لم يقتلنا الرصاص الذي وُجِّه إلى صدورنا، قتلونا بطريقة أكثر بشاعة

الأربعاء 16 مارس 202202:49 م

كلّ ما سأكتبه في هذه العجالة هو محاولة لتوثيق مشاعري المتناقضة بعد مرور إحدى عشرة سنة على شعلة ثوراتنا العربية المُجهضة.

مجرد التفكير في أن كلّ هذه السنوات قد مرّت يجلب لي الشعور بالسخرية والألم في آن واحد. كيف لا وقد وصل بنا الحال إلى هنا في ظل تلك الأرواح المشتعلة بالأمل، والميادين المكتظّة، والحناجر التي كانت تصيح بصوت واحد. كيف لا وقد وصل بنا الحال إلى هذا الشعور البارد والقاسي من اليأس؟

لم يقتلنا الرصاص الذي وُجِّه إلى صدورنا في الميادين، ولم تقتلنا القذائف. قتلونا بطريقة أكثر بشاعة، وأكثر برودة. سرقوا منّا الأمل في كلّ شيء، في العودة لأولئك الذين رحلوا، وسرقوا الرغبة في البقاء من الذين لم يرحلوا بعد.

الآن، أصبح الرحيل خيارنا الوحيد. سرقوا الأمل في اللقاء وفي خروج المعتقلين المغيّبين قسراً. سرقوا الأمل في أن تكون لنا أوطان لا نريد هجرانها، أوطان نمتلكها حقاً، تتسع لنا ولأحلامنا.

لم يقتلنا الرصاص الذي وُجِّه إلى صدورنا في الميادين، ولم تقتلنا القذائف. قتلونا بطريقة أكثر بشاعة، وأكثر برودة. سرقوا منّا الأمل في كلّ شيء، في العودة لأولئك الذين رحلوا، وسرقوا الرغبة في البقاء من الذين لم يرحلوا بعد

سرقوا منّا كلَّ شيء

أطالعُ الأخبار في الصباح، وأعترف أحياناً بأنّي أصبحت أفضّل ألّا أعرف أي شيء. لقد حوّلوني إلى جبانة تتحاشى قراءة الأخبار حتّى تخدع نفسها بفكرة أنّ العالم لا يزال بخير.

هل يتوقف الأطفال عن الموت برداً في المخيم إن تحاشيتُ التطرق إلى الموضوع؟ هل يتوقف المعتقلون عن الموت في السجون؟ ألن تُقصف اليمن مجدداً؟ هل يتوقف الجلّادون عن العبث بنا إن أغمضتُ عينيّ؟

هل يتوقف الأطفال عن الموت برداً في المخيم إن تحاشيتُ التطرق إلى الموضوع؟ 

أظنّ أنهم حوّلوني إلى أنانيّة تفضّل سلامها الداخلي على أن تقرأ عمّا يحدث حولها. أعلمُ أنّ أقلّ ما يمكن أن نقدمه لأنفسنا ولأولئك الذين ضحّوا من أجلنا هو أن نتذكّر، دون أنْ نيأس، أو أنْ نسكت، ولكنّي اليوم أجد نفسي غير قادرة على تجديد شعوري بالأمل، وكأنّي أشعر بالعجز.

أفكاري مبعثرة ولا نيّة لي بترتيبها، فلتكن كما هي. إنّ الوضع السريالي - القمعيّ - الذي نعيشه كفيل بأن يقودنا نحو الجنون. إنه تأثير يناير/ كانون الثاني، إذ يأتي هذا الشهر مرّة كل سنة ليذكرنا كيف بدأت الثورات العربية كلّها. وكيف تجرّأنا حينذاك على أن نحلم، وتجرّأنا على الكرامة. وفي ذلك الحين شعرنا بأنّنا نمتلك أوطاناً.

أتعرفين ما هو الوطن يا صفيّة؟ الوطن هو ألّا يحدث ذلك كلّه.

الوطن هو ألّا نضطر لأنْ نخرس لنعيش، ليس بعد أن جرّبنا ماذا يعني أن نتكلّم دون قيود. الوطن هو ألّا نستيقظ كلّ يوم خائفين من ترحيلنا إلى أوطاننا. يا لسخرية القدر! أوطاننا، التي كنّا قبل عشر سنوات نرفع أعلامها في الميادين وحناجرنا تنشد اسمها، أصبحت اليوم أكثر ما نخشاه. الوطن هو ألّا نشعر كلّ يوم بأنّه ما باليد حيلة، بأنّنا عاجزون، وبأنّنا محاطون بالخراب والأسى، وبأنّ لا حل أمامنا إلا أن نتعايش مع الوضع الراهن.

بعد إحدى عشرة سنة، أعترف بأنّ تلك الفتاة التي كانت تشع بالأمل يوماً ما، والتي آمنت بتغيير العالم، باتت تائهة وعاجزة حتى عن تغيير نفسها.

لقد خلقت ثوراتنا فينا تمرّداً لم يُخمد إلى الآن، وهذا أكثر ما يستفزّهم. ولأنّه كما يعود طائر الفينيق للحياة من رماده، يعلم جلاّدونا أنّنا سنعود يوماً ما لنكون أسوأ كوابيسهم.

لقد خلقت ثوراتنا فينا تمرّداً لم يُخمد إلى الآن، وهذا أكثر ما يستفزّهم. ولأنّه كما يعود طائر الفينيق للحياة من رماده، يعلم جلاّدونا أنّنا سنعود يوماً ما لنكون أسوأ كوابيسهم

يعلمون كما نعلم نحن أنّ الألم والإحباط اللذين أشعر بهما ويشعر بهما الكثير من أبناء جيلي، ماضيان وزائلان، وأنّ الطوفان قادم لا محالة، وأنّ خلف هذه العيون اليائسة أرواحاً تشتعل غضباً. يعملون جيداً أنّنا ننتظر اليوم الذي سننتصر فيه لشهدائنا، ولأوطاننا، ولأنفسنا. سننتقم لكلّ مشاعر الأسى واليأس التي تطاردنا، وسننتصر لكلّ طفل لم يعرف بيتاً غير خيمة، ولكلّ كوابيس القصف ورائحة الموت التي لا تزال تطاردنا.

ولكنّي اليوم بالذات اخترتُ أن أُظهر مشاعر الضعف التي تجتاحني، حتى أعود للمقاومة غداً.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard