هل لدينا موسيقى عربية؟

الأربعاء 23 مارس 202210:05 ص


شهدت بداية القرن العشرين تغييرات جذريةً على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وبطبيعة الحال ليس من الممكن أن يُستثنى الجانب الثقافي والموسيقى تحديداً، لأن الثقافة هي نتاج ظروف مادية، سابقةً كانت أم حاليةً، وتالياً فهي في حالة تغيير وصيرورة دائمة. كانت الموسيقى خلال الجزء الأكبر من التاريخ البشري تتنوّع وتختلف باختلاف الجغرافيا. وقد كان لكل شعب الموسيقى الخاصة به والتي تميزه عن غيره من الشعوب وتعكس الوعي العام وتتناول مسائل تعنيه.

الموسيقى العربية، كحال كل موسيقى الشعوب، لها خصوصيتها وميزاتها التي لا تنحصر في وجود ربع النوتة في المقامات المستعملة فحسب، وهو أمر موجود في أنواع موسيقية عدة لشعوب أخرى، مثل الموسيقى الهندية والإفريقية. بل تتميز الموسيقى العربية بشكل وتقسيم خاصَّين بها لا وجود لهما في الموسيقى الغربية، وهذا لا يعني بالضرورة التميز أو الرقي، بل الاختلاف والتنوع. لذا كان للأغنية العربية شكل خاص بها بالرغم من تنوع أصنافها من الموشحات والطقاطيق والقدود وغيرها، بحيث يتمتع كل منها بشكل (Form) خاص بالموسيقى العربية.

ولكن إذا قمنا اليوم بتتبّع الإنتاج الموسيقي في المنطقة، سنلاحظ أن ملامح الموسيقى تغيّرت بشكل ملحوظ عن شكلها السابق. ولا تأتي هذه الملاحظة من منطلق أخلاقوي يمجّد الموسيقى القديمة -وهو أمر يلجأ إليه العديد من الناس ليعبّروا عن عدم استمتاعهم بالموسيقى الحديثة، وهو ذوق مختلف لكنه لا يعبّر عن قيمة كانت تملكها الموسيقى ولم تعد تملكها- وما من نوستالجيا إلى ماضٍ وردي لم يكن موجوداً قط. وقد يكون مفاجأةً لحاملي راية الأصالة أن تغيّر ملامح الموسيقى الشرقية والعربية تحديداً ليس وليد اليوم، بل هو أمر بدأ يحصل في النصف الأول من القرن العشرين، وساهم فيه بعض الملحنين والفنانين الذين يُعدّون اليوم رموزاً تكاد تكون مقدسةً.

الموسيقى والتسجيلات الصوتية

بالطبع، لا يمكننا التكلم عن التغيير في ملامح الموسيقى الشرقية من دون الحديث عن التغييرات الموسيقية التي كانت تحدث في الغرب، وتحديداً في الولايات المتحدة الأمريكية. بدأت التسجيلات الصوتية في نهاية القرن التاسع عشر، وكانت لهذا الاكتشاف تبعات هائلة على الموسيقى في العالم، فقد كان من دون شك نقطة تحوّل في تاريخ الموسيقى، بحيث أنه مكّن من إنشاء قطاع جديد من الإنتاج الموسيقي، والذي بدأ جدياً في العقد الثاني من القرن العشرين.

ونشير هنا إلى دور رأس المال وتأثيره على الثقافة وخاصةً على الموسيقى. أي علينا أن نفهم كيف يرى هؤلاء المستثمرون من أصحاب رؤوس الأموال الموسيقى، إذ إنّ عملهم يعتمد على تمويل ما يأتي عليهم بمردود، ممّا يجعل من الموسيقى في هذا الواقع، سلعةً.

وقد تميّزت هذه المرحلة بوجود مستثمرين كثر في هذا القطاع. وبطبيعة الحال أصبح لدى هؤلاء تأثير كبير في توجيه الإنتاج الموسيقي كونهم يملكون رأس المال الذي يمكّنهم من القيام بذلك. ومن هنا بدأ التعامل مع الإنتاج الموسيقي كسلعة. فكما هو الحال في العديد من القطاعات الأخرى، يؤدّي تقدم تكنولوجي معيّن إلى نشوء قطاع جديد لم يكن موجوداً من قبل، ممّا يجذب المستثمرين إليه.

"بدأ استخدام العناصر الغربية في الموسيقى العربية مبكراً على يد أكبر الملحنين العرب، من أمثال محمد عبد الوهاب، وكمال الطويل، وبليغ حمدي وغيرهم من ألمع أسماء عالم التلحين"

ولكن لا يتوقف دور شركات الإنتاج الفني هنا، بل هي تقوم أيضاً بالتأثير على المادة الموسيقية التي يستهلكها الناس وتؤثر على الذوق العام. وإذا قمنا بتتبّع الإنتاج الموسيقي ونشوء مفهوم الـ"بوب" (Pop Music)، نرى بشكل واضح نشوء بنية موسيقية معيّنة للأغاني المنتَجة، وتيلورها، والتي تتوّجه إلى السوق العام (Pop Song Structure). وهذه البنية ليست ثابتةً، بل تغيّرت بشكل هائل منذ ذلك الوقت حتى الآن. وقد جاءت هذه البنية في الأساس من خليط بين عناصر موسيقى الفولكلور الأمريكي من الأصل الإفريقي، وهي خانة واسعة من الموسيقى تشمل الأسلوب التقليدي من البلوز، والروحانيات (Negro Spirituals)، وموسيقى الراغ تايم، وعناصر من الموسيقى الأوروبية التقليدية.

وقد كانت معظم الأغاني تُكتب لمسرحيات غنائية أو لأفلام غنائية. تعتمد هذه التركيبة على عناصر ثابتة يختلف شكلها من زمن إلى آخر، وهي تتبع تقسيماً معيّناً، يتألف من المقطع المتكرر في منتصف الأغنية أو الكور (Chorus)، ومقطع موجود في بداية الأغنية وهو لحن ثابت، ولكن تُغنّى معه كلمات مختلفة في كل مقطع ويُدعى الكوبليه (Verse). ويُسمّى هذا التقسيم  AABA Song form، إذ إن الكوبليه الأول يعاد مرتين في بداية الأغنية، ومن ثم يتمّ غناء الكورس لكي يعود المؤدي في النهاية إلى الكوبليه. ولا تقتصر التركيبة على كونها ترتيباً معيّناً فحسب، بل هناك عناصر أخرى تدخل التركيبة، مثل التوزيع الموسيقي المتكرر بنمط ثابت والتتابع التأليفي الثابت أيضاً في جزء كبير من الأغاني.

لا ندّعي أن هذا الشكل مبتدَع بالكامل من قبل شركات الإنتاج، فهو بالطبع مستلهَم من موسيقى كانت موجودةً قبله. ولكن أصبحت هذه البنية هي المسيطرة في العالم منذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، وبالطبع لا نستثني الموسيقى العربية من ذلك. وبطبيعة الحال، وكما أي منتج لسلعة أخرى، تشكل هذه البنية الموسيقية البنية الآمنة الثابتة التي ليس فيها أي مخاطرة، وهي معدّة للاستهلاك السريع.

فنلاحظ أن التركيز الأساسي في هذا المجال ليس على الألحان أو الكلمات حتى، بل على عملية الإنتاج نفسها وجودة الإنتاج. منذ ذلك الوقت، أصبحت الموسيقى سلعةً مهندسةً في استوديوهات ضخمة، تعتمد تركيبة آمنةً ومتكررةً. وقد وصل الأمر إلى أن يعاد استعمال ترتيب كوردات الأغاني نفسه مئات المرات في أغانٍ مختلفة، وقد لا يلاحظ المستمع/ ة أنه يستمع إلى الأغنية نفسها بإيقاع وكلام مختلفين.

العناصر الغربية في الموسيقى العربية

بدأ استخدام العناصر الغربية في الموسيقى العربية مبكراً على يد أكبر الملحنين العرب، من أمثال محمد عبد الوهاب، وكمال الطويل، وبليغ حمدي وغيرهم من ألمع أسماء عالم التلحين. وبدأت شركات الإنتاج العربية تستخدم التركيبة المستوردة من الغرب نفسها، وكما هي، وتسقطها في سياق الأغاني العربية. ولم يكن جميع الملحنين العرب من أنصار هذا التغيير الجذري في الموسيقى العربية، ويُذكر هنا سيد مكاوي ورياض السنباطي وحتى محمد الموجي إلى حدّ ما في بعض أغانيه.

فإذا سمعنا على سبيل المثال أغنيةً من أغاني عبد الحليم حافظ في أواخر خمسينيات القرن الماضي، والتي كانت تصدر على شكل أغاني أفلام غنائية (يا قلبي يا خالي، توبة، أول مرة، على قد الشوق، وغيرها)، نلاحظ -إذا غضضنا النظر عن استخدام الآلات الشرقية- أن التركيبة الثابتة في جزء كبير من هذه الأغاني هي ذاتها التركيبة المستخدمة من قبل شركات الإنتاج في الغرب. وإذا درسنا الألحان فمن الممكن أن تفسَّر كألحان غربية في كثير من هذه الأغاني.

"بتنا نفتقر إلى موسيقى حقيقية نابعة من الشارع واليومي، وهو ما قدّمته لنا أصناف عدة من الموسيقى العربية مثل موسيقى الراي والراب العربي، وتحديداً موسيقى الـ‘مهرجانات’ المصرية التي... تمتلك خاصية التعبير عن مزاج شعبي محلي"

أما الأخوان الرحباني فهما ينتميان إلى خانة خاصة بهما. ألحانهما التي غنتها فيروز، في غالبيتها ألحان غربية بحتة، وحتى الآلات المستخدمة كانت غربيةً في كثير من الأحيان. لعل هذا لا يكفينا للقيام باستنتاج، ولكن الأخوين الرحباني كانا من رواد استخدام التركيبة الغربية، متأثرين بالأغاني التي كانت تذاع عبر الإذاعة الفرنسية. وكان لهما الدور الأكبر في تعزيز استخدام هذه البنية المستوردة في الموسيقى العربية، إذ سعيا إلى خلق شكل جديد من الأغنية العربية، وهي الأغنية القصيرة سهلة الغناء والاستماع، وتلحّن كما لو أنها أغنية فرنسية أو أمريكية، وكثيراً ما تقتبس من ألحان غربية. ويمكننا القول إن المشروع الرحباني اعتمد على فكرة إنشاء "بوب" بكلمات عربية، من دون أن يعلما حينها ربّما، أن مشروعهما سيلقى نجاحاً واسعاً ويصبح هذا النمط هو المسيطر على الإنتاج الموسيقي في المنطقة.

يمكننا القول من دون شك، إنه لا توجد موسيقى عربية اليوم ما عدا بعض الاستثناءات. فكل ما يُنتَج عربياً اليوم هو الموسيقى نفسها المصنوعة من قبل شركات الإنتاج الغربية ولكن بكلمات عربية وببعض الآلات العربية، والتي يفتقر أكثرها إلى أي قيمة فنية. ودائماً ما يأتي النقد الموسيقي من منطلق نخبوي فارغ، فليس النقد المطروح أعلاه بهدف الدعوة إلى الرجوع إلى الأصل، لأنّنا نرى أن الاستلهام من الموسيقى الغربية أمر جميل إذا كان ينشأ ويتطور بشكل عضوي، بل هو نقض وتتبّع لعملية رسملة الموسيقى، وتحكّم رجال أعمال لا يهتمّون بالإنتاج الموسيقي بل المادي، بهدف تحقيق الربح السريع والمضمون.

وبتنا نفتقر إلى موسيقى حقيقية نابعة من الشارع واليومي، وهو ما قدّمته لنا أصناف عدة من الموسيقى العربية مثل موسيقى الراي والراب العربي، وتحديداً موسيقى الـ"مهرجانات" المصرية التي تقتبس كثيراً من الغرب، ولكنها تمتلك خاصية التعبير عن مزاج شعبي محلي، والتي شنّ عليها ديكتاتوريو الموسيقى من جميع الجهات حملةً شعواء، رامين تهم "الفن الهابط" عليها، ظنّاً منهم أن الموسيقى التي ينادون بها هي الموسيقى الحقيقية. ولكن أن نرى موسيقى نابعةً من عشوائيات مصر، موسيقى تعبّر عن المشكلات اليومية للشباب المصري المعدم والمهمش، فهو أمرٌ منعش أكثر بكثير من موسيقى فارغة مبتدَعة من قبل شركات الإنتاج.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard