علويو سوريا تحت حكم محمد علي باشا... ثورة للعودة إلى الحضن العثماني

الأربعاء 23 مارس 202210:40 ص

كانت حقبة العثمانيين صاحبة الأثر الأكبر في شكل بلاد الشام الحالي، اجتماعياً وديموغرافياً. والعلويون لم يكونوا استثناءً، فقد انضووا تحت سلطة الباب العالي منذ بدايات حكم العثمانيين وحتى سقوط سلطنتهم، باستثناء فترة حكم محمد علي باشا لسوريا، وهي مرحلة فارقة في تاريخ المجتمع العلوي.

قبل الاحتلال المصري، كان المجتمع العلوي قد شهد ازدهاراً لافتاً تعود أسبابه إلى تحوّله من مجتمع زراعي بدائي إلى مجتمع إنتاجي، بحسب ما يذكر حسان القالش في كتابه "قطار العلويين السريع"، وذلك ارتباطاً بزيادة الطلب على التبغ الجبلي وحرير دودة القز اللذين عملت الدولة العثمانية على تصديرهما.

أسفرت هذه المتغيرات عن ظهور طبقة اقتصادية إقطاعية في المجتمع العلوي، لتنظيم الزراعة وجبي الالتزامات المالية للسلطة العثمانية، ولكن هذا كله لم يعنِ تحسن ظروف معيشة الفلاحين العلويين، فقد وقعوا تحت رحمة الإقطاعيين وملتزمي الجباية من الأسر العلوية الكبيرة والتجار الذين يجنون أغلب الأرباح، واستمروا على هامش النشاط السياسي، بعيداً في الجبال.

تزامنت هذه الظروف مع تنامي النزعات الانفصالية في الأقاليم المسيحية والدرزية وظهور قيادات علوية ذات طابع سياسي وعسكري طموح مثل آل شمسين والشيخ صقر المحفوض، على الرغم من غياب مقوّمات الوعي السياسي المقبول، بسبب انقسام الطائفة على نفسها وبسبب دأب العثمانيين على تحويل العلويين إلى الإسلام السنّي، لتعريفهم ضمن أنظمة الدولة التي لا تعترف بالطوائف المسلمة غير السنّية، وذلك في سياق محاولاتها لتعزيز هوية الدولة الإسلامية في مواجهة النزعات الانفصالية.

العلويون وإبراهيم باشا

يذكر الأمير شكيب أرسلان في كتابه "مدونة أحداث العالم العربي ووقائعه" انتصار الجيش المصري على الجيش العثماني في معركة قونية عام 1832 ثم توقيع معاهدة كوتاهية في 5 أيار/ مايو من نفس العام، وبمقتضاها آلت ولاية سوريا وولاية أضنة إلى محمد علي باشا.

شهدت الأقليات انفراجاً نتيجة إصلاحات محمد علي باشا الاجتماعية ومساواته بين مختلف الأديان. ولكن يُذكر أيضاً إصدار محمد علي أوامر إلى ابنه إبراهيم باشا، والي البلاد السورية، أثقلت كاهل الأهلين بأعباء فادحة وهي: احتكار الحرير في أيالة سوريا، أخذ ضريبة الرؤوس من الرجال كافة على اختلاف مذاهبهم، تجنيد الأهالي ونزع السلاح من أيديهم.

هذه الإجراءات أسفرت عن اندلاع ثورة الفلاحين في فلسطين، سنة 1834، وأعلن الثائرون عدم إذعانهم لأوامر محمد علي، وتبع ذلك ثورة فلاحية شرقي مدينة اللاذقية تمكن الجيش المصري من إخمادها ونزع سلاح الأهالي وتجنيد حوالي 4000 من أبناء المنطقة.

ويخبرنا حسان القالش، في كتابه السابق ذكره، أن فترة الحكم المصري كانت المرة الأولى التي يُحكم فيها العلويون بحكم سياسي مباشر مختلف عما اعتادوه من حكم العثمانيين لمناطقهم بالوكالة. كما ساهم الوجود المصري في ولادة نواة الهوية الجماعية للعلويين وبلوغها من القوة والنفوذ ما جعل العثمانيين يطلبون منهم مواجهة الجيش المصري وهو ما لم يتأخر العلويون في تلبيته.

تميزت فترة الحكم المصري القصيرة لسوريا بالمساواة بين السكان ومحاولات لإقامة عدالة اجتماعية، ولكن سياسة التجنيد العسكري الإجباري دفعت أبناء الأقليات إلى التمرد على حكم محمد علي باشا للعودة إلى ظلال الحكم العثماني الذي اشتكوا منه طويلاً

وفي ما يميل البعض إلى تفسير هذا الأمر بولاء الإقطاعيين للسلطنة العثمانية، لا يمكن تجاهل سبب آخر أكثر وضوحاً هو مواجهة العلويين لبربر آغا، حاكم طرابلس وحليف المصريين الذي ارتبط اسمه بالكثير من المظالم بحق الطائفة. كما أن ظروف استعداد العلويين لمعركة طرابلس أيقظت في داخلهم وعياً جماعياً لذاتهم مختلفاً عن السابق.

ويذكر إميل عباس آل معروف، في كتابه "تاريخ العلويين في بلاد الشام"، أن الصدام الأول بين والي طرابلس مصطفى بربر آغا والعلويين وقع عام 1806، حين ثار الشيخ صقر المحفوض على سلطة الآغا المعروف بكرهه للعلويين.

وعندما أراد محمد علي السيطرة على بلاد الشام، لم ينطلق ابنه إبراهيم في حملته إلا بعدما نال تأييد شخصيات بارزة مثل الأمير بشير الشهابي ومصطفى بربر آغا والحاكم التركي عثمان باشا.

وعام 1831، قُبيل حملة إبراهيم باشا، وصل إلى بربر آغا خبر تولية العثمانيين عثمان باشا مكانه، فخرج مصطفى بربر آغا لقتال الأخير ومَن معه من علويين ساندوه، وقُتل في تلك المعركة حاكم صافيتا الشيخ ضاهر صقر المحفوض.

وبعد قدوم إبراهيم باشا، لزّم بربر آغا مقاطعة صافيتا للشيخ خضر، ابن الشيخ صقر المحفوض، واستمر ظلمه للعلويين. وينقل آل معروف عن المؤرخ إلياس صالح اللاذقي أن السُنّة شجعوا العلويين على الخروج عن طاعة إبراهيم باشا بسبب مساواته بين المسيحيين والمسلمين. وساهمت كل ظروف المرحلة في تطور وعي العلويين لذاتهم.

والأرجح أن هذا الوعي الناشئ تطور في المرحلة اللاحقة وكان العامل النفسي الأبرز لقيام ثورة العلويين ضد محمد علي أواخر سنة 1834، وهو الأمر الذي كان العثمانيون يدركونه جيداً في ما يبدو، فعملوا على استغلاله عن طريق تسليح العلويين وتحريضهم ضد المصريين. وكذلك فعل سكان المدن من السنّة الذين استاؤوا من إصلاحات إبراهيم باشا ومساواتهم بالمسيحيين.

لكن وعي العلويين الجماعي لم يكن في مرحلة من النضوج تسمح باستمرار ثورتهم التي دامت قرابة الثمانية أشهر، فقد أظهرت مكامن ضعفهم وسهولة التلاعب بهم والتأثير فيهم، إذ استطاع إبراهيم باشا إثارة الخلافات بينهم واستغلال انقساماتهم العشائرية والعائلية.

الدرس المصري

كان الدرس المصري مكلفاً وقاسياً للعلويين لأنه عرّى تشتتهم بين جبليين وساحليين وبين انتماءاتهم العشائرية. فعلى الرغم من قيام محمد علي باشا وابنه إبراهيم بالكثير من الإصلاحات الاجتماعية، كالمساواة في الضرائب وفي المعاملة بين علويي الجبال والساحل وسُنّة المدن والمسيحيين والدروز، لم يتقبل المجتمع العلوي هذا الانفتاح والإصلاح وشعر بالخطر بسبب غياب الاستقلال شبه الذاتي الذي كان يألفه مع حكم العثمانيين لمناطقه، عبر المقدمين من وجاهات الطائفة، وبسبب خضوعه لسلطة سياسية يتعامل معها مباشرةً وتسن التشريعات الناظمة لسير المجتمع بخلاف ما اعتاده سابقاً.

كما أن التجنيد الإجباري والمظالم العسكرية كانت الشعرة التي قصمت ظهر البعير في علاقة العلويين بالحكم المصري وانتهت بهم إلى ثورة رافضة للمصريين وللتجنيد للقتال في حروبهم، استمرت ثمانية أشهر، قبل أن ينجح المصريون في قمعها.

"يوجد في كتب العلويين أحكام وآراء متباينة عن إبراهيم باشا، بعض المؤرخين يجعلونه من أولياء الله ويعظمون عدله ومساواته بين الشعب... وبعض المؤرخين يجعلونه من أشرّ خلق الله ويصورونه كأنه آفة سماوية وأن مظالمه لا طاقة للبشر بها"

عن علاقة العلويين بإبراهيم باشا، يقول المؤرخ محمد أمين غالب الطويل، في كتابه "تاريخ العلويين": "يشهد التاريخ أن إبراهيم باشا المصري أحد دهاة السياسة وذو مواهب سامية واستعمل دهاءه لاستمالة سكان جبل النصيرية ولكن لم يصدر من العلويين خيانة لحكومتهم العثمانية، وبعد أن تغلب إبراهيم باشا على العثمانيين وأقام في أطنة ست سنين أصبح جبل النصيرية من جملة منابع قواه".

ويلفت إلى أنه "يوجد في كتب العلويين أحكام وآراء متباينة عن إبراهيم باشا، بعض المؤرخين يجعلون إبراهيم باشا من أولياء الله ويعظمون عدله ومساواته بين الشعب وعدم تفريقه بين الأديان حتى أنه لم يكن يُعرف بأي دين كان يتدين وهؤلاء المؤرخون هم أهل السواحل الذين كانوا عرضة للمظالم أكثر من غيرهم لذلك يحبذون عدله، وبعض المؤرخين يجعلون إبراهيم باشا من أشرّ خلق الله ويصورونه كأنه آفة سماوية وأن مظالمه لا طاقة للبشر بها ويقولون أنه بقصد التخلص من مظالمه العسكرية التجأ الناس إلى قلع أعينهم أو بتر أصابعهم وقطع أيديهم تخلصاً من خدمته العسكرية، ونظمُ الأشعار الحزينة يثبت ذلك، وهذا القسم ممن كانوا أحراراً كالطيور، وهم سكنة الجبال، ونحن نقول أن كِلا الفريقين موافق للحقيقة إذ كلٌّ يصور الحالة حسب ما تتراءى له وأكبر المبغضين لإبراهيم باشا هم المقدمون الذين ساواهم مع أقل رجل من العامة".

عام 1840، تم إبرام معاهدة لندن بين بريطانيا وروسيا والنمسا وبروسيا والدولة العثمانية، ومقتضاها، حسبما يشير الأمير شكيب أرسلان في كتابه آنف الذكر: منح محمد علي وخلفائه حكماً وراثياً لمصر؛ سحب القوات المصرية من جميع البلاد العثمانية؛ ودفع محمد علي جزية سنوية للباب العالي.

وينقل علي كابر في بحثه "تاريخ النصيرية في سوريا العثمانية" عن كتاب "النصيريون والإسماعيليون: مع أسفار الشرق البعيد" للسياسي البريطاني فريدريك والبوت أن معاهدة لندن اقتضت إبقاء السلاح الذي منحته الدولة العثمانية للعلويين لشراستهم في قتال الجيش المصري ولاءً للعثمانيين، وقام إبراهيم باشا بتحذير عمير باشا، ممثل السلطة العثمانية أثناء توقيع المعاهدة، قائلاً: "لقد طردتني من الشام بمساعدة الإنكليز وأعدت السلاح إلى أيدي الجبليين بعد أن استغرقني نزعه تسع سنين وتسعين ألف رجل".

هكذا، انتهت فترة الحكم المصري القصيرة لسوريا، بما تميزت به من مساواة بين السكان ومحاولات لإقامة عدالة اجتماعية، لا سيما للأقليات التي كانت مهمشة أو مضطهدة تحت الحكم العثماني، ولكن كل هذا لم يكن مقابلاً كافياً في نظر مجتمعات الأقليات للتجنيد العسكري الإجباري فقد فضلوا التمرد على حكم محمد علي باشا للعودة إلى ظلال الحكم العثماني الذي اشتكوا منه طويلاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard