الروائية المصريّة نهلة كرم... الكتابة منحتني شجاعة لم أكن أتخيلها

الثلاثاء 22 مارس 202202:08 م

نهلة كرم؛ كاتبة مصرية من مواليد القاهرة 1989م، درست الإعلام واشتغلت بالصحافة، كتبت الرواية والقصة القصيرة، صدر لها مجموعتان قصصيتان "أن تكون معلقًا في الهواء" و"الموت يريد أن أقبل اعتذاره"، وثلاث روايات "على فراش فرويد" و"المقاعد الخلفية" وحديثاً "خدعة الفلامنجو"، حصلت على المركز الثاني لجائزة ساويرس في دورتها الخامسة عشر عن رواية "المقاعد الخلفية".

نضطر كصحفيين إلى المقدمة التقليديّة السابقة حين الحديث عن روائي أو روائيّة، في محاولة لتأطير المُبدع ضمن ما أنتجه فقط، دون إحالة إلى ما هو خارج تجربته، أو إلى علاقتنا معه كقراء، لذا أجري هذا للقاء مستخدمة ضمير "الأنا"،  إذ أخذتني نهلة كرم برواياتها منذ أن قرأت "على فراش فرويد" ، بعدها، تابعت ما تكتب نهلة كرم بشغف لسنوات، واليوم  سنحت (لي) الفرصة لألتقيها  كي نتناقش حول أعمالها، ونتكلم أكثر عن روايتها الأخيرة "خدعة الفلامنجو".

أعجبت بفقرة المصادر في نهاية روايتك الأخيرة "خدعة الفلامنجو"، والمدهش أن أغلبها يعود للكاتب محمد المخزنجي، ذكرني هذا بحديثه عن "الثقافة الثالثة" التي توصف   بنقطة تلاقي بين ثقافة العلوم الإنسانية وثقافة العلوم الطبيعية، ما رأيك في هذا الاتجاه من الكتابة؟ وكيف تصفين علاقته مع تجربتك الأخيرة؟ كيف تبلورت أمامك فكرة الربط بين عالم الإنسان وعالم الحيوان؟

أنا في العموم، ومنذ روايتي الأولى "على فراش فرويد"، أحب مزج العلوم بالكتابة الأدبية، وأرى أن أي كاتب يحتاج إلى القراءة في مختلف المجالات، بما في ذلك العلوم الإنسانية والطبيعية، لأنها تفتح طرقاً كثيرة أمام الكتابة، فأغلب الأفكار التي جاءتني لم تأتني وأنا أقرأ نصاً أدبياً، لكنها جاءتني وأنا أقرأ مجلة "ناشيونال جيوغرافيك" أو كتاب علم نفس. المجالات العلمية تنير الدماغ بشكل كبير.

وبالنسبة لرواية "خدعة الفلامنجو"، فقد جاءتني فكرتها منذ سنوات،  أردت الكتابة عن تجربة فتاة تخرج مدمرة تماماً من علاقة سامة، لكن ليس بطريقة تقليدية، أردت الحكي بشكل مختلف. كانت فكرة الرواية في البداية تدور حول تغير نظرة الراوية للشخص السام الذي كان في حياتها، بحيث تراه في البداية كائناً ضخماً (فكرت أن يكون ديناصوراً)، حتى تصل إلى مرحلة التعافي وتراه كائناً صغيراً جداً (فكرت وقتها أن يتحول إلى نملة)، وخلال مرحلة التعافي والكتابة تمر بأغلب الحيوانات بمختلف أحجامها، كانت هذه هي الفكرة العامة، لكن لم يكن لدي أي فكرة عن كيفية تنفيذها.

تركت الفكرة خلفي عدة مرات، وكنت أعود من وقت لآخر للتفكير في بدء كتابتها ثم أتراجع، حتى حكى لي صديق عن شعوره بالوجع وعدم الثقة في نفسه بعد خروجه من علاقة سامة، أفقدته ثقته وإيمانه بنفسه تجاه أبسط الأشياء، حينها عاودتني الفكرة لأني شعرت بأهميتها، وأهمية أن يقرأ الأشخاص الذين يخرجون من علاقة سامة عن آخرين مروا بتجربة مشابهة، ويشعرون بنفس المشاعر السيئة.

تركت الكسل وقتها وبدأت مرحلة التحضير، وكانت مقالات الكاتب محمد المخزنجي والمصادر الأجنبية التي يستعين بها نقطة الانطلاق في رحلتي مع رواية "خدعة الفلامنجو"، فبدأت أقرأ بشكل عشوائي كل مقالاته، وأفتح المصادر التي يذكرها، وبدأت تفاصيل معينة تعلق في دماغي أثناء القراءة، وكنت أدون ملاحظات بشأنها، أكتب مثلاً (الأسد يفعل ذلك مثلما كان يفعل معها هذا الشخص في هذا الموقف) وهكذا، بدأت الرواية تتشكل.

نهلة كرم : الكتابة نافذة أوظفها  لأتحدث عن  أشياء كثيرة بداخلي تراكمت لسنوات، أشياء اكتشفت بعد النشر ومن ردود أفعال القراء أنها بداخل أخريات وآخرين غيري أيضاً ، وهذا في حد ذاته دافع كبير لإكمال الرحلة والاستمتاع بها

كم استغرقتك كتابة "خدعة الفلامينجو"؟

استغرقت الرواية نحو 5 شهور لكتابتها، كما أخبرتك، بدأت القراءة بشكل عشوائي تماماً عن الحيوانات، وكثيراً ما كنت أكتب أحداثاً لا أعرف كيف سأربطها بعالم الحيوان، وأحياناً كنت أجد تصرفاً في عالم الحيوان ينير برأسي الفكرة التي سأربطه بها، مثلما حدث مع حكاية طائر الوقواق، الذي يزيح كل البيض من العش من حوله بمجرد أن يخرج من البيضة لينعم هو وحده بالرعاية. أنار سلوكه هذا برأسي تفصيلة محاولته تفريغ حياتها من أي شخص وشيء غيره، وأحياناً  كنت أقرأ عن شيء وأنساه وأعود للبحث عنه، وأفكر كيف سأربطه بالموقف الذي أريد كتابته.

 كانت عملية الكتابة شاقة للغاية، لاعتبارات كثيرة، من بينها كيفية اختيار الحيوانات المناسبة من الأساس، وبدء رحلة الكتابة قبل حتى أن تتشكل الرؤية الكاملة، وكيفية المزج بين المواقف والسلوك الحيواني دون أن يحدث خلل في النص.

وفقتي بعنوان "خدعة الفلامينجو" ، وربما يكمن السر في قدرتك دوماً على نسجه ببراعة ضمن النص،  لكن لم يحدث أن أجد بعض عناوين كتبك غير موفقة أو عادية حتى، وهل أنت من تختارين العناوين  عادة؟

اختيار العناوين عملية صعبة جداً، أكثر رواية كنت موفقة في اختيار عنوانها هي "على فراش فرويد"، فقد اخترت عنوانها من البداية، وأعجب كل من حولي بالعنوان، كانت هذه هي المرة الوحيدة التي يعجب فيها عنوان عمل لي الجميع دون أن يعترض أحد، في باقي الأعمال كنت أحتار في العناوين، خاصة أني أسأل كل أصدقائي، حتى أولئك الذين لم يقرؤوا العمل قبل النشر، حتى أعرف رد فعلهم تجاه العنوان، ونادراً ما كانوا يتفقون على رأي.

رواية "خدعة الفلامنجو" أكثر رواية اختلف أصدقائي في الرأي حول عنوانها، أسميتها في البداية "نساء الأشجار"، أحد أصدقائي أعجبه العنوان للغاية، في حين أن باقي أصدقائي سخروا منه، وقالوا لي يبدو مثل عنوان رواية مترجمة، ظللنا هكذا نختار عناوين ولا نستقر عليها، حتى توصلنا إلى "خدعة الفلامنجو" وربطنا العنوان بالتصور الخاص بالغلاف، ووافقت دار النشر عليه، واشتريت الحلق وأخذت صوراً به، واستقرينا أخيراً، ولم يعد هناك مجال للتراجع.

في رواياتك تنكشف الشخصيات بطرق مختلفة، وتُبرر دوافعها، كما انكشفت بطلة روايتك الأولى "على فراش فرويد". هل تعتمدين في تحليلك على شيء غير رؤيتك الشخصية؟

اعتمد بشكل كبير  في تحليلي للشخصيات ودوافعهم على قراءتي لعلم النفس، ولا أفعل ذلك في الكتابة فقط، بل أفعله مع أصدقائي عندما يحكون لي موقفاً يشغل بالهم، ولا يعرفون لماذا تصرف طرف آخر معهم بهذه الطريقة.

نهلة كرم: كل كاتب يحتاج إلى القراءة في مختلف المجالات، بما في ذلك العلوم الإنسانية والطبيعية، لأنها تفتح طرقاً كثيرة أمام الكتابة، فأغلب الأفكار التي جاءتني لم تأتني وأنا أقرأ نصاً أدبياً، بل وأنا أقرأ مجلة "ناشيونال جيوغرافيك"

أحب تحليل الأمور وفهم لماذا قد ينفعل شخص فجأة بدون مبرر، لأن هناك حتماً مبرراً وهناك تراكمات، ومن تحليل هذه التراكمات تتضح الرؤية، أحب تلك اللحظة التي يخبرني فيها أحد أصدقائي أنهم فعلاً شعروا بكذا أو كذا ولم ينتبهوا لذلك، وربما لذلك اخترت مقولة يونج كتصدير للرواية: "معرفة جانبك المظلم هي أفضل طريقة للتعامل مع الجوانب المظلمة للآخرين"، فبداخلنا جميعاً جوانب مظلمة، وإذا فهم الشخص نفسه (من خلال القراءة في علم النفس والخبرات والتأمل والهدوء ومصارحة النفس وأشياء أخرى كثيرة) تمكن من فهم الآخرين.

قلت سابقاً إنك عندما قرأت رواية "تغريدة البجعة" لمكاوي سعيد، قررت كتابة أولى رواياتك، والآن صدر لك "خدعة الفلامينكو"، وبعيداً عن مفارقة العنوانين، ماذا الذي وجدته في رواية سعيد تحديدّا ودفعك للكتابة؟

قرأت "تغريدة البجعة" في عام 2008 تقريباً، وأنا لا أزال أدرس في الجامعة، وكنت قبلها أجد الكثير من الروايات صعبة في قراءتها، وأتذكر أن من ضمن الروايات التي أثرت بي وأنا في الثانوية العامة رواية "لا أنام" لإحسان عبد القدوس، وفكرت حينها كيف يمكن كتابة شخصية بتعقيد الفتاة في الرواية بهذه البساطة، وقلت مستحيل أن أكتب مثلها، من الأسهل لي أن أكتب الشعر، كان هذا تفكيري في هذه الفترة، وبدأت بعدها اقرأ للكتاب المهمين في الوسط الثقافي، وأنا استبعد تماماً فكرة أن أكتب رواية، كنت مكتفية بكتابة الشعر.

ظللت أفكر بهذه الطريقة، حتى قرأت "تغريدة البجعة"، وأدهشتني بساطتها وسهولتها وعمقها، فشخصية البطل فيها بسوداويتها وتناقضاتها علمتني أن الشخصية لا تسير في اتجاه واحد أبداً، وقررت بعدها أن أكتب رواية، وفعلاً كتبت رواية لم تُنشر، لكن بسببها تعرفت على أستاذي مكاوي سعيد، وهو الذي ساعدني على مواصلة الكتابة وعدم الاكتفاء بكتابة الرواية، وشجعني على كتابة القصة القصيرة، وفعلا كتبت أول قصة قصيرة في حياتي بفضل تشجيعه، وكسبت مركزاً ثانياً في مسابقة في الجامعة، وبعدها تشجعت لأكتب المزيد من القصص، ونشرت مجموعتي الأولى "أن تكون معلقاً في الهواء" التي دخلت القائمة القصيرة لجائزة ساويرس عام 2013، وبعدها نشرت رواية "على فراش فرويد".

أعتقد أن شخصية سامر في "خدعة الفلامنجو" كانت أشد شخصياتك استفزازاً وتناقضاً، كيف كانت رحلتك معه؟

كانت شخصية صعبة جداً، ورغم أن الرواية نُشرت منذ نحو شهر، لكن هناك ردود فعل كثيرة جاءتني عليها بسبب شخصية سامر، من بينها ما أضحكني، مثل الفتاة التي قرأت الرواية ومن كثرة ما استفزتها الشخصية، بحثت عني على فيسبوك، وبعدما وجدتني دخلت لتبحث عن أي شخص في قائمة أصدقائي اسمه سامر لتقوم بحظره، ورغم أنه موقف مضحك لكنه أسعدني كثيراً، لأني شعرت أن الرواية تلمس من يقرؤها ويتفاعل مع أحداثها كما لو أنه يسمع موقفاً حدث مع شخص قريب منه، ويريد أن يأخذ أي رد فعل يبرّد غضبه.

بالنسبة للكتابة عن سامر كان الأمر مرهقاً أيضاً، لأنها شخصية صعبة ومعقدة وليست بعيدة عن شخصيات موجودة فعلاً في الواقع، فكل تفصيلة من تصرفات سامر حدثت فعلاً مع أشخاص مقربين مني، وبقدر ما هو شخصية مستفزة، لكن الكتابة تجعلكِ تقفين على الحياد، وتبدئين في النحت داخل الشخصية واستكشاف دوافعها، دون التورط في الشعور باستفزاز تجاهها.

تكتبين أحياناً قصصاً فانتازية بخلاف رواياتك وقصصك القصيرة، ما السبب في هذا الاختلاف؟ وأي نوع  تفضلين كتابته؟

كل نوع أدبي وله جماله، أستمتع جداً بكتابة قصة جيدة، وأجد في القصة المساحة لكتابة الفانتازيا، بخلاف الرواية، ومع ذلك لا أحب الفانتازيا المفرطة وأحب أن أمزج الواقع بالفانتازيا، لا أحتمل أن أكتب فانتازيا في رواية من أولها لآخرها، لا أحتمل أن أعيش في هذه الأجواء فترة طويلة، بخلاف القصة التي تمنحني هذه الحرية في خمس أو ست صفحات.

أغلفتك مميزة دوماً، أتذكر أن الغلاف والعنوان كانا دافعي لقراءة "على فراش فرويد"، قلت أنك اخترت غلاف "خدعة الفلامنجو"، هل السر وراء هذا شغفك بالتصوير أم أنه ارتباط بالنص؟ 

كان هذا أول غلاف اختاره، لذلك أحب هذه الرواية بكل تفاصيلها، فكرت في البداية أن أتصور بيدي أو أصور يد أحد آخر، وأصنع خاتماً لكل حيوان، وبحثت عن صور مشابهة، وبدأت أفكر أي حيوانات اختارها، فكرت في النحلة، والفلامنجو، والكوبرا. وفي يوم وجدت هذه الصورة للبنت بحلق الفلامنجو، وتناقشت مع ناشرتي، واتفقنا على نفس اللقطة، لأن الصورة كانت جاذبة بشكل كبير.

 فصلتِ حكايات الحيوان عن الأحداث في رواياتك الأخيرة، كما فعلت في قصة سمكة الريمورا وذكر أفعى الكوبرا الملك، ورغم رمزيتهما السلسة، أحببت هذ الفضل، كان المساحة التي وجدت فيها بنفسي الرابط بين العالمين، فهل قصدت تعشيق حكايات الحيوان بالأحداث؟

اعتمدت في كيفية ربط الحيوانات بالأحداث على تدفق السرد نفسه، لم أكن أعرف كيف ستسير الأمور، وكنت أترك نفسي في كل فصل للحكي، وكان الربط يحدث تلقائياً، لم يكن الأمر مرتباً على الإطلاق.

عندما قرأت "على فراش فرويد" للمرة الأولى كنت لاأزال في المدرسة، وفي مراحل قراءاتي الأولى، حينها بهرتني شجاعتك ككاتبة، وبشكل تلقائي اعتبرت الرواية تنتمي إلى  جيل سابق، لكن عندما بحثت عنها واكتشفت أنها لروائية شابة، زاد انبهاري وارتباطي بالنص، وبعيداً عن بساطة رؤيتي حينها، هل تظنين أن  الشجاعة في كتابتك كانت دافعاً لك في رحلتك؟

الكتابة منحتني شجاعة لم أكن أتخيلها، وكانت النافذة لي لأقول أشياء كثيرة بداخلي تراكمت لسنوات، وكنت أخجل من قولها بصوت عال، أشياء اكتشفت بعد النشر ومن ردود أفعال القراء أنها بداخل أخريات غيري وآخرين أيضاً، وهذا في حد ذاته دافع كبير لإكمال الرحلة والاستمتاع بها.

قدمت برنامج "كلام كتب" مؤخراً، الذي لا يمكن وصفه ببرنامج لتقديم مراجعات الكتب فقط، أخبريني، كيف تصفين هذه التجربة؟ وما هدفك منها؟

في البداية فكرت: أي جمهور استهدفه من هذه التجربة، هل هو جمهور الوسط الثقافي أم الجمهور العام؟ وكان الموقع الذي أعمل معه إخبارياً، فكان من الطبيعي أن يستهدف أشخاصاً بعيدين عن الوسط الثقافي، لذلك اهتممت أكثر أن أبدأ تقديم الكتاب بحكي قصة متعلقة به، لأن الناس تنجذب للقصص، فكان هذا هدفي في كل الحلقات، كنت أقرأ الكتاب أكثر من مرة لأجد طريقة في تقديمه كحدوتة، تثير فضول المشاهدين لقراءة الكتاب.

لكن بقدر ما كان هذا البرنامج تجربة جميلة ومختلفة بالنسبة لي، كان مرهقاً، لأنني لم أكن أقرأ كتاباً واحداً، بل كنت أقرأ  كتابين، وبعدها أفكر في الجزء الذي سأقدمه، ثم أكتب "الإسكريبت"، كل هذا كان يتطلب مجهوداً كبيراً بجوار عملي والقراءة والكتابة، وصلت لمرحلة كنت منهكة فيها تماماً، في حين أن من المفترض أنني أقدم شيئاً أحبه، فقررت التوقف.

لو سألتك، أي عمل ترشحينه لشخص لم يقرأ من قبل لنهلة كرم، ماذا تختارين؟

دائماً أفضل ترشيح أخر عمل، أشعر أنه أنضج تجربة، من الممكن أن أرشح " خدعة الفلامنجو" و"الموت يريد أن أقبل اعتذاره"، مع وضع اختلاف الأذواق في الاعتبار طبعاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard