امرأة من رعب مخفّف بالذكريات

السبت 19 مارس 202212:10 م

الخارج إلى الضوء



يغرسون أناملهم في لحوم الأطفال والنساء، ثم يبتلعونها، وأصوات الطقطقة تخرج من بين أسنانهم، وصحفي يلتقط صورة "سيلفي" بجوار جثة، وأنا في نظر أمي ضعيفة ومهتزة

في البدء، كانت طفولتي، وفي طفولتي كانت حكاية أمي عن الغوريلا، كانت الرعشة، والرعب

تغيبت زميلتي، صحفية متخصصة في قسم الجرائم، في الصحيفة التي أعمل بها، وطُلب مني تعويضها في تغطية أحداث جريمة كبرى.

كان الأمر عاجلاً.

تساءلتُ: كيف تنتقل صحفية القسم الثقافي إلى قسم الإجرام؟

هل يمكن أن أرفض؟

لا.

ما هي القصة؟ ما هو المطلوب؟

التقطي صوراً لجثة.

رعب على رعب.

الحكاية الأولى

رجل مجهول سقط من الطابق العاشر للمنزل، وأنا مُطالبة بالتقاط الصور. لا يمكنني القيام بذلك حتى مجازاً.

حملت آلة التصوير، وتوجهت إلى موقع الجريمة، حشود تتدافع من أجل رؤية الجثة التي سيجت بالمصورين والصحفيين/ ات.

من أين يستمدون هذه الشجاعة في التقاط صورة لجثة تغرق في الدم؟

رأيتُ من يلتقط صورة سيلفي مع الجثة.

يغرسون أناملهم في لحوم الأطفال والنساء، ثم يبتلعونها، وأصوات الطقطقة تخرج من بين أسنانهم، وصحفي يلتقط صورة "سيلفي" بجوار جثة، وأنا في نظر أمي ضعيفة ومهتزة... مجاز رصيف22

مجانين، بالنسبة لي خدعتُ رئيس التحرير، تحصلت على بعض المعلومات من المواطنين، وأوصيت أحد الزملاء بأن يكرمني بصورة التقطها، وعدتُ إلى المكتب متفاخرة، واهمة نفسي بشجاعة لم تحصل إلا خيالاً.

بعد هذه التجربة التي "لم أجرّبها"، مِلتُ للتركيز على نشاط زميلتي في قسم الإجرام، كيف تقوم بتغطية الحدث؟ كيف تصف جريمة القتل؟

لاحظتُ تجاعيد وجهها، كأنها تتحول إلى لغة تترجم شغفها.

أحياناً، أشعر وكأنها تصف أكلة لذيذة أو عفواً لوحة جميلة لن تقدر عليها ريشة بيكاسو. يصفق لها من حولها، يعتبرونها ذات شخصية قوية، مقارنة بشخصيتي التي تبدو لهم ضعيفة ومهتزة.

ضعيفة، ومهتزة. هذه هي صورتي أيضاً في عيون أفراد عائلتي حين نشاهد أفلام الرعب.

الحكاية الثانية

اندهشت والدتي، هذه هي المرة الأولى التي أطلب منها طهو الطعام دون لحم، ولا أيّ نوع من اللّحوم. بدا لها الأمر أشبه بمعجزة. أنا ابنتها وتعرفني.

عادة، لا أتلذّذ الطعام دون اللحم.

قلتُ لها كاذبة: صرتُ نباتيّة تضامناً مع الحيوانات. ماذا أقول غير كذبة؟ هل أخبرها مثلاً عن مشهد في فيلم رعب شاهدته آنذاك فعلق في ذهني، ودفعني إلى التقزز من اللحم؟

أمي وأعرفها. ستجيبني منتقية مفرداتها المعتادة، المشككة في شخصيتي، والصفة التي تتلذذ بمضغها عليّ أني ضعيفة، ومهتزة، ولا يمكن الاعتماد علي في أي شيء.

أمي، لا تعلم أيّ مشهد كان؟ لا يمكنها أن تتصوّر قدرة مخرج مثل عبد الحميد بوشناق في إخراج هذا الكم من الوحشية في طبق لحم.

أبطال المشهد يغرسون أناملهم، عفواً، أصابعهم في الطبق، ثم يبتلعون، وتسمع أصوات طقطقة بين أسنانهم، وكأنهم يقومون بكسر عظام أحدهم.

لم يمر وقت حتى التهموا ما على الطاولة من لحوم، والدم يتقاطر على أفواههم، كأني رأيت تلك الجملة التي نقولها دائماً:" الإنسان يأكل لحم أخيه" أو "الإنسان للإنسان ذئب".

كنت أرى هذه التعابير التي حفظناها عن ظهر قلب، مجسّدة في مشهد خرافي عن الوحشية.

كان ذلك المشهد من الفيلم التونسي "الدشرة" للمخرج عبد الحميد بوشناق، ورغم أن هذا العمل السينمائي اعتمد فقط على الطاقات البشرية، ومعقولية إمكاناتها، في ضمان كمية لا بأس بها من الرعب، دون التشديد على المؤثرات التقنية، ومبالغات الترهيب، رغم ذلك ارتعبت جداً.

لم يمر وقت حتى التهموا ما على الطاولة من لحوم، والدم يتقاطر على أفواههم، كأني رأيت تلك الجملة التي نقولها دائماً:" الإنسان يأكل لحم أخيه" أو "الإنسان للإنسان ذئب"... مجاز رصيف22

تدور أحداث الفيلم في غابة، داخل منزل مهجور، حيث تقطن عائلة غريبة الأطوار، يتّضح فيما بعد أّنها تتاجر بالأعضاء إلى أن تقرر صحفية القيام بعمل استقصائي، ومعها أصدقاؤها، يتبيّن فيما بعد أنّهم جزء من العصابة، وهنا تبدأ رحلة رعب، يُترجم في النظرات والسلوكيات المتوحّشة، وعلاقة هذه العائلة باللّحوم، فينشرون جلود خرفان كتمويه للدّم الذي يسيل يومياً من المنزل، وهو دم الأطفال والنّساء المذبوحة.

حين تضطرني الظروف إلى مشاهدة فيلم رعب، أستسلم، وأقي ذاتي في الآن نفسه، فأتابعه بعين مغمضة، وأصابعي الصغيرة محشوة داخل أذني. لا أرى ولا أسمع، لا أستطيع رؤية الدم والعنف عموماً.

حاولت يومها أن أفعل ذلك مع فيلم "الدّشرة"، ولكن ما اعتقدت أبداً أّنّ الرعب على طاولة العشاء كان كافياً.

من حين الى آخر، أسترق النظر لمن هم حولي بقاعة السينما، أتأمّلهم.

أدقق في تفاصيل وجوههم وهم يشاهدون هكذا فيلم.

تركيز تامّ، ومتعة غريبة، بالضبط مثلما يشاهدون جولة كرة قدم، بجانبي زوجان يتغازلان وهما يشاهدان هذا الكم من الرّعب، وآخر يأكل قطعة شوكولاتة، إلاّ أنا....

تدفقت سيل من الذكريات، يدعو بعضها بعضاً، كلمات لأبي القاسم الشابي يفسر لي كيف يميل الإنسان لإشباع الأساطير بالقصص المؤلمة، يتلذذ في البناء الدّرامي للمأساة.

وتذكرت حكاية، كانت تتلى كلماتها على أذني في الطفولة.

الحكاية الثالثة

"كان يا ما كان في قديم الزمان، بنت عمرها تقريباً ثماني سنوات، كانت مهذبة جداً، وتنتبه إلى نصائح والديها، وتطبّقها كما هي، وكانت لا تقول "لا" أبداً لأيّ طلب من أمّها أو أبيها. لماذا؟ لأنه ما رضاء الله إلاّ برضاء الوالدين".

"ولكن في يوم من الأيّام خرجت من المدرسة، وذهبت تلهو مع صديقاتها، وكانت تكرّر ذلك دائماً، إلى أن انتبهت والدتها، فانتظرت عودتها من المدرسة، وسألتها: "أين كنت؟"، فقالت البنت كاذبة: "كنت في المدرسة".

"لم تشأ الأمّ مواجهتها، ابنتها وتعرفها، تعرف الحقيقة، رافقتها في الغد، واكتشفت المكان الذي تهرب إليه ابنتها كل يوم".

"وفي الليل لما ذهبت هذه الطفلة، التي عصيت كلام عائلتها للنّوم، ظهرت لها في وسط الظلمة غوريلا، والتهمتها".

في البدء، كانت طفولتي، وفي طفولتي كانت حكاية أمي عن الغوريلا، كانت الرعشة، والرعب... مجاز في رصيف22

"وكانت تلك عاقبة الكذب".

سمعت هذه القصة وأنا في الخامسة من عمري، ولكن إلى اليوم لازلت غير قادرة على محو تبعاتها.

إن كان في بدء الخليقة الكلمة، ففي بداية حياتي ونشأتي تلك الحكاية.

صرت أخاف "الظلمة"، وبقيت لفترة طويلة لا أستطيع النوم إلاّ في الإنارة، تعبث الخيالات في منامي، والغوريلا رفيقة وفيّة لهذه الخيالات، مثلها مثل أرواح الأموات، أختبئ حين أعلم بأن أحد جيراننا قد توفيّ، اعتقدت أنه يتحول إلى روح شريرة تلتهم الأطفال.

وعندما تنقلنا بين الفصول الدراسية، تشاركت مع زملائي تلك القصص، كل واحدة وواحد منهم قصة مرعبة، استمتع أهلنا وهم يروونها لنا، مثل هؤلاء الذين التقطوا صورة "سيلفي" بجوار الجثة، والعشاق الذين يتغازلون في السينما أمام مشهد أكلة لحوم البشر.

وأنا في نظر من حولي، ضعيفة ومهتزة. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard