زيارة الأسد تُبرز الخلافات مع واشنطن... هل حسمت الإمارات خيارها بالتوجه شرقاً؟

السبت 19 مارس 202208:51 م

وصل الرئيس السوري بشار الأسد في زيارة مفاجئة إلى الإمارات، فحط في مطار دبي الدولي ظهر أمس السبت وخرج من مطار البطين العسكري في أبو ظبي ليلاً. وهذه الزيارة غير المجدّولة مسبقاً لم تشبه إطلاقاً بطقوسها الاستقبال الطبيعي الذي تقيمه الإمارات عادة لزوارها من رؤساء دول، من حفاوة ومراسم كالتي حظي بها الرئيس التركي رجب طيب آردوغان الشهر الماضي.

ولم تكن العلاقات الإماراتية-السورية بسوء العلاقة التي كانت بين أبو ظبي وأنقرة، وبالرغم من ذلك أتت زيارته بأجواء باردة على الرغم من أنها الزيارة الأولى له إلى دولة عربية منذ اندلاع النزاع السوري عام 2011، وشاءت الصدف، ربما، أن تكون في ذكرى اندلاع الثورة التي تحولت لاحقاً إلى حرب أهلية.

وتأتي زيارة الأسد الجمعة، بعد زيارة وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد آل نهيان، إلى دمشق يوم 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2021، وبعد 11 سنة من المقاطعة العربية لسوريا، التي لا تزال خارج أسوار الجامعة العربية إلى الآن.

رسائل واشنطن-أبو ظبي

وفي رد فعل أولي على الزيارة، لم ترحّب الولايات المتحدة بهذ الخطوة، وقالت في بيان لوزارة الخارجية إنها "تشعر بخيبة أمل كبيرة وبقلق من المحاولة الواضحة لإضفاء الشرعية على الرئيس السوري بشار الأسد".

وحثّ المتحدث باسم خارجيتها، نيد برايس، في تصريحات صحافية "الدول التي تفكر في التواصل مع نظام الأسد على أن تدرس بعناية الفظائع المروعة التي ارتكبها ضد السوريين على مدى العقد الماضي، فضلاً عن محاولاته المستمرة حرمان معظم البلد من الحصول على المساعدات الإنسانية والأمن".

زيارة الأسد لم تشبه إطلاقاً بطقوسها الاستقبال الطبيعي الذي تقيمه الإمارات عادة لزوارها من رؤساء دول

وكان لافتاً رد أنور قرقاش، مستشار الشؤون الدبلوماسية للرئيس الإماراتي خليفة بن زايد، عبر صفحته الرسمية على موقع التويتر، مغرداً: "زيارة الرئيس السوري بشار الأسد تنطلق من توجه الإمارات الرامي إلى تكريس الدور العربي في الملف السوري، كما تأتي من قناعة إماراتية بضرورة التواصل السياسي والانفتاح والحوار على مستوى الإقليم، المرحلة تحتاج خطوات شجاعة لترسيخ الاستقرار والازدهار وضمان مستقبل المنطقة ورفاه شعوبها".

وأشار في تغريدة أخرى إلى أن "خطوات الإمارات ليست فردية، هناك عمل جماعي وتفاصيله قد لا تكون معلنة، أما الاستياءات الصادرة من هنا وهناك فمصدرها من الذين دعموا جبهة النصرة والإرهاب في سوريا، فهل كانوا يمدون الإرهابيين بالورد أم بالسلاح والمال؟".

كذلك، قال المحلل والباحث السياسي الإماراتي، ماجد الرئيسي، في واحدة من تغريداته: "نحن أدرى بمصلحة منطقتنا، شعار تبنته الإمارات وطبّقته على الواقع، انتهى وقت الهيمنة الغربية توجهات المنطقة وإبقاء أمنها رهن تلك التوجهات، إن لم تتولّى الدول العدلية زمام أمورها فلن تشهد هذه المنطقة أي استقرار".

وتطرح الإمارات نفسها مؤخراً كعرّاب للمصالحات في المنطقة، فهي بعد أن قامت بالتطبيع مع إسرائيل من خلال توقيع اتفاقية أبراهام في أيلول/سبتمبر 2020 مع تل أبيب، صالحت تركيا بعد عداء طويل ومن ثم انفتحت على سوريا علناً، وفتحت قنوات تواصل مع إيران.

أي دور تريده؟

ما الدور الذي تبحث عنه الإمارات غير ما يُقال، أي "عرّابة السلام والمصالحات"؟ يقول الباحث السياسي في الشأن السوري، محمد سكر، لرصيف22: "في الواقع، تسعى الإمارات لأن تصبح مركزاً إقليمياً في المنطقة من خلال قيادة الجهود الدبلوماسية على الصعيد السياسي، ومن الواضح بأنّها تقود جهوداً في هذا الإطار على الصعيد السوري"، مشيراً إلى أنه "بالرغم من زيارة الأسد الأخيرة إليها إلا أنّه لم يحظَ بالاستقبال البروتوكولي المطلوب كرئيسٍ لسوريا، وإنما تعاملت معه دبي على أنّه طرفٌ في الصراع".

ويضيف: "يبدو أن الإمارات باتت هي من تقود مسار خطوة بخطوة الذي لطالما تحدث عنه غير بيدرسون، مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى سوريا، الدليل القاطع على ذلك أنه ما زال للإمارات نفوذاً كبيراً داخل مؤسسات المعارضة التقليدية".

قالت الولايات المتحدة  إنها "تشعر بخيبة أمل كبيرة وبقلق من المحاولة الواضحة لإضفاء الشرعية على الرئيس السوري بشار الأسد"

برأي سكر أن "سالم المسلط هو أحد أذرع أبو ظبي في الائتلاف الوطني وهذا يُشير إلى إرتباط الملف السوري بالتقاطعات التركية-الاماراتية وهذا يدفع للاعتقاد بأنّ الإمارات باتت أكثر تقبلاً لعودة مؤسسات سوريا إلى الحضن العربي دون أن يعني ذلك أنّها متمثلة برئيس النظام السوري بالطبع".

ولا يعتقد معارضون سوريا أن أبو ظبي تتعاون مع المسلط في هذا الإطار كما لا يعتبرون أن الأخير له التأثير الكبير الذي يدفعه كي يكون نقطة التقاء بين الجميع بالرغم من أنه من ينتمي إلى عشيرة معروفة، وبرز نجمه في لحظة تقاطع عربية تركية.

دمشق لا تريد الجامعة

بعد زيارة قصيرة لمحمد بن راشد، حاكم دبي، انتقل الرئيس السوري إلى أبو ظبي حيث اجتمع مع ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد آل نهيان، الحاكم الفعلي للإمارات، ووفق بيان رسمي صادر عن الديوان الأميري، فقد أكد الجانبان على ضرورة "الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وانسحاب القوات الأجنبية"، من بلد به وجود عسكري لكل من روسيا وإيران وتركيا والولايات المتحدة.

وفي تصريحات سابقة لمحللين وباحثين سياسيين إماراتيين، قالوا لرصيف22 (على خلفية موضوع زيارة عبد الله آل نهيان إلى دمشق) إن الإمارات تسعى جدّياً إلى إعادة سوريا إلى مقعدها وبيتها العربي وكانت تقديراتهم تشير حينها إلى الشهر الحالي (آذار/مارس) لكن حتى الساعة لم تظهر بوادر فعلية.

وفي هذا الإطار يقول المحلل السوري من دمشق، غسان يوسف، لرصيف22 إنّ "هذه الزيارة ستؤسس لزيارات عربية أخرى، كما أن سوريا سترحّب بعودتها إلى جامعة الدول العربية ولكنها لن تطلب من تلقاء نفسها هذا الأمر، مع العلم أن معظم الدول العربية ستوافق وترحّب بتلك العودة".

تأتي زيارة الأسد إلى الإمارات في لحظة افتراق سعودي-إماراتي عن واشنطن بدأ يظهر إلى السطح أكثر مع بدء الأزمة الأوكرانية، فيما تستمر دول الخليج في تمتين علاقاتها مع الصين التي تحاول أن تملأ الفراغ في الشرق الأوسط

وتذهب بعض التحليلات من قبل معارضين سوريين ومن متابعين (حياديين) للملف السوري للقول إن دمشق تبحث عن بديل لروسيا في الوقت الراهن، النظام السوري يحتاج لمساعدة الإمارات في كافة المجالات الاقتصادية من مواد غذائية وأدوية إلى الاستيراد عبر المصارف الإماراتية بعدما فُرضت عقوبات كبيرة على موسكو.

من المستفيد؟

من وجهة نظر المستشار في العلاقات الدولية، الدكتور علي يحيى، فإنه "لا شك أن إعادة التموضع الأمريكية في غرب آسيا، بعد النكستين الأفغانية والعراقية، باتجاه الصين كتهديد مركزي اقتصادي يدفع بتسريع الانزياح العالمي نحو آسيا، وروسيا ومشروعها الأوراسي بالتساوي مع تسريع الإدارة الأمريكية محاولة احتواء إيران لمنع تواصل الفضاء الأوراسي، والتخلي عن سياسة الدفاع عن حلفائها بالشرق الأوسط بما يتناسب مع التهديدات".

ويضيف لرصيف22: "هذا ما دفع دول المنطقة إلى تعديل تموضعها بما يراعي مصالحها عبر خطين متوازين، الأول لاستعادة سياسة التفاعل الإيجابي مع جوارها الجيوسياسي وإعادة تفعيل الدبلوماسية الناعمة، ولتنطلق عجلة مصالحات مصرية قطرية، تركية إماراتية، إيرانية سعودية وما إلى ذلك، الثاني عبر رفع مستوى التشبيك مع روسيا والصين، وعبر مختلف المجالات، وكون سوريا التي تمثل ممراً لهذه التقاطعات، بدأت تشهد تدفق وفود أمنية، سياسية واقتصادية".

فتحت الحكومة السورية الأبواب للاستثمارات الإماراتية كما لحجز حصتها في إعادة الإعمار، ومنع انتقاد الامارات في الاعلام السوري

وتعتبر الإمارات من البلدان القليلة التي أبقت على اتصالاتها مع النظام في دمشق، ولو بخجل، أو على شكل تواصل من تحت الطاولة، ثم أعادت افتتاح سفارتها مجدداً في العاصمة السورية عام 2018.

في هذا السياق، يقول يحيى: "تمازيت الإمارات عن السعودية وقطر خلال الأزمة السورية، لأسباب تتعلق بخصومتها السابقة مع تركيا، وموقفها من حركات الإسلام السياسي، فقد استعادت حرارة العلاقات السياسية والأمنية مع دمشق قبل سنوات، وفتحت أبوابها لشخصيات مقربة من سلطة الحكم بسوريا. والأخيرة، فتحت الأبواب للاستثمارات الإماراتية كما لحجز حصتها في إعادة الإعمار، ومنع انتقاد الامارات في الاعلام السوري، حتي من زاوية حرب اليمن، فهي تحتاج للعملة الصعبة التي يمكن أن يضخها آلاف السوريين الجدد الذي حطوا رحالهم في الإمارات".

من وجهة نظر يحيى. فإن المصالح المشتركة أعلى من أي تأثير كل طرف بسياسة الآخر الخارجية، سواء علاقات الإمارات مع إسرائيل، أو تحالف سوريا مع إيران. كما أن زيارة الأسد، الأولى له إلى بلد عربي منذ بداية الحرب السورية، جاءت في لحظة فارقة للنظام الدولي المهتز في أوكرانيا، وبعد الرفض الإماراتي (والسعودي) إدانة روسيا، وبعد جولات الرئيس الجزائري ووزير خارجيته بخصوص عودة سوريا لمقعدها قبيل انعقاد قمة الجزائر، ما يعني اقتراب موعد سير العرب على طريق دمشق.

التوجه إلى الشرق

لا يخرج رد الفعل "الإعلامي" للولايات المتحدة التي تستعجل تطبيع علاقتها مع إيران عبر التوصل إلى اتفاق نووي، أو إعادة إحيائه، عن سياق ما فعلته أو ظهرته الأزمة الأوكرانية بين السعودية والإمارات من جهة، وواشنطن من جهة أخرى، وهي التي أعلن رئيسها جو بايدن قبل أيام عن عزمه إعلان قطر كحليف رئيسي للولايات المتحدة من خارج حلف "الناتو".

يقول يحيى: "واشنطن، الغاضبة من خلال بيان خارجيتها، والتي تتسع الهوامش والفجوات بينها وبين الإمارات والسعودية، وإن كانت قد نجحت في المرة الأولى في إغلاق منشأة صينية قيد الإنشاء في الإمارات، إلا أنها لم تستطع منع التعاون العسكري الباليستي السعودي-الصيني، ولم تنجح في ثني الدولتين الخليجيتين عن موقفهما برفض المساهمة في خفض أسعار النفط عالمياً".

واشنطن، الغاضبة من أبو ظبي، وإن كانت قد نجحت في المرة الأولى في إغلاق منشأة صينية قيد الإنشاء في الإمارات، إلا أنها لم تستطع منع التعاون العسكري الباليستي السعودي-الصيني

وفي السنوات الأخيرة أصبحت دول مجلس التعاون الخليجي مركز الثقل للنشاط الاقتصادي الصيني في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وهي عازمة على زيادة تعزيز هذه الروابط الاقتصادية، من خلال الاستثمارات واسعة النطاق في مجالات الطاقة والصناعة والتمويل والنقل والاتصالات.

في المقابل، وفي عام 2018، جاء ما يقرب من 30% من واردات الصين من النفط -أو 2.9 ملايين برميل يومياً- من دول مجلس التعاون الخليجي.

كذلك، شهدت بدايات العام الحالي تحركات إيرانية هدفت إلى تأكيد طبيعة توجهها صوب الشرق كمحاولة أخيرة لمواجهة ضغوطات الغرب وتهديداته، وزار وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان بكين، كانون الثاني/يناير الماضي للإعلان عن بدء تنفيذ اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين في آذار/مارس 2021 والتي يتم بمقتضاها تقديم الصين لاستثمارات وخدمات اقتصادية وأمنية إلى إيران بقيمة 400 مليار دولار وذلك على مدى 25 عاماً.

واستقبلت موسكو في ذلك الشهر أيضاً الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بزيارة هي الأولى من نوعها وقد حملت هذه الزيارة أبعادا عديدة للتعاون بين البلدين كما صرح بذلك المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، قبيل الزيارة مباشرة بقوله "إن هذه الزيارة تأتي في إطار التعاون بين إيران وروسيا وتتضمن أبعادا تجارية واقتصادية ومحادثات ثنائية وإقليمية ودولية ".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard