في الذكرى الـ11 لانطلاق الثورة السورية... "ما لهذا خرجنا"

الجمعة 18 مارس 202210:19 ص

في كل عام، ومع اقتراب الذكرى السنوية لانطلاق الثورة السورية، يستعيد أبناء الثورة شيئاً من ذكرياتهم مع أصدقاء الدرب. اليوم، وبعد 11 عاماً من انطلاقتها يبدو المشهد مختلفاً تماماً، ليتحوّل التركيز على الواقع المغاير تماماً لما اعتقد السوريون أنهم ثاروا لتغييره.

"ما لهذا خرجنا بثورة"؛ عبارة أرفقها كثير من الناشطين على صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي مع مشاهد لممارسات يرون أنها "لا تليق بتضحيات الشعب ودماء الشهداء الذين منحوا مناطق المعارضة بعض الاستقلال بعيداً عن حكم نظام الرئيس السوري بشار الأسد".

العبارة أعلاه لم تقتصر على حدث معيّن، أو حادثة بعينها، بل ترافقت مع ما يتنافى مع تطلعات الثورة أو ما يُعدّ تجاوزاً بحق أبنائها، فقد أطلقها ناشطون بعد حادثة إطلاق النار من قبل حراس أحد المعابر على السيدة فاطمة الحميد، الأمر الذي أدى إلى إصابتها بجروح ثم وفاتها في وقت لاحق في شباط/ فبراير الماضي.

"ما لهذا خرجنا بثورة"؛ عبارة أرفقها كثير من الناشطين على صفحاتهم مع مشاهد لممارسات يرون أنها "لا تليق بتضحيات السوريين"

يقول محمد العمر (37 عاماً)، وهو ناشط ثوري من مدينة حماه، إن "الحرية التي ضحى الثوار من أجلها لا تتمثل في ظهور وليد العزي، وهو ابن أحد قادة فرقة السلطان مراد، في فيديوهات عدة تُظهر الترف والبذخ في حياته واستعمال السلاح للاستعراض".

وكان أبرز تلك الفيديوهات فيديو تداوله ناشطون نهاية شباط/ فبراير الماضي، يظهر فيه العزي على صهوة جواده برفقة سيارات عدة للحماية الشخصية، في الوقت الذي يبحث فيه مئات الأطفال في إدلب عما يمكن الاستفادة منه بين حاويات القمامة لبيعه وشراء ما يسد رمقهم.

يروي العمر، أن ما ثار من أجله السوريون لا يتفق مع الانتهاكات التي تتّبعها إحدى الجهات العسكرية بحق المدنيين، ويستشهد بحادثة مقتل تاجر السيارات عبد الرزاق طراد العبيد، ابن ريف حماه، الذي اعتقله الجهاز الأمني التابع لفيلق الشام (أحد الفصائل المسلحة)، من دون تبيان الأسباب، ثم "سلّمه جثةً هامدةً إلى أهله بعد أربعة وعشرين ساعةً من اعتقاله، وقد بدت علامات التعذيب واضحةً على جسده، ما أعاد إلى الأذهان صور المعتقلين الذين قضوا في سجون الأسد".

شعارات في مهب الريح

لم تعد شعارات الثورة الأولى تتصدر صفحات الناشطين وأحاديثهم العامة، كما كانت قبل سنوات، وبات ظهورها لا يتجاوز لافتةً مرفوعةً في مظاهرة، أو "بوستاً" عابراً على فيسبوك، إذ بات تحقيق "الشعارات" بعيد المنال، وأمست مصاعب الحياة اليومية والتحديات التي يفرضها الواقع الجديد أولى بالمتابعة.

يقول مصطفى المحسن (30 عاماً)، وهو شاب من جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي: "في نهاية 2011، هتفنا: ‘نحن ما نحتاج النيتو نحن نجيبو من نص بيتو’، واليوم صار همّنا الحصول على كيلوغرام واحد من السكر لنعود إلى المنزل بهيئة المنتصرين، فالأزمات الاقتصادية والتهجير والقصف الذي مارسه النظام وروسيا أجبر الشعب على البحث عن أول احتياجاته وهو الغذاء".

"في نهاية 2011، هتفنا: ‘نحن ما نحتاج النيتو نحن نجيبو من نص بيتو’، واليوم صار همّنا الحصول على كيلوغرام واحد من السكر لنعود إلى المنزل بهيئة المنتصرين

وتتحدث الإحصائيات الرسمية عن وجود أكثر من مليون نسمة ضمن الخيام في الشمال السوري، بالإضافة إلى وصول نسبة البطالة إلى 47%، كما يعيش 90% من الشعب السوري تحت خط الفقر حسب تقارير الأمم المتحدة، فضلاً عن نقص الخدمات الصحية والتعليمية، الأمر الذي أجبر الناس على تناسي المطالب الأولى للثورة، والسعي خلف لقمة العيش، حسب المحسن.

في بدايات الثورة، تصدّر شعار "الشعب السوري واحد"، كل المظاهرات السلمية، في رسالة كان يُراد منها مواجهة محاولات الأسد اللعب على وتر الطائفية لاستمالة الأقليات إليه، لكن هذا الشعار اختفى مع الوقت مع تحوّل المواجهة إلى ما يُشبه الحرب الأهلية.

التقسيم المستتر

يروي أحد الناشطين في شمال حلب، كيف تقسّمت مناطق المعارضة إلى دويلات يُسيطر عليها من يحمل السلاح وأصحاب السطوة: "ففي شمال حلب يسعى كل مجلس محلي إلى بسط سيطرته على كافة القطاعات الموجودة ضمن دائرته متفرداً بالقرار بعيداً عن الشعب ومصلحته، وفي إدلب تتفرد حكومة الإنقاذ في إدارة المنطقة والتحكم بمواردها، ووصل حال إدارات مناطق حلب إلى منع أصحاب السيارات التي تحمل لوحات إدلب من دخول مناطق حلب ومطالبتهم بتسجيل سياراتهم ضمن مناطق الأخيرة، وبقي القرار سارياً لمدة قبل أن يتم إلغاؤه نتيجة المطالب الشعبية".

في المقابل، يقول مصعب الأشقر (38 عاماً)، وهو ناشط ثوري من سهل الغاب في ريف حماه الغربي، إن "الواقع اليوم بعيد تماماً عن أهداف الثورة التي استمرت جليةً حتى 2015، نتيجة قضايا ومؤثرات خارجية عدة، والأهم الأخطاء الجسيمة التي ظهرت من طرف المعارضة خلال السنوات الأخيرة، كوجود أجسام سياسية عدة ضعيفة ومتفرقة لم تكن أهلاً لتصدّر المشهد الثوري".

وصل حال إدارات مناطق حلب إلى منع أصحاب السيارات التي تحمل لوحات إدلب من دخول مناطق حلب ومطالبتهم بتسجيل سياراتهم ضمن مناطق الأخيرة

ويشير إلى أنه على "الصعيد العسكري، انجرّ كثير من الفصائل نحو المناطقية وتمجيد القائد والعائلة مثل الأغاني التي كُتبت ولُحّنت لبعض قادة الجيش الوطني، فضلاً عن انتقال قادة فصائل كبيرة للعيش في تركيا وفتح مشاريع استثمارية بعد سلسلة التهجير التي طالت المناطق المناوئة لحكم الأسد".

والمتتبع للأحداث يمكنه ببساطة مشاهدة الأغاني التي كتبت ولُحّنت تمجيداً لقائد فرقة السلطان سليمان شاه، محمد الجاسم، وفي الإطار نفسه تحدثت تقارير إعلامية عن افتتاح استثمارات لقيادات من جيش الإسلام في تركيا بعد تهجير الأخير من غوطة دمشق.

يقول محمود سويد (45 عاماً)، وهو صحافي من مدينة كفرنبل في ريف إدلب الجنوبي، إن "انشغال الناس بالحياة اليومية وعدم ثقتهم بجدوى صوتهم، أفسحا المجال لضعاف النفوس للتسلق على الثورة، الأمر الذي أوصلنا إلى واقع بعيد كل البعد عن الآمال التي كنا ننشدها".

يُضيف: "خرجنا بهدف القضاء على الاستبداد والمحسوبية والعيش بكرامة، لكن تحول الاستبداد من شكل إلى آخر، إذ لم نشهد خلال سنوات الثورة وجود جسم إداري أو سياسي منتخب بطريقة ديمقراطية من الشعب، بدءاً بالمجلس الوطني مروراً بالائتلاف وانتهاءً بحكومات الأمر الواقع، وهو شكل من أشكال الاستبداد بالسلطة".

أهون الشرّين

يرى الناشط السياسي فهد القاضي (50 عاماً)، من مدينة حماه، أنه "من الطبيعي أن نرى تجاوزاتٍ إداريةً وقضائيةً في منطقة تفتقر إلى السلطة المركزية وتحكمها فصائل عسكرية عدة، وهذا الأمر لا يمكن ضبطه إلا عندما تستلم زمام الأمور إدارة مدنية منتخبة، كما أن الحالة الأمنية السيئة تفرض حضورها وتمنع وجود التنظيم الإداري الحقيقي نتيجة القصف المتكرر من قبل الطيران الروسي وقوات الأسد بالإضافة إلى الانتهاكات التي تنفّذها داعش وحزب العمال الكردستاني".

يقول سوريون إنهم خرجوا إلى المظاهرات بهدف القضاء على الاستبداد والمحسوبية والعيش بكرامة، لكن تحول الاستبداد من شكل إلى آخر

صحيح أن كثيرين من الناشطين ليسوا متفائلين بما ستؤول إليه الأمور، إلا أن غالبيتهم يتوقفون عند قدرة الناس في مناطق المعارضة على التعبير عن رأيهم بطريقة أفضل بكثير مما كان الواقع في مناطق النظام السوري.

ويؤدي الضغط الشعبي في تلك المناطق إلى تحقيق بعض المطالب التي ينادي بها الناس، فسبق وحصلت احتجاجات في مناطق عدة دفعت إداراتها إلى تغيير سياساتها والرضوخ للمطالب، مثل الاعتصامات التي نفّذها المعلمون في ريف حلب، والاحتجاجات التي نفّذها المدنيون نتيجة رفع أسعار الكهرباء، يضاف إليها انتقاد القادة المخطئين ووصول بعضهم إلى المحاكمة والعزل من مناصبهم كما حدث مع قيادة فرقة السلطان سليمان شاه والتي عُزلت مع قائدها محمد الجاسم عن المناصب. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard