كتابة إبراهيم الجرواني، سيناريست لم يكن معروفاً قبل صناعته، ولم تحالفه الشهرة بعده، وبطولة ممدوح عبد العليم، الذي وقع الاختيار عليه بعد اعتذار عدد من النجوم عن الدور.،ساعياً إلى تثبيت قدميه في السينما ،بمساعدة آثار الحكيم وأحمد بدير وصلاح قابيل بعد نجاحه التليفزيوني.

تعلق الجمهور بـ"رامي قشوع"، كاتب السيناريو القروي الذي يتخذ خطواته الأولى نحو السينما، لكن حظه السيء يوقع أحد سيناريوهاته في يد عامل آلة كاتبة، مضطرب نفسياً، يقرر تنفيذ الجرائم المذكورة بحذافيرها.

لا يمتلك أي سمات بطولية خارقة، يقع في مصائب باستمرار، و"يندب حاله" معظم الوقت.

يبدو رامي نموذجاً للشاب الطموح الذي أتى إلى القاهرة ليحقق أحلامه، واصطدم بقسوتها وجنونها. لا يمتلك أي سمات بطولية خارقة، يقع في مصائب باستمرار، و"يندب حاله" معظم الوقت، وينتابه الخوف من حين إلى آخر، لكنه إنسان نبيل، يشعر بمسئولية تجاه الجرائم المرتكبة، ويقرر خوض مطاردات خطرة حفاظاً على سلامة الأرواح. تلك المطاردات المميزة لسينما نادر جلال تُقدّم هنا في إطار كوميدي تشويقي، يحمل الكثير من المتعة، ويقدم مفهوماً عميقاً لمعنى البطولة.

في أحد الحوارات، ذكر ممدوح عبد العليم، أن غالبية الملامح المميزة لشخصية رامي قشوع أضافها هو على الشاشة. فالنظارة الضخمة، واللهجة الفلاحي، والمنديل الأحمر الشهير الذي يستخدمه في المشاهد الأخيرة، كلها تفاصيل اخترعها ليصبح قشوع من لحم ودم، يتماهى معه الناس، ويصبح محفوراً في ذاكرتهم.

آيس كريم في جليم (1992): تمرد خيري بشارة وجيل كامل

في بداية التسعينيات، قرر خيري بشارة أن يتمرد على أفلامه الواقعية ذات اللمحة الشاعرية، ويتجه إلى تقديم سينما فانتازيا ساخرة وغنائية، تعبر عن الشباب خصوصاً، بدأت بفيلم "كابوريا" وتأكّدت في "آيس كريم في جليم". وقد انتقلت روح التمرد إلى الفيلم لتعكس رغبة جيل كامل في التحرر من إرث الماضي وقيوده، والبحث عن الذات وتحقيق الأحلام المهددة بالضياع.

مست حكاية سيف (عمرو دياب)، ورفاقه الكثيرين ممن يطمحون في مستقبل أفضل ويصطدمون بالواقع وماديته، يروقهم تمسك سيف بأحلامه، وتغنيه بالحرية، ورفضه تقديم موسيقى لا تعبر عنه. كما تغريهم صورته على الدراجة النارية مرتدياً الجاكيت الأسود، ومنطلقاً في الشوارع على أنغام إلفيس بريسلي.

مست حكاية (عمرو دياب)، ورفاقه الكثيرين ممن يطمحون في مستقبل أفضل، ويصطدمون بالواقع وماديته، يروقهم تمسك البطل بأحلامه، وتغنيه بالحرية، ورفضه تقديم موسيقى لا تعبر عنه، في زمن أشرطة الكاسيت، وانتشار "الووكمان"

يقدم بشارة فيلماً غنائيًاً تتدفق البهجة بين ثناياه، وترتبط أغانيه بموضوعه وحالته، تشدو شخوصه على الشاشة، ويردد الناس وراءهم كلمات تمجد كسر القيود والسير عكس الاتجاه.

يحمل في طيته تسجيلاً لفترة مهمة انتشرت فيها أشرطة الفيديو، وجهاز "الووكمان"، وأضواء النيون. فترة يحنّ إليها كل من مر عليها ولم يستطع نسيانها في زمن الواقع الافتراضي.

صعيدي في الجامعة الأمريكية (1998): المضحكون الجدد

تغير المزاج العام في منتصف التسعينيات، وأصبحت السينما في حاجة إلى ضخ دماء جديدة تعبر عن شباب العولمة والإنترنت. كانت البداية مع "إسماعيلية رايح جاي" الذي حقق إيرادات كبيرة آنذاك، وفتح الباب أمام جيل جديد من الممثلين على رأسهم محمد هنيدي.

لم يقتصر ظهور هنيدي على السينما، لكنه لمع أيضاً في الفوازير التي أخرجها سعيد حامد.

قرر حامد العودة للسينما بعد انقطاع 6 سنوات، إثر الفشل التجاري لفيلمه الأول "حب في الثلاجة"، وتعاون مع مدحت العدل ليقدما معاً أول أفلام المضحكين الجدد.

كان خلف الدهشوري خلف نموذجاً للشاب الذي عاش في بيئة بسيطة محافظة، وفجأة وجد نفسه في مجتمع منفتح، يحاول أن يسايره في المظهر والطباع. بذلته الصفراء تفضحه، وسيارته تكشف وضعه المادي، وأسلوبه في الغزل يثبت قلة خبرته، لكن أصدقاءه لا يتركون المدينة تبتلعه، وطموحه الأكاديمي ينقذه في النهاية.

المواقف التي يمر بها خلف ورفاقه تميل إلى الهزل غالباً، وأحياناً تنحو نحو الجدية، في رغبة لإضفاء قيمة على العمل، كمظاهرات الطلاب الجامعيين وحرق العلم الإسرائيلي. هذا المزج سيصبح سمة تميز غالبية أفلام هنيدي وحامد معاً.

لكن الكوميديا الجديدة التي أحبها الناس في الفيلم، كانت نابعة أساساً من "الإيفيهات" الطازجة التي علقت في الأذهان، وأصبحت قابلة للاستدعاء في الحياة اليومية. وقد تخللتها أغاني ورقصات عصرية لإضفاء مزيد من المتعة على الشريط السينمائي.

الناظر (2000): كوميديا مثالية لشريف عرفة

مثلما كان "إشاعة حب" حاضراً في غالبية الاختيارات، تكاد لا تخلو قائمة من ذكر اسم "الناظر"، فالفيلم علامة في تاريخ الكوميديا المصرية، ومثالاً على كيفية صناعة فيلم ثري بشخصياته وأحداثه وفلسفته الساخرة من كل شيء في الحياة.

يعد التعاون الثاني بين شريف عرفة وعلاء ولي الدين بعد "عبود على الحدود"، وعموماً يأتي في مرحلة قرر فيها المخرج أن يبتعد عن أفلام السياسة المغلفة بالكوميديا التي قدمها مع عادل إمام، ويعود إلى بداياته ذات الطابع التهكمي الساخر من الواقع بأسلوب ومعالجة أقرب للجمهور، تحمل سمات المرحلة "الإيفيهية"، ولكن كوميديا الموقف موجودة في صلب الموضوع.

لا يوجد هنا تعامل بجدية مع أي شيء، اللعب والمزاح هما المحركان الأساسيان للقصة.

علاء ولي الدين ليس فقط ابن الناظر المتسلط الذي بوفاته نال الشاب حرية خوض التجارب والتعرف على العالم الحقيقي، وإنما يجسد كل أدوار العائلة والشخصيات التاريخية في المشاهد الافتتاحية. يترك بصمة واضحة على كل شخصية تنتزع الضحكات، ويعقد اتفاقاً ضمنياً مع المشاهدين من البداية. لا يوجد هنا تعامل بجدية مع أي شيء، اللعب والمزاح هما المحركان الأساسيان للقصة، وعلينا فقط الاستمتاع.

تنضم له مجموعة من "الكاركترات" المميزة على مدار الرحلة، لكل منها تفاصيل ذكية كتبها أحمد عبد الله ببراعة. بداية من اللمبي (محمد سعد) الذي سيصبح له أفلام باسمه فيما بعد، مروراً بعاطف، الشاب التائه الذي لا يبالي بشيء، وصولاً إلى زكريا الدرديري، وميس انشراح.

وصحيح أن الفيلم ينتقد منظومة التعليم والسلطة الأبوية بشكل أساسي، ويقدم رحلة بطل كلاسيكية، إلا أن ما يميز "الناظر" عن غيره هو قراءته للواقع ثم تحرره منه، ليقدم كوميديا خالصة أولاً وأخيراً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard