الإعلام السوري في "المناطق المحرّرة"... "مملكة الصمت" مع قليل من الاستثناءات

الثلاثاء 15 مارس 202206:08 م

"مملكة الصمت" أحد أشهر الألقاب التي اكتسبتها سوريا طوال عقود من حكم عائلة الأسد، وهو وصف يدل على السيطرة المطلقة للنظام السوري والفروع الأمنية على وسائل الإعلام، والمعلومات التي تصل إلى المجتمع، سواء عبر الصحف ووسائل الإعلام الحكومية قبل عام 2000، أو بعد صدور بعض الصحف والمجلات الخاصة بعد وصول بشار الأسد إلى كرسي الحكم في العام نفسه.

اندلعت المظاهرات الشعبية التي طالبت برحيل الأسد في آذار/ مارس من عام 2011، وكان من الطبيعي في ظل انتشار التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي أن يجد السوريون منفذاً آخر لرواية حكايتهم من وجهة نظرهم في مقابل رواية الأسد، عبر صفحات محلية في المناطق السورية، مهمتها نشر الأخبار والتسجيلات المصورة، والتي اكتسبت أهميتها مع إغلاق النظام السوري لكافة مكاتب وسائل الإعلام الأجنبية والعربية العاملة في البلاد، وهو ما فرض مدارس جديدةً في الإعلام باتت تُدرَّس في كبريات الصحف ومحطات التلفزة والجامعات.

في ظل انتشار التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي أن يجد السوريون منفذاً آخر لرواية حكايتهم من وجهة نظرهم في مقابل رواية الأسد

سرعان ما ظهر في سوريا ما أُطلق عليه "الإعلام البديل"، وظهرت مئات المجلات والصحف ومحطات الراديو، سواء داخل سوريا أو خارجها. ومع خروج مناطق واسعة من سوريا عن سيطرة النظام، باتت هناك سلطات أخرى تُسيّر الأمور اليومية لهذه المناطق، ووجد الإعلاميون والمواطنون الصحافيون فرصةً ذهبيةً للحديث بحرّية عن انتهاكات النظام والأمور اليومية للناس ومشكلات المجالس المحلية وخلافات الفصائل ومعاركها بين بعضها البعض.

إلا أن واقع العمل الإعلامي في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، أو ما يُعرف بـ"المناطق المحرّرة"، ليس في أفضل حالاته، وبعد 11 عاماً من انطلاق هذه المظاهرات، ومع كل التغييرات التي يشهدها المجتمع السوري، سواء نحو الأفضل أو الأسوأ، ما يزال العمل الصحافي في سوريا يشكل خطراً على العاملين فيه، سواء في مناطق سيطرة النظام أو خارجها.

حرية ولكن

"اعتُقلت ليوم كامل ثم أُطلق سراحي لعدم وجود تهمة وحُجزت معدّاتي ثلاثة أيام، وفي المرة الثانية تعرضت لمحاولة خطف بعد نشري تحقيقاً استقصائياً عن عمليات التهريب، وفي الثالثة اعتُقلت لساعتين في أثناء تغطيتي لاعتصام سائقي الشاحنات".

ثلاثة انتهاكات تعرّض لها الصحافي مالك أبو عبيدة، في أثناء تأدية عمله الصحافي في ريف حلب (شمال سوريا)، وهذه الانتهاكات جزء من انتهاكات كثيرة طالت الإعلاميين العاملين في تلك المناطق، وتشي بغياب الحرية اللازمة للعمل الصحافي.

يقول أبو عبيدة، لرصيف22، إن "السلطات المحلية لا تعطي الحرية للصحافيين بشكل كامل، إلا أن الأمر يختلف في الأساس من منطقة إلى أخرى، فهامش الحرية في مدينة الباب أكبر من الهامش في إعزاز بفارق بسيط، بينما العمل في عفرين صعب جداً".

في المناطق الخارجة عن سيطرة الأسد، حرية الإعلام مرتبطة بما يتناوله الصحافي الذي بإمكانه أن يحكي عن مآسي الناس ولكنّه ممنوع من انتقاد فصيل أو فتح ملفات فساد، وأليس هذا ما عانى منه السوريون مع البعث؟

وجميع هذه المناطق يسيطر عليها "الجيش الوطني" المدعوم من تركيا، ويُطلق على هذه المناطق "درع الفرات" و"غصن الزيتون"، نسبةً إلى أسماء العمليات العسكرية التي أدت إلى سيطرة الجيش التركي ثم الفصائل عليها.

يشير أبو عبيدة إلى أن الموضوع الذي يعمل عليه الصحافي يلعب دوراً في مدى الحرية التي سيحصل عليها، فالمواضيع الإغاثية والخدمية والإنسانية تتيح حريةً مطلقةً، لكن الحديث عن عمليات الفساد أو الحريات والإخفاء القسري والاعتقالات، حديث حساس ولا يمكن الاقتراب منه بسهولة، كذلك الأمر في ما يخص الأمور السياسية في هذه المناطق، فلا يمكن الحديث عن فعل ما نفذه فصيل عسكري أو عن فساد قائد فصيل".

وأصدر "المركز السوري للحريات الصحافية"، التابع لرابطة الصحافيين السوريين، تقريراً في 15 من آذار/ مارس الحالي، وثّق فيه 68 انتهاكاً بحق الصحافيين السوريين، منها ستة انتهاكات في محافظة حلب، وسبعة انتهاكات في محافظة إدلب.

الأوضاع الصعبة لعمل الصحافيين في ريف حلب لا يعني أن الصحافيين السوريين العاملين في بقية المناطق السورية في أوضاع أفضل، إذ إن فروقات التعامل معهم من قبل السلطات المحلية تلعب دوراً أيضاً، وعليه لا يمكن المقارنة بين أوضاع الصحافيين في شرق الفرات (مناطق الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية والتي شهدت انتهاكات كبيرةً في حق الصحافيين ووسائل الإعلام خلال الشهور الماضية)، وبين أوضاعهم في مناطق درع الفرات أو مناطق سيطرة نظام الأسد.

إدلب... الواقع سيء

لا تقتصر الانتهاكات في حق الصحافيين على المناطق الواقعة تحت سيطرة "الجيش الوطني" والحكومة المؤقتة. الأمر يمتد إلى محافظة إدلب (شمال غرب سوريا)، والتي عانى الصحافيون فيها من انتهاكات على يد أطراف مختلفة.

يروي الصحافي سعيد محمد، عن تعرضه للاعتقال وسرقة المعدات من قبل تنظيم "داعش"، ثم تعرضه لمشكلات من قبل الشرطة في الفترة الحالية (تسيطر هيئة تحرير الشام على المحافظة)، في أثناء تصويره في ساحة إدلب، قبل أن يُحل الإشكال لاحقاً.

يروي الكثير من الصحافيين عن تعرضهم لاعتقال أو حجز معدّات من قبل سلطات الأمر الواقع في مناطق تواجدهم

وعلى غرار حلب، فإن السلطات القائمة هناك لا تعطي الحرية الكاملة للصحافيين. وفق محمد، فإن مساحة الحرية لدى هذه السلطات أكبر من مساحة الحرية الممنوحة في مناطق الأسد ولو بنسبة بسيطة، إلا أن هناك في المقابل تقييداً لعمل الصحافيين. يقول: "حتى الآن لا يوجد قانون إعلام لتوضيح حقوق الصحافيين وواجباتهم، في بعض الممارسات وفي مواقف محددة. نعم هناك تشابه مع نظام الأسد ولكن في محاور أخرى هناك مساحة صغيرة للإعلاميين".

وحسب رأي محمد، فإن حرية الصحافي تُخوله على الأقل ألا يتعرض للمضايقة أو المساءلة عند انتقاده السلطة القائمة أو فصيلاً عسكرياً معيّناً وهذا الأمر ليس موجوداً.

من جهته، يقول الكاتب الصحافي فايز الدغيم، لرصيف22، إن "مديرية الإعلام في حكومة الإنقاذ أصدرت قوانين تناقض بعضها، مع استخدامها مصطلحاتٍ فضفاضةً"، متسائلاً: "كيف يمكنني الحصول على دليل حول فساد المعابر وأنا ممنوع من التصوير هناك؟"، مشيراً إلى وجود محرمات لدى حكومة الإنقاذ لا يمكن الاقتراب منها، وهو الحال نفسه في مناطق ريف حلب، وفي شرق الفرات الذي شهد العديد من الانتهاكات في حق الصحافيين.

وسبق للدغيم أن تعرض للمنع في أثناء تأدية عمله الصحافي، مع الإهانة والإيذاء اللفظي والطرد من موقعين للتصوير، واحدة كانت من قبل شخص أمني تابع لهيئة تحرير الشام، والثانية من قبل مسؤول دائرة تابع لحكومة الإنقاذ، وفي المرتين لم يحصل على أي حقوق.

بالرغم من كل الانتهاكات الموثقة من قبل منظمات دولية وسورية معنية بالشأن الإعلامي السوري، والحكايات التي رواها الصحافيون لرصيف22، إلا أنهم يتقاطعون في حديثهم حول المقارنة بين وضع الصحافيين والحريات في مناطق نظام الأسد، والمناطق الخارجة عن سيطرته، إذ يرون أنه "لا توجد مقارنة، ولا يوجد أسوأ من نظام الأسد في ما يخص الحريات الصحافية".

وفي حين يرى الدغيم أن نظام الأسد هو المصدر الأول للإجرام في حق الصحافيين، وهو رأي سعيد محمد، يؤكد مالك أبو عبيدة الأمر نفسه، ويشير إلى أن ممارسات النظام السوري لا تُقارَن بأي منطقة أخرى داخل سوريا، وأن هناك فرقاً كبيراً بين الحريات في زمن الأسد وبعد خروج المناطق عن سيطرته.

ويضيف أبو عبيدة: "نعم هناك مشكلات وتضييقات وانتهاكات، ومنها حوادث فردية من قبل عناصر أمنية على الحواجز يملكون عقلية البعث، وكذلك توجيهات من قيادات ما تزال تفكر بطريقة "الإعلام إما معي أو ضدي".

تطوّر الإعلام "البديل"

بعد 11 عاماً من بدء الثورة، يُطرح السؤال حول مدى التطور الذي حققته الصحافة في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام؟ قد لا يبدو السؤال في ظاهره منطقياً وسط الظروف الأمنية والعسكرية والسياسية التي تعيشها منطقتا ريف حلب وإدلب، وغياب الاستقرار الاقتصادي والمجتمعي الضروريين بطبيعة الحال لوجود صحافة مهنية، وتحديداً بسبب السلطات القائمة هناك التي يمكن تسميتها بسلطات الأمر الواقع، والتي أفرزتها ظروف عسكرية وسياسية ولم تصل بطريقة ديمقراطية أو عبر صناديق الاقتراع.

نعم هناك مشكلات وتضييقات وانتهاكات، ومنها حوادث فردية من قبل عناصر أمنية على الحواجز يملكون عقلية البعث، وكذلك توجيهات من قيادات ما تزال تفكر بطريقة "الإعلام إما معي أو ضدي"

وفي المقابل، ومع خروج هذه المناطق عن سيطرة النظام، كان من المفترض ظهور هامش حريات أكبر لدى الصحافيين، وهو ما يساهم في تأسيس صحافة سورية أفضل مما كانت عليه في أثناء عهد النظام.

في هذا الصدد، يقول الصحافي السوري، ورئيس تحرير موقع "سيريا نيوز"، نضال معلوف، لرصيف22، إن "السلطات الحالية المسيطرة في تلك المناطق، هي سلطات أمر واقع، ولا تمثل إرادة الناس الذين لا يملكون حالياً طريقةً للتغيير والمحاسبة، وهو ما ينعكس على الصحافة"، مشيراً إلى أنه "من البديهي عند وجود انتهاكات أن ينعكس التأثير على الصحافة بشكل بنيوي، وتصبح هناك شكوك حول طريقة تعامل الأجيال الجديدة العاملة في الإعلام لخدمة الجمهور بشكل صحيح".

من البديهي عند وجود انتهاكات أن ينعكس التأثير على الصحافة بشكل بنيوي، وتصبح هناك شكوك حول طريقة تعامل الأجيال الجديدة العاملة في الإعلام

ويطرح الوضع القائم بدوره سؤالاً أساسياً حول مدى نجاح الإعلام بعد الثورة السورية في تقديم صورة مختلفة عن الصحافة السورية، إذ يرى الصحافي السوري عُبادة كوجان، أن "وسائل الإعلام نجحت وبشدة في هذا المجال على الرغم من تفاوت عملها بين منطقة وأخرى، إلا أن وسائل الإعلام البديلة حققت بديلاً حقيقياً عن صوت النظام"، مشيراً إلى وجود ما وصفه بالتعطش إلى إعلام مختلف.

لكن هذا لا يعني وفق عبادة أن السلطات المحلية في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تُعطي الحرية الكاملة لعمل الصحافيين، لكنها لا تُقارَن على الإطلاق بمناطق نظام الأسد، الذي يسيطر بشكل كامل على الإعلام.

في المقابل، يرى نضال معلوف الأمر من زاوية أخرى، فـ"النظام السوري يسعى إلى إظهار آثار العقوبات والوضع المعيشي البائس للتأثير على جمهوره، لكن في المناطق الأخرى لا توجد متابعة حقيقية للوضع المعيشي والمعاناة، فماذا إذا تحدثنا عن الفساد والقمع؟".

يضيف: "وعليه، يتحول العمل الصحافي إلى عمل تكسّب، فهناك أشخاص يعملون بشكل مهني وهناك في المقابل أشخاص يعملون في الصحافة وكأنهم يعملون في البعث أو الثورة (صحف حكومية سورية)، وتالياً لا يمكنهم أن يكونوا مهنيين أو أن يخدموا وظيفة الصحافة الأساسية ضمن الحدود الضيقة المتاحة لهم".

ويرى معلوف أنه إن كان الحديث يدور عن الصحافة في داخل المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، فهي بالتأكيد لم تقدّم بديلاً، ولكن في المقابل هناك وسائل إعلام خارج سوريا تتّبع معايير مهنيةً وموضوعيةً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard