"ممسكةً بيد حفيدتي، لا أدري من منا يقود الآخر"... أوكرانيون يروون حكايات تغريبتهم

الخميس 10 مارس 202211:54 ص

لم ترجح كفّة هول المصيبة في ميزان لاريسا، وتفوقت عليها نزعة الرأي السياسي الذي خرج أشبه بصرخةٍ ملكومةٍ من فم أمٍّ كانت تحلمُ بأن تصطحب ابنتها في المستقبل إلى أوديسا، أو تشيرنيهيف، أو قلعة بالانوك، لكن قدرها رضخ للعنة الحرب واصطحبها إلى شتاتٍ تكتبُ اليوم أول فصوله...!


تبدأ لاريسا بافل (41 عاماً)، حديثها إلى رصيف22، برأيها السياسي الذي اختار الاصطفاف بعيداً عن طرفي الحرب. تقول الأوكرانية المتحدرة من مدينة "ميكولايف": "نحن الضحية والطرفان مذنبان... روسيا بدأت الحرب وهي الغازية، لكن النظام الأوكراني كان متهوراً أيضاً، وأدخل البلاد في حرب غير متكافئة...".

وصلت لاريسا إلى المجر مع والدتها وابنتها عبر معبر "تيزابيتش" الحدودي مع أوكرانيا، وتقضي يومها الخامس في سكن طلابي لجامعة "ديبرتسن" الهنغارية، وتتحدث إلى رصيف22، عن رحلتها قائلةً: "وصلنا إلى الحدود في سيارة خاصة ثم اضطررنا إلى السير نحو ثمانية كيلومترات على أقدامنا حتى وصلنا إلى المعبر، ثم أقلّنا فريق تطوعي إلى السكن الجامعي هنا".


"ثمانية كيلومترات... ربما هي أطولُ مسافة أمشيها على قدميّ منذ 20 عاماً"؛ هكذا تبدأ والدة لاريسا حديثها، لتنهمر من عينها دمعة تؤكد حجم المعاناة التي واجهتها خلال ماراتون النجاة للوصول إلى القارة العجوز.

تقول الجدة أوكسانا ف. (65 عاماً)، لرصيف22: "كان طريقنا صعباً وشاقاً؛ أصوات الصراخ تصمّ الآذان والوجوه الخائفة تدمي القلب... أسير ممسكةً بيد حفيدتي، ولا أدري من منا يقود الآخر... تارةً أشعر بأنها مسؤوليتي، وتارة أشدُّ على ذراعها لاستلهم القوة وأبدد مخاوفي...".

"كان طريقنا صعباً وشاقاً؛ أصوات الصراخ تصمّ الآذان والوجوه الخائفة تدمي القلب... أسير ممسكةً بيد حفيدتي، ولا أدري من منا يقود الآخر... تارةً أشعر بأنها مسؤوليتي، وتارة أشدُّ على ذراعها لاستلهم القوة وأبدد مخاوفي..."

المجيء إلى المجر كان قرار الجدة أوكسانا التي درست في بودابست لمدة خمس سنوات. تضيف: "قضيت أجمل فترة في حياتي هنا... وها أنا أقضي اليوم أكثرها تعاسةً... عندما وصلت إلى الحدود نظرت إلى الخلف حيث الأراضي الأوكرانية، وسألت الله لماذا أطال بعمري لأعيش وأرى بلادي وشعبها هكذا... ليتني متّ قبل هذا اليوم.".


تقاطع جدتها بصوتها المرتجف قائلةً: "نيداي بوه... دوفهي خرويكيف ديبي".

أغلب الظن أنها عبارات من قبيل "لا قدّر الله"، و"سنوات عديدة لك". نسأل الفتاة مستعينين بإنكليزيتها الركيكة، فتجيب: "نعم... أتمنى لها العمر المديد".

"قضيت أجمل فترة في حياتي في المجر... وها أنا أقضي اليوم أكثرها تعاسةً... عندما وصلت إلى الحدود نظرت إلى الخلف حيث الأراضي الأوكرانية، وسألت الله لماذا أطال بعمري لأعيش وأرى بلادي وشعبها هكذا... ليتني متّ قبل هذا اليوم"

ديما بافل (15 عاماً)، تعرب عن اشتياقها إلى ميكولايف وإلى أبيها القابع هناك، وتتحدث إلى رصيف22، قائلةً: "كل شيء مريح هنا... يقدّمون لنا الإقامة والطعام والشراب مجاناً... وكل يوم يأتي المتطوعون ليسألونا عن احتياجاتنا، لكنني أرغب في السفر إلى بولندا، لأن معظم صديقاتي نزحن إلى هناك".

تظن ديما التي لم تغادر ميكولايف سابقاً قط، أن بولندا حي صغير يشبه الحي الذي تربّت ودرست فيه مع صديقاتها، وتحاول إقناع العائلة بالسفر إلى هناك ليلتمّ شمل الـ"شلة" التي ما زالت تحتفظ برباط على مواقع التواصل الاجتماعي مثقل بصور الحرب ومقاطع المعاناة.


تصل سيارة إحدى الفرق التطوعية التي رابطت على الحدود منذ اليوم الأول للحرب. تنزل من السيارة عائلة أوكرانية مؤلفة من أمٍّ وخمسة أطفال... الساندويشات التي يقدّمها المتطوعون على الحدود إلى القادمين لم تسدّ رمقهم من شدة الجوع الذي أصابهم، فكانت مائدات الطعام نقطة تماسهم الأولى على الأراضي الهنغارية.


لوبا فاسيلي (44 عاماً)، وصلت من مدينة "كيروفوراد" قبل وصول نيران الحرب إليها، والأب بقي هناك ملبّياً نداء النفير الشعبي العام للدفاع عن حدود كييف. تقول لرصيف: "وصلت المعارك إلى حدود مدينتنا يوم الخميس الماضي، وقضينا أيامنا الأخيرة في "كيروفوراد" داخل الملاجئ، وسنمضي بعض الأيام هنا، ثم نسافر إلى فيينا حيث أقرباء زوجي الذي أتمنى أن أراه قريباً".

عدم معارضة فاسيلي لبقاء زوجها مرابطاً على خطوط الجبهة، كان جواباً وافياً عن رأيها بالحرب الروسية على بلادها، كذلك استخدامها لكلمة "ريديري" (أي غزاة بالأوكرانية)، لتصف الجيش الروسي، وفي الوقت ذاته لم تخفِ عدم رضاها عن "التقاعس" الأوروبي في نصرة بلادها بالشكل المطلوب، مع تقديرها لما لمسته من رحابة الاستقبال هنا، وتقول لرصيف: "أتينا إلى هنا بأعداد كبيرة وسنحمل أعباءً إلى هذه القارة. أعباء لم تستطع عيون الأوروبيين إخفاء مخاوفهم منها، على الرغم من أنهم فتحوا قلوبهم وأذرعهم لنا".


وهذه ليست المرة الأولى التي يفتح عرب أوكرانيا فيها نوافذَ شرفاتِهم على مشاهد الحرب، إلا أن دربهم نحو النجاة كان أطول وأكثر مشقّةً بسبب الانتظار الطويل على المعابر الحدودية إلى حين تمكّن الرأي العام من إزاحة حواجز الحدود العنصرية التي نُصبت في وجههم.

"درب عرب أوكرانيا نحو النجاة كان أطول وأكثر مشقّةً بسبب الانتظار الطويل على المعابر الحدودية إلى حين تمكّن الرأي العام من إزاحة حواجز الحدود العنصرية التي نُصبت في وجههم"


يعبر الطلاب العرب والأجانب الذين احتضنتهم الجامعات الأوكرانية إلى أوروبا في أجواء مناخية ومادية صعبة جداً. رصيف22 التقى بتيمور أ. (25 عاماً)، وهو طالب سوري يدرس في أوكرانيا، الذي قال: "أقلّتنا إلى الحدود الهنغارية حافلة مقابل 200 دولار عن الطالب الواحد، وبعد أيام عصيبة قضيناها على الحدود، سُمح لنا بالدخول. قضيت في هنغاريا يومين ثم سافرت إلى ألمانيا".

بالإضافة إلى مصاعب الانتظار على الحدود، عانى تيمور وأصدقاؤه العرب في طريقهم إلى الحدود داخل أوكرانيا. يضيف الطالب الذي يدرس هندسة المعلوماتية في كييف: "الطريق إلى الحدود محفوف بالمخاطر، خصوصاً بالنسبة إلى الأجانب، إذ تنتشر عصابات وفرق عسكرية تعترض الحافلات العابرة إلى الحدود، وقد قامت باعتراض عدد كبير من الأجانب ومنعهم من متابعة الطريق، ناهيك عن حوادث السرقة والتشليح".

يضحك تيمور عند سؤاله عن إمكانية تقديمه وزملائه طلب اللجوء إلى أوروبا، مستغلّين الحرب في أوكرانيا، ويؤكد: "إذا كان هذا الخيار متاحاً، فأعتقد أنه الحل الوحيد للبقاء بأمان، فلا أظن أن أحداً من السوريين أو اللبنانيين يرغب في العودة إلى بلاده".


ضربت المجر سياستها المناهضة للهجرة واللاجئين بعرض حائط ملطخ بعبارت ورسومات عنصرية، وأخرى تنادي بإغاثة الجار، وفتحت حدودها لأبناء جارتها، كما كل الدول الأوروبية التي تترقب أزمة لاجئين سيتسبب فيها نزوح نحو 500 ألف شخص، وتوقعات بازدياد هذه الأعداد في الأيام القادمة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard