"الدبلوماسية الاقتصادية"… كورونا وبايدن يجبران الإمارات على تغيير سياستها الخارجية

الأربعاء 9 يونيو 202101:38 م

عقب عقد من الزمن حافظت الإمارات خلاله على مكانتها باعتبارها اللاعب الإقليمي الأكثر قوةً في المنطقة العربية، تتجه الإمارات اليوم إلى إعادة تعيين سياستها الخارجية متحولةً من دعم الصراعات المسلحة إلى بسط قوتها الاقتصادية الناعمة، وفق ما كشفته صحيفة "فايننشال تايمز".

في المقال الذي كتبه سيمون كير وأندرو إنغلاند، ونُشر مساء 8 حزيران/ يونيو، أوضحت الصحيفة أن البلد الخليجي لن يواصل سياسة توظيف ثروته البترودولارية وقوته العسكرية لدعم الحلفاء وإضعاف الأعداء.

وعددت ثلاثة عوامل وراء تغير السياسة الخارجية لأبوظبي: جائحة الفيروس التاجي التي ضربت اقتصادها الذي أكد ارتباطه بالتجارة العالمية، وصعود الرئيس الديمقراطي جو بايدن إلى الحكم في أمريكا، والتشويه الذي طال سمعتها بسبب تدخلاتها في بلدان العالم الأخرى في السنوات الأخيرة.

من التدخل القوي إلى "دبلوماسية الاقتصاد"

وذكر شخصان مطلعان على التحول الإستراتيجي في الإمارات لـ"فايننشال تايمز" أن البلد تحوّل تركيزه من التدخل القوي، بما في ذلك باستخدام القوة العسكرية، إلى "الدبلوماسية الاقتصادية".

تبعاً لذلك، يجري الحكم على الدبلوماسيين والسفارات الإماراتية حول العالم حالياً بناءً على قدراتهم على جذب الاستثمار إلى الدولة المعتمدة على النفط على نحو كبير.

قال مسؤول إماراتي رفيع للصحيفة في هذا الصدد: "فكرنا في الأفضل بالنسبة للإمارات. سيكون هناك تركيز أكبر بكثير على الاقتصاد".

أشارت المصادر نفسها إلى أن الإمارات أيضاً تعتزم انتهاج دور أكثر فاعلية في التوسط لحل النزاعات، بما في ذلك بين السودان وإثيوبيا، والهند وباكستان.

وتُعد هذه الإستراتيجية المعدلة تحولاً كبيراً لدولة برزت تحت حكم الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي والحاكم الفعلي للبلاد، باعتبارها القوة الأكثر صرامةً في العالم العربي عقب انتفاضات الربيع العربي عام 2011.

"نريد أن نكون أصدقاء مع الجميع"... الإمارات تضطر إلى تغيير سياستها الخارجية من النهج العدواني والتدخلات إلى "الدبلوماسية الاقتصادية"، وتنشد ود جميع الأطراف بما في ذلك تركيا وإيران

بعد تردد أصداء الثورات الشعبية في أنحاء الشرق الأوسط، سعت أبوظبي إلى فرض رؤيتها على المنطقة، مع اقتناع بن زايد بأن دولته يجب أن تملأ الفراغ الملحوظ من اللامبالاة الأمريكية، وأن تأخذ زمام المبادرة في منع صعود الحركات الإسلامية ومواجهة نفوذ إيران.

وأدى هذا النهج العدواني إلى نشر الإمارات آلاف الجنود في الحرب في اليمن حيث كانت الشريكة الرئيسية لحليفتها السعودية في تحالف عربي تدخل في الصراع منذ عام 2015 لمحاربة المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران.

كما كانت إحدى القوى الداعمة لزعيم الحرب الليبي خليفة حفتر. وعام 2017، شاركت في الحظر الإقليمي على قطر، إلى جانب السعودية ومصر والبحرين، واتهمت هذه الدول الدوحة بدعم الإسلاميين والقرب من إيران.

السياسة السابقة فشلت؟

وفي حين عززت التدخلات مكانة أبوظبي وتأثيرها، بما تجاوز ثقل الدولة الصغيرة الشريكة المهمة للغرب، لم تُفضِ أي من تدخلاتها إلى نجاح كبير بل على العكس ألحقت الضرر بسمعتها.

في اليمن، حازت أبوظبي استحسان واشنطن لحملتها ضد متشددي القاعدة. لكن تحالفها مع السعودية فشل في طرد الحوثيين حتى اضطرت إلى سحب معظم قواتها عام 2019 مع تصاعد التوترات الإقليمية مع إيران وتصاعد الانتقادات لحرب تسببت في كارثة إنسانية للشعب اليمني.

في ليبيا، تعرض حفتر لسلسلة من الهزائم العام الماضي بعد تدخل تركيا -الخصم اللدود للإمارات - عسكرياً لدعم خصومه، الحكومة الليبية المعترف بها من قبل الأمم المتحدة، وإنهاء الهجوم الذي استمر أكثر من عام ضد طرابلس.

ويزعم دبلوماسيون غربيون أن الإمارات سحبت أصولها العسكرية من ليبيا في الأشهر الأخيرة.

أما عن الخلاف مع قطر، فقد حذت أبوظبي حذو الرياض ورفعت الحظر عن قطر في كانون الثاني/ يناير الماضي.

وصرّح اميل الحكيم، خبير الشرق الأوسط في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية لـ"فايننشال تايمز" بأن الإمارات أدركت أنه "لا يوجد نصر صعب في أي مكان في الوقت الحالي"، معتبراً أنه كان منطقياً أن تركز قيادتها على التعافي الاقتصادي وتسعى للاستفادة من عالم ما بعد الوباء، كما كرر مسؤولون إماراتيون.

خلال العقد الفائت، اتسمت السياسة الخارجية لدولة #الإمارات بالتدخل القوي بما في ذلك التدخل العسكري في شؤون دول عديدة. عززت هذه التدخلات مكانة أبوظبي وتأثيرها، لكنها لم تُفضِ إلى نجاح كبير بل على العكس ألحقت الضرر بسمعتها

أضاف الحكيم: "لقد اختبروا الافتراض القائل إن القوة العسكرية يمكن أن تجلب عوائد صعبة، لكن اتضح أن الأمر ليس كذلك فعلياً، لذا فهم يتأقلمون"، خاتماً: "لا أحد يعرف ما إذا كان هناك تحول في عقلية القيادة. لكن ما تراه بوضوح هو تقليص الإمارات تدخلها العسكري، والتركيز على ما هو أكثر إستراتيجية من حيث أمنها الكلي وازدهارها".

أما إلهام فخرو، المحللة الخليجية في "كرايسس غروب"، فرأت أن الإمارات فطنت إلى أن المزاج في المنطقة قد تحول نحو الدبلوماسية مع انتخاب بايدن، معتبرةً أن الوقت قد حان للاستفادة من ذلك.

وقالت: "لا تريد الإمارات أن يُنظر إليها على أنها تتدخل علانية في النزاعات الإقليمية مثل تدخلها في ليبيا، أو تسلح الجهات المتحالفة معها. لكنني لا أعتقد أنها تبتعد عن نهجها الأكثر صدامية، هي فقط تريد أن تكون أكثر ذكاءً في ذلك، وهذا يعني توسيع جهودها في الدبلوماسية والوساطة أيضاً".

برغم ذلك، قال المسؤول الإماراتي للصحيفة إن الإمارات "فخورة" بـ"إنجازاتها" في اليمن، مستشهداً بما حققته من نجاحات ضد عناصر القاعدة ووقف تقدم الحوثيين في الجنوب. وتابع: "النهج العسكري لم نستخدمه كثيراً سابقاً. رأينا الآن مدى فعاليته، وأحياناً لا يكون كذلك. لقد فهمنا التكاليف والأشياء الخارجة عن سيطرتنا".

"أصدقاء مع الجميع"

بيّن شخص آخر مطلع على التحوّل للصحيفة أن الإمارات، بالإضافة إلى محادثات سرية مع إيران، أجرت أخيراً مناقشات للحد من التوترات مع تركيا. واستطرد: "نريد أن نكون أصدقاء مع الجميع، من إسرائيل إلى إيران".

ولفت المسؤول الإماراتي إلى أن السعودية تقود التواصل مع تركيا، متابعاً: "من جهتنا، ننتظر ما ستسفر عنه (الجهود السعودية)".

وكان وزير الخارجية التركي قد زار الرياض الشهر الماضي في إطار جهود حل الخلاف بين الرياض وأنقرة. وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي إنه يريد تعزيز علاقات تركيا مع مصر ودول الخليج.

في الأثناء، حذّر الحكيم من أن التحرك الواضح نحو خفض التصعيد في المنطقة "هش للغاية"، مذكراً بأن "كل المشكلات لا تزال قائمة، وكما رأينا حدود الإكراه في عهد ترامب، فإننا الآن سنواجه حدود الدبلوماسية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard