شاركوا في مهمّتنا،
بل قودوها

ضمّ/ ي صوتك إلينا!
بيني وبين ابنتي تأشيرات وبحار ومكالمة أسبوعية واحدة مراقبة... أكره عيد الأمّ وفايزة أحمد

بيني وبين ابنتي تأشيرات وبحار ومكالمة أسبوعية واحدة مراقبة... أكره عيد الأمّ وفايزة أحمد

انضمّ/ ي إلى مجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات”.

هدفنا الاستماع إلى الكل، لكن هذه الميزة محجوزة لمجتمع "قرّائنا/ قارئاتنا الدائمين/ ات"! تفاعل/ي مع مجتمع يشبهك في اهتماماتك وتطلعاتك وفيه أشخاص يشاركونك قيمك.

إلى النقاش!

مدونة

الاثنين 21 مارس 202203:18 م

يأتي هذا النصّ كجزء من سلسلة مقالات وتقارير عن الأمومة في الغربة

أكره عيد الأم منذ أن كنت في الصف الرابع الابتدائي، حين كانت صديقاتي يضعن رؤوسهن على المقعد ويبكين بحرقة عند سؤال المعلمة عن الهدية التي أحضرنها لأمهاتهن.
لم أكن أفهم حينها كيف لطفل أن يكون بلا أم. وكنت بهبل طفلة أحب حالة التعاطف، فأقول: أمي ميتة أيضاً.

أضع يدي على أكتافهن وأطبطب وأنا لا أفهم لماذا يجب أن يكون هناك يوم يذكّر الآخرين بنقصهم؟!

ورقة في روزنامة تحفر قلوب كثيرين وتذكّرهم باليتم، اليتم الذي ربما لن يعوض أبداً.

كرهت عيد الأم أكثر منذ أن تحول بيتنا في 21 آذار/ مارس إلى "مندبة"؛

تشغّل أمي فايزة أحمد وهي تغني "ست الحبايب يا حبيبة" وتبكي بحرقة، وذلك منذ أن توفيت هند جدتي، إذ تحوّل عيد الأم في بيتنا إلى عزاء متجدد.

تتكرر الأغنية وأمي تبكي أكثر وما زلت لا أفهم مبررات الدموع. هل حقاً غياب الأم موجع إلى هذا الحد؟

ثم صرت أكره عيد الأم أكثر عندما أرى صديقاتي اللواتي لم يحظين بفرصة ليجرّبن أمومتهن وهن يقفن بين الجموع، ويهربن من نظرات الشفقة واتهامات الحسد فيخفن أن يبتسمن لطفل حتى. يمضين يومهن خارج المنزل، ويركضن بعيداً عن صوت فايزة أحمد.

أكره عيد الأم وهداياه التي تجعل الأمهات مطبخاً ينتظر غسالةً وجلّايةً وطقماً من طناجر التيفال.

صوتها الذي قد يتحول في الشوارع إلى غول بأقدام طويلة وأيدٍ كبيرة يركض خلفنا نحن الذين لا نحب عيد الأم ونهرب منه ومن إعلاناته على الشاشات ومن متسلقيه.

هل جربت أن ترى صوتاً يطاردك؟ شيئٌ يشبه علامةً موسيقيةً سوداء ضخمة، تركض خلفك في الحافلات والتاكسي وجمعات العائلة، على البسطات وفي المقاهي؟ أهرب منه ومن الأمهات اللواتي يتحولن إلى نباتات قطن فجأةً فينعّم صوتهن ويبدعن في الدعاء اللطيف ويحضّرن التبولة وورق العنب.

أكره عيد الأم وهداياه التي تجعل الأمهات مطبخاً ينتظر غسالةً وجلّايةً وطقماً من طناجر التيفال.

اليوم صارت عندي أسباب جديدة لأكره عيد الأم، أنا الأم التي خسرت حضانة ابنتها. أقضي عاماً كاملاً أرمم نقصي وأبحث عن قطعة بازل أضعها في روحي المفتوحة.

ثم تنطّ فايزة أحمد لتفتح بدل المربع فوهةً من الوجع والندم والذكريات.

كنت قد آمنت حينها بأن الأمومة أنانية مطلقة، ووضعت ابنتي في البحر وأرسلتها إلى بلاد بعيدة، بعيداً عن الطوابير والظلام والسماء المحروقة.

يحبون الأمهات والأمومة ويلهثون لينالوا الرضا، وفي الجانب الآخر يمسكون في أيديهم طفلاً لا يكلّم أمه إلا بإذن، ولا يرى أمه إلا بمعجزة.

بعيداً عن القذائف والشظايا والدم، وكنت أظن حينها أن الحياة وردية وأن هذا وضع مؤقت سينتهي، لكنني كنت حمقاء، لم أكن أعرف أن هذا القرار سيصير حبلاً حول روحي. اليوم بيني وبينها تأشيرات دخول وبحار وجبال وقارة و12 ساعة طيران، ومكالمة أسبوعية واحدة مراقبة، وآلاف رسائل الترجي والضعف، وملايين الركعات والأدعية، ومئات الأساليب كي تحبني، فقط لتحبني.

بيني وبينها جمل اللوم التي أسمعها وأحاول تجاهلها فتقفز في وجهي كل ليل.

بيني وبينها صور معدلة على الفوتوشوب لأجعلها تحضر عيد ميلاد أختها.

بيني وبينها حراس فضيلة وأحكام مسبقة وأمنيات.

بيني وبينها كل شيء افتراضي.

حتى ذكرياتها عني افتراضية.

بيني وبينها صوت فايزة أحمد ينخر رأسي كمثقاب.

نحن الأمهات اللواتي يتكورن تحت الأغطية، نغطي رؤوسنا بالصور المتناثرة والذكريات، وحبوب المهدئات والسجائر.

ندعو ليختفي هذا اليوم، اليوم الذي تنزل أرواحنا فيه إلى الشوارع تهيم خلف أبنائنا...

خلف أبنائنا الذين سلبتهم منا ورقة.

  لديّ أسباب لأكره عيد الأم، أنا التي خسِرَت حضانة ابنتها. أقضي عاماً كاملاً أبحث عن قطعة بازل أضعها في روحي المفتوحة.ثم تنطّ فايزة أحمد لتفتح بدل المربع فوهةً من الذكريات.

إنهم بارون جداً وإنسانيون جداً ويحبون الأمهات والأمومة ويلهثون ليقبّلوا الأيادي وينالوا الرضا، وفي الجانب الآخر يمسكون في أيديهم طفلاً لا يكلّم أمه إلا بإذن، ولا يرى أمه إلا بمعجزة.ثم ننظر إلى الجميع وهم يركعون للأمهات ويصلّون لهن، فنضحك من سخف الكذبة، الكذبة التي يصدقون.

نهرب من النمطية التي تحاوطنا، والتي قد تصل إلى أن يستغرب أحدهم أنك تتنفسين بينما هناك طفل بعيد عنك. منذ فترة رأيت فيديو لأم تناشد سلطات بلدها لتعيد إليها حضانة طفلها؛ صوتها ونفسها، والقوة التي تحاول الظهور بها، كل هذا كان بالنسبة لي جلياً واضحاً، لكن التعليقات كانت تشير إلى لون أظافرها وطولها.

"في أم زعلانة بتحط مناكير؟".

أن نخفي ضحكاتنا ولحظاتنا السعيدة لأننا نعيش بلا أبنائنا.الجميع يريدون أن يرونا ونحن نموت، وأن نعلّق صورنا ونحن في أشد لحظات الألم والفقد.

ومع كل ضحكة أو في كل لحظة سعادة، ستنطلق في وجوهنا أصابع الاتهام وتخوين الأمومة والأحكام التي يكون أقلها: "تركت ابنها لتفلت".

أنا التي أفلتّ يد ابنتي يوماً، أضحك وأرقص وأبكي.

أدرس وأعمل وأحاول.

أحارب... وأكره عيد الأم، وفايزة أحمد.

إنضمّ/ي إنضمّ/ي

رصيف22 منظمة غير ربحية. الأموال التي نجمعها من ناس رصيف، والتمويل المؤسسي، يذهبان مباشرةً إلى دعم عملنا الصحافي. نحن لا نحصل على تمويل من الشركات الكبرى، أو تمويل سياسي، ولا ننشر محتوى مدفوعاً.

لدعم صحافتنا المعنية بالشأن العام أولاً، ولتبقى صفحاتنا متاحةً لكل القرّاء، انقر هنا.



* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

Website by WhiteBeard