السياسيون ليسوا سوى بشر عاديين

الأحد 20 مارس 202209:48 ص

ما زال كثيرون يخلطون بين المفاهيم ويربطون فكرة الدولة بالأشخاص القابعين على رأس هرم السلطة، حتى أنهم يتصوّرون أن أموال خزينة الدولة هي أموال هؤلاء، وإنْ استخدموها يعتبرونهم وكأنهم ينفقون من مالهم الخاص.

من المهم ذكر أن الدول لا تمتلك مالاً وإنما مصدر أموال الحكومات يأتي من أموال الأفراد. وعندما يزداد ساكنو الدولة ثراءً يعني ذلك نمواً اقتصادياً وتصبح مدفوعات ضرائبهم أكبر فتزداد خزائن الدولة اكتنازاً. ومن المهم أيضاً ذكر أن زيادة ثروات الأفراد لا تعني أن يسرقوا أو ينهبوا ليزدادوا ثراءً بل أن ينتجوا ويشاركوا في المنظومة الاقتصادية بشكلٍ قانوني يحترم حقوق الملكية والتبادل التجاري الطوعي.

العلاقة بين النمو الاقتصادي والحرية

السعي إلى نمو اقتصادي مستمر ومستدام يُعتبر هدفاً نبيلاً ولكن هل تحقيقه ممكن دون التأكيد على حرية الأفراد؟

في الحقيقة، هذا ممكن ولكنه غير مستدام. لمناقشة ذلك، يمكننا الاعتماد على نموذج النمو الاقتصادي المسمى نموذج سولو-سوان Solow-Swan Model والذي طوّره الاقتصادي الأمريكي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد روبيرت سولو Robert Solow والاقتصادي الأسترالي تريفور سوان Trevor Swan.

في نموذجهما للنمو الاقتصادي نجد المعادلة التالية: Y = A Kα L1-α، وفيها تمثل Y مجموع الإنتاج وK الأصول الرأسمالية Capital Stock التي ترمز إلى مجموع المعامل والمعدات والآلات وغيرها من الأصول التي تساهم في الإنتاج ثم L وتمثل القوى العاملة البشرية ضمن الاقتصاد. لأسباب تبسيطية، لن نذكر تفاصيل أكثر من ذلك.

حسب تلك المعادلة، يمكن أن نستخلص بسهولة أنّ زيادة الأيدي العاملة والأصول الرأسمالية يمكنها أن تحقق نمواً اقتصادياً. ولكن هل هذا مستدام؟ في الواقع، تحتاج الأصول الرأسمالية إلى إصلاح أو تبديل، فكل آلة (أو مصنع) لديها مدة صلاحية زمنية، مع نهايتها يتوجب على أصحاب المعامل أن يقوموا بتبديلها من خلال شراء آلاتٍ جديدة.

ونصل إلى ما يُدعى بحالة الثبات Steady state حين يكون معدل إضافة الأصول الرأسمالية إلى الاقتصاد مساوياً لمعدل إهلاك وتلف الآلات القديمة. فعندها، لا يمكن للأصول الرأسمالية أن تحقق نمواً اقتصادياً جديداً وبالتالي الاعتماد على الأصول الرأسمالية غير كافٍ لتحقيق نموٍ اقتصادي مستدام.

والآن نصل إلى العامل الثالث في المعادلة، A، والذي يرمز إلى مدى كفاءة الإنتاج. على سبيل المثال، إذا استخدمنا الأرقام للتوضيح فممكن أن نُدخل 10 من الأصول الرأسمالية و10 من القوى العاملة في بلدين مختلفين ثم نجد أنه في أول بلد تحقق نمو اقتصادي بمقدار معيّن وفي البلد الثاني تحقق نمو اقتصادي أعلى. هذا يعني أن كفاءة الإنتاج في البلد الثاني أعلى من نظيرتها في البلد الأول. في أبحاثٍ لاحقة، لوحظ أن المتغير A والذي يسمى أيضاً Total Factor Productivity تزداد قيمته في الدول التي تتمتع بحرياتٍ اقتصادية أعلى.

كفاءة الإنتاج تزداد في الدول التي تتمتع بحرياتٍ اقتصادية أعلى... ففي جوٍّ من الحرية، يمتلك الأفراد المزيد من الفرص ليستثمروا وبالتالي تزداد دوافعهم لتحقيق الثروة والعمل من أجلها

ففي جوٍّ من الحرية، يمتلك الأفراد المزيد من الفرص ليستثمروا وبالتالي تزداد دوافعهم لتحقيق الثروة والعمل من أجلها. فالأسواق تكون في الغالب مفتوحة الأبواب أمام الجميع دون الحاجة للانضمام إلى مافيات السلطة وطبقة الأوليغارشيين، كما أنّ الحكومات لا تستطيع استغلال نفوذها لسرقة الأفراد والحجز على شركاتهم وأموالهم بشكلٍ يتجاوز الدساتير والقوانين لدوافع شخصية بحتة.

الرؤساء أشخاص عاديون ولكن...

الحكومات والرؤساء ليسوا سوى بشر عاديين وقد يكونون أغبياء أيضاً، إلّا أنّ اتخاذهم لقراراتٍ غبية تحدد مصير الملايين، على عكس الشركات الخاصة التي إذا اتخذت قراراتٍ خاطئة فمصيرها الشخصي سيتأثر دون إدخال مصائر الأفراد الآخرين في ذلك.

لو أنفقت الحكومات أموال الضرائب على مشاريع فاشلة اقتصادياً ثم احتاجت لتمويل شيءٍ ما من خلال رفع الضرائب، تنعكس قرارات الاستثمار السيئة على الجميع، فيضطرون مرغمين على دفع مزيدٍ من الضرائب بسبب شخصٍ غير كفوء يجلس على كرسيه السلطوي ويغامر بأموال خزينة الدولة، أو للدقة بأموال دافعي الضرائب.

الاقتصاديون النيو كلاسيكيون Neoclassical economists قدّموا أبحاثاً كثيرة في الاقتصاد السياسي ورفضوا فكرة تعظيم السلطة وأفرادها وقالوا إنه طالما كل فرد يمتلك دالّة رياضية تشير إلى منفعته Utility Function فكذلك السياسيون يمتلكون مثلها وأعمالهم لا تنبع من شعور الغيرية والإيثار بل من سعيهم لتحقيق مصالح ومكتسبات شخصية.

من الجيد أن يمتلك السياسي رغباتٍ بمنفعة شخصية إلّا أنّ غياب تأثير الناخبين على أحلامه الشخصية هو الخطر الأكبر عليهم، فالمصالح المتبادلة بين السياسيين والناخبين أمرٌ جيّد يُمثّل نوعاً من آلية المراقبة كي يبقى السياسيون ضمن الدستور ويقدموا خدماتٍ جيدة للسكان

أهم تلك العوامل المؤثرة في دالة المنفعة للسياسيين هي الأيديولوجيا، أي ما يمتلكونه من أفكار ومعتقدات يرغبون في تطبيقها في مجتمعهم، ثم يأتي عامل البحث عن السلطة، فبدون السلطة لا يمكن لهم أن يحققوا أحلامهم بتطبيق الأيديولوجيات التي يحبون، ثم هناك عامل آخر وهو الحياة المهنية والربح المادي فالسياسيون مثل باقي البشر يعملون بوظائفهم للحصول على منافع مادية ليشتروا ما يحبونه من مقتنياتٍ ويتمتعوا بحياةٍ مرفهة.

بالطبع، في ظل أنظمة ديمقراطية لا يمتلك السياسي قوة غير محدودة، فيضطر إلى عقد صفقات وتنازلات ليشكل تحالفات سياسية لتشكيل الحكومة، وهذا يضمن إلى حدٍ ما تنوع الآراء السياسية التي تصوغ سياسات الدولة. أما في الدول الديكتاتورية، فلا يحتاج السياسي إلى تقديم أي تنازلات أو اتفاقيات، ويجبِر الجميع بالعنف على آرائه وسياساته، دون النظر حتى إلى رغبات الناخبين الذين لا دور حقيقياً لهم في تهديد وجوده عبر الانتخابات.

كما أنه من الجدير بالذكر حقيقة أن معظم الدراسات القياسيةEmpirical research تُظهر أن الدول الديكتاتورية تقوم بدايةً على أساس الأيديولوجيا كأكبر عامل مؤثرٍ في منفعة الدكتاتور ثم مع الزمن يتهاوى أثر هذا العامل ليحل محله عامل المنفعة الشخصية وجمع المال.

كم من مرة سمعتم أن أحدهم يقدّم مكرمة وتشكرتموه ناسين أنها أموال دافعي الضرائب وليست أموالاً الخاصة؟

في الواقع، من الجيد أن يمتلك السياسي رغباتٍ بمنفعة شخصية إلّا أنّ غياب تأثير الناخبين على أحلامه الشخصية هو الخطر الأكبر عليهم، فالمصالح المتبادلة بين السياسيين والناخبين أمرٌ جيّد يُمثّل نوعاً من آلية المراقبة كي يبقى السياسيون ضمن الدستور ويقدموا خدماتٍ جيدة للسكان مقابل نيل رضاهم، بدلاً من قمعهم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard