عبد الله بن زايد في دمشق... إحياء أوهام استعادة الأسد من الحضن الإيراني

لم تقطع الإمارات يوماً علاقاتها مع الأسد وإن خضعت في البدء للموقف العربي بمقاطعة النظام

الخميس 11 نوفمبر 202105:28 م

لم تكن زيارة وزير خارجية الإمارات، عبد الله بن زايد آل نهيان، إلى دمشق، يوم الإثنين الماضي، بعد عشر سنوات من بدء الاحتجاجات والمقاطعة العربية، مفاجئةً، فهي كانت متوقّعة لمتابعي الملف السوري عن كثب، لكن توقيتها كان مفاجئاً، كون الأردن كان يأخذ على عاتقه قيادة المفاوضات مع الجانب السوري، للعودة إلى الجامعة العربية.

أواخر العام 2011، أوقفت العديد من الدول العربية، من بينها الإمارات، عضوية سوريا في جامعة الدول العربية، ودعت إلى سحب السفراء العرب من دمشق، إلى حين تنفيذ النظام كامل تعهداته في توفير الحماية للمدنيين.

والإمارات من البلدان القليلة التي أبقت على اتصالاتها مع النظام في دمشق، ولو بخجل، أو على شكل تواصل من تحت الطاولة، ثم أعادت افتتاح سفارتها مجدداً في العاصمة السورية عام 2018، ومؤخراً اتصل ولي عهد أبو ظبي، محمد بن زايد آل نهيان، بالرئيس السوري بشار الأسد، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

وطالب بن زايد بعودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية، ليتبع ذلك اتفاق البلدين على خطط مستقبلية لتعزيز التعاون الاقتصادي، واستكشاف قطاعات جديدة خلال المرحلة المقبلة.

طالب بن زايد بعودة سوريا لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية، ليتبع ذلك اتفاق البلدين على خطط مستقبلية لتعزيز التعاون الاقتصادي

وأولى ردود الفعل على هذه الزيارة، كانت من المتحدث باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس، الذي لام الإمارات من دون أن يسمّيها، قائلاً في بيان: "على دول المنطقة إعادة النظر بعناية في الفظائع التي ارتكبها نظام بشار الأسد بحق شعبه على مدار العقد الماضي، فضلاً عن جهود النظام المستمرة لمنع وصول الكثير من المساعدات الإنسانية إلى البلاد، والأمن".

وضع الرئيس الإقليمي لـ"المركز البريطاني لدراسات وأبحاث الشرق الأوسط"، أمجد طه، في حديثه لرصيف22، الزيارة ضمن "الإطار القانوني الدولي، والمواثيق الدولية التي تسعى إلى حلحلة الأمور بالطرق السلمية بين الدول، والإمارات تسعى دائماً إلى حل الخلافات بين الدول"، زاعماً أن "الولايات المتحدة ليست أكثر خبرةً من الدول العربية في سياسة الشرق الأوسط، والإمارات لها باع طويل في رأب الصدع بين الدول المتناحرة".

الخارجية الأميركية: "على دول المنطقة إعادة النظر بعناية في الفظائع التي ارتكبها نظام بشار الأسد بحق شعبه على مدار العقد الماضي، فضلاً عن جهود النظام المستمرة لمنع وصول الكثير من المساعدات الإنسانية إلى البلاد، والأمن"

وكشف طه عن "مفاجآت كبيرة ستأتي في غضون أيام قليلة، على الأرجح الأسبوع المقبل، ننتظر حركة زيارات كثيفة ذات مستوى عال ستشمل دولاً تدعم التطرف الإسلامي في سوريا، وستكون هناك مباحثات تتعلق بالتعاون الاقتصادي بين الدول المعنية، مقابل رفع اليد عن دعم الإرهاب، وترك سوريا بشأنها".

ويتحدث طه عن "تغييرات كبيرة ستشهدها المنطقة قريباً، لكن الأولوية حالياً لملف سوريا والإرهاب، وإعادة الإعمار، كذلك إعادة سوريا إلى مقعدها في جامعة الدول العربية، والمتوقع في مطلع شهر شباط/ فبراير المقبل".

وكانت دول الخليج قد قطعت علاقاتها في الأيام الماضية مع لبنان، على خلفية تصريح وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي، الذي وصف فيه الحرب في اليمن بالعبثية، ويُذكر أن سوريا من أبرز حلفاء إيران التي تخوض عبر أذرعها حرب اليمن.

وقال طه، في سياق تعليقه، على اختلاف الأزمة الخليجية مع لبنان عن المشكلات السابقة مع سوريا: "الحوار الإماراتي مع سوريا هو بين دولة ودولة، وليس بين دولة وحزب"، من دون أن يضيف أي تعليقات أخرى.

ورأى مصدر إماراتي (سياسي أكاديمي رفض الإفصاح عن اسمه)، في حديث إلى رصيف22، أن "التقارب مع سوريا ليس جرماً، فسوريا دولة عربية، وشعبها عربي، وجامعة الدول العربية مرّت بظروف مشابهة مع دول أخرى. فعندما قاطعت الدول العربية مصر، كانت الإمارات الدولة التي لم تقاطعها، بل أصرّت على العرب لعودتها إلى جامعة الدول العربية".

وفي رده حول مصير الملف الأكثر جدلاً في سوريا والمنطقة، وهو ملف إيران وحزب الله، إلى جانب ملف اليمن، قال المصدر: "بالنسبة إلى الحوثي وحزب الله، الفراغ العربي في المشهد السوري جعل سوريا بين فكّي تركيا وإيران، وهذا واضح لأن كلا الدولتين ذات أطماع توسعية، وفي ظل القطيعة لم يكن لسوريا خيارات عديدة، وقتال حزب الله ليس فقط في بلد مثل سوريا، ففروع حزب الله منتشرة في دول عدة، حتى في الخليج".

مصدر إماراتي: "بالنسبة إلى الحوثي وحزب الله، الفراغ العربي جعل سوريا بين فكّي تركيا وإيران، وفي ظل القطيعة لم يكن لسوريا خيارات عديدة"

من وجهة نظره، فإن "الإمارات تبحث عن تخفيف التوترات في المنطقة، بالتنسيق مع الحكومات، لا مع الجماعات والأحزاب، وقد ظهر ذلك من خلال التقارب مع تركيا وقطر وإيران، والإمارات تؤمن بالحوار والمصالح الاقتصادية، ويكفي ما تحملته الشعوب من دمار، حان الوقت لبناء حوارات جادة بعيدة عن العواطف والخوف والشعارات التي لا تحل الأزمات".

ويعود الفضل في التحول الإيجابي نحو سوريا، إلى زيارة قام بها العاهل الأردني الملك عبد الله بن حسين، للولايات المتحدة، في تموز/ يوليو 2021. وذكرت تقارير صحافية، أن "بن حسين أقنع الرئيس جو بايدن بأن الأسد سيظل في منصبه، ويتعيّن على المجتمع الدولي التعامل معه".

ووفقاً للتقارير، فإن ملك الأردن حصل على إذن من الولايات المتحدة لاستئناف الروابط التجارية مع سوريا، وأن يُستثنى الأردن من نظام العقوبات المعروف باسم قانون قيصر"، وفعلاً فُتح في أيلول/ سبتمبر الماضي، معبر جابر-نصيب الحدودي بين الدولتين، وعادت العلاقات التجارية بينهما.

لكن لماذا لم يستطِع الأردن إعادة سوريا إلى جامعة الدول العربية؟ يجيب عن هذا السؤال الباحث السياسي السوري، أسامة دنورة، قائلاً إن "مثل هذا القرار لا يكون أحادياً، ولا يمكن لدولة واحدة أن تقرره، بل يتطلب إجماع الدول العربية وفق ظروف ومعطيات إقليمية، فحين اتصل الملك عبد الله بالرئيس الأسد، كان ذلك من باب تعزيز العلاقة، ولم يكن في وسعه فعل أكثر من ذلك".

 أكد عضو مجلس الشعب السوري، أحمد مرعي، بأن الإمارات هي أول دول عربية أعادت زمن الوصال مع سوريا، والعاهل الإماراتي تعهد بأنه لن يترك سوريا تواجه بمفردها مخاطر جائحة كورونا، ومنذ ذلك التاريخ وُلد مناخ جديد في العلاقات".

في العام 2018، استعادت الإمارات علاقتها مع سوريا. ومع تفشي جائحة كورونا في العام 2020، توطدت آواصر العلاقة. من هذا المنطلق، أكد عضو مجلس الشعب السوري، أحمد مرعي، في حديثه مع رصيف22، بأن الإمارات هي أول دول عربية أعادت زمن الوصال مع سوريا، والعاهل الإماراتي تعهد بأنه لن يترك سوريا تواجه بمفردها مخاطر الجائحة، ومنذ ذلك التاريخ وُلد مناخ جديد في العلاقات".

ورأى مرعي أن الإمارات اليوم تلعب دور عرّاب المصالحات في المنطقة، بين سوريا والدول العربية الأخرى، ويؤكد في هذا الصدد أن "هذه الزيارة لم تكن لتحدث لولا وجود تنسيق مع الدول العربية الأخرى"، وأضاف: "الإمارات تدرك تماماً دور سوريا في منظومة جامعة الدول العربية، وهي اليوم تريد ترتيب العلاقات بين سوريا وبقية الدول العربية، خاصةً وأن الإمارات تعلم أن الحرب لا يمكن أن تستمر، ولم تنتج أي شيء، ولم تحقق أهدافها بإسقاط الدولة السورية، وكسر جيشها، ومحاولة خلق نظام سياسي جديد مُلحق بالولايات المتحدة".

هل حملت زيارة آل نهيان شروطاً ما إلى بشار الأسد، خاصةً في ما يتعلق بملف الحرب في اليمن، وملف العلاقات مع إيران؟ أجاب مرعي: "لا أعتقد بأن الزيارة هي زيارة شروط حالياً، وإنما لتحسين العلاقات، خاصة في ما يخص الملف الاقتصادي".

ومن وجهة نظر لبنانية متابعة للملف السوري-الخليجي، قال الحقوقي والمستشار في العلاقات الدولية، الدكتور علي يحيى: "كانت هناك لقاءات سورية إماراتية عديدة على هامش المنتدى الدولي لأسبوع الطاقة الروسي، قبل شهر، ومعرض إكسبو دبي قبل أيام، لذا لا توجد مفاجآت في الموضوع".

"التبادل التجاري لم ينقطع بين البلدين، طوال فترة الحرب، وقد وصلت قيمته إلى 2.6 مليار دولار أميركي خلال العام الماضي، وهو ما أعطى بعداً متمايزاً للإمارات نحو سوريا، عن بعض محيطها الخليجي"

وأضاف: "التبادل التجاري لم ينقطع بين البلدين، طوال فترة الحرب، وقد وصلت قيمته إلى 2.6 مليار دولار أميركي خلال العام الماضي، وهو ما أعطى بعداً متمايزاً للإمارات نحو سوريا، عن بعض محيطها الخليجي، وهو التمايز الذي فرضه الصدام الإماراتي-التركي القطري بالدرجة الأساس"، ولفت إلى أن "العودة لن تكون مشروطةً سياسياً بتعديل علاقة دمشق بطهران، بل ستكون من بوابة الاقتصاد والاستثمار عند الشواطئ الشرقية للبحر المتوسط".

وبرأي يحيى، فإن "تصنيف الموقف الأمريكي، الذي وعلى الرغم من إعراب الخارجية الأميركية عن قلقها من الزيارة، إلا أن هذا التقارب سيُستثنى من قانون قيصر، كما استُثني خط الغاز والكهرباء من مصر والأردن، وهو ما يبدو أنه مقدمة لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية، قبيل قمة الجزائر المقبلة".

"تصنيف الموقف الأمريكي، الذي وعلى الرغم من إعراب الخارجية الأميركية عن قلقها من الزيارة، إلا أن هذا التقارب سيُستثنى من قانون قيصر، كما استُثني خط الغاز والكهرباء من مصر والأردن، وهو ما يبدو أنه مقدمة لعودة سوريا إلى جامعة الدول العربية"

من جهته، رأى المعارض السوري سمير نشار، أن "زيارة عبد الله بن زايد تشكّل محاولةً جديدة للتقارب والتطبيع مع نظام بشار الأسد، في ظل موقف إدارة بايدن من إيران. سابقاً، كانت هناك محاولات في ظل إدارة دونالد ترامب، لكنها جوبهت بفيتو على أي تقارب عربي، لا الإماراتي فحسب، مع الأسد، ليس فقط للجرائم التي ارتكبها في سوريا، وإنما أيضاً كونه إحدى أدوات إيران في المنطقة".

وأضاف: "بعد قدوم إدارة بايدن، وإعلانها أن خيارها مع إيران هو الدبلوماسية، أعادت الدول العربية، ومنها الأردن والإمارات، محاولات التطبيع، بذريعة إعادته إلى الصف العربي، والجامعة العربية، وإخراجه من الحضن الإيراني، ومحاولة تغيير سلوكه".

وبالنسبة إلى النقطة الأخيرة، قال النشار: "من غير الممكن للنظام تغيير سلوكه، لأنه بسبب ممارسة هذا السلوك في سوريا، والإقليم، استطاع الاستمرار أكثر من خمسين عاماً، وإن تغيير سلوكه قد يؤدي إلى تفكيكه تدريجياً، والنظام يدرك ذلك جيداً، وخير مؤشر على ذلك أنه خلال فترة الصراع على مدى عشر سنوات، لم يقدّم أي تنازل لقوى المعارضة، على الرغم من الضغوط الدولية والإقليمية كلها".

"لماذا يخرج النظام من الحضن الإيراني، وإيران هي أول من أوعزت إلى حزب الله بالتدخل لإنقاذه من السقوط أولاً، وعندما لم تستطع ميليشيات إيران، من حزب الله والعراق والحرس الثوري، إنقاذه، طلبت التدخل من روسيا عام 2015؟ والسؤال لماذا يخرج؟ مقابل التطبيع مع الدول العربية التي تآمرت لإسقاطه، ودعمت المعارضة ضده؟ أم لعودته إلى الجامعة العربية؟ أو مقابل المساعدات المالية، وهو يشعر بزهو الانتصار؟"، والكلام لنشار.

"إيران سوف تكون سعيدةً بعودة الأسد ونظامه إلى الحضن العربي لأنه سيكون صوتها في المحافل العربية، والمعبّر عن مواقفها ومصالحها في المنطقة، ولن يقدّم أي تنازل حقيقي للدول العربية، أو غيرها حتى"

وأضاف: "إيران سوف تكون سعيدةً بعودة بشار الأسد ونظامه إلى الحضن العربي، والجامعة العربية، لأنه سيكون صوتها في المحافل العربية، والمعبّر عن مواقفها ومصالحها في المنطقة، ولن يقدّم أي تنازل حقيقي للدول العربية، أو غيرها حتى".

وتابع: "الإمارات تتمتع بتأثير في المنطقة العربية، وفي علاقتها الدولية، أكثر من الأردن برأيي، وهي ذات قدرات وإمكانات مالية وسياسية غير متاحة للأردن، خاصةً أنها تقود التطبيع مع إسرائيل في هذه المرحلة، وهذا فتح لها آفاقاً في علاقاتها مع القوى الدولية، علماً أن الشيخ عبد الله بن زايد بعد مقابلته الأسد، غادر دمشق إلى الأردن للتنسيق".

وعن المقارنة بين موقف الخليج من لبنان مؤخراً جراء تصريح قرداحي، وبين سوريا حليفة إيران الأزلية، قال نشار: "ترجح برأيي لأهمية سوريا ونظامها في المنطقة بالنسبة إلى المشروع الإيراني فيها. سوريا دورها الإقليمي أهم من لبنان، وموقعها الجيو-سياسي أيضاً أهم من لبنان، وهي الرئة التي يتنفس منها حزب الله. للأسف اليوم لبنان مكسر عصا كما يقال باللبناني".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard