التناسخ عند العلويين وبكاء المولود لحظة خروجه إلى الحياة

السبت 5 ديسمبر 202009:22 ص
Read in English:

Reincarnation For Alawites and the Newborn’s First Cry

تؤمن الكثير من الديانات والطوائف، مثل البوذية واليهودية والدرزية والعلوية وغيرها، بتناسخ الأرواح. ويرى العلويّون أن تناسخ الأرواح هو إحدى أسمى تجليات العدالة الإلهية على الأرض، ولديهم أكثر من رؤية لمفهوم هذه العدالة.

على سبيل المثال، يعتبرون أنه من الظلم ألّا تُمنح الروح أكثر من حياة لتفعل ما تشاء قبل أن يحاسبها الله. ومع أن الله يعلم مسبقاً الأرواح المؤمنة من الكافرة، إلا أن حكمته وعدالته تقتضي أن تحظى الروح بالعديد من الحيوات قبل محاسبتها، كي لا يكون لها حجة عليه.

وبرأيهم، من المستحيل أن تصعد الروح إلى الجنة أو تدخل النار بدون أن تكون قد تناسخت مئات أو آلاف المرات في الجسد الإنساني، والهدف من هذا التناسخ هو أن تقوم هذه الروح بواجباتها تجاه الله فتدخل الجنة، أو تتقاعس فتدخل النار.

وكل مرة تتقمص فيها الروح تُسمّى "جيلاً"، ويطلَق على الشخص الذي يتذكر حياته الماضية اسم "مجيّل"، أي أن لديه حياة سابقة يتذكرها بحسب ما هو متعارف عليه ضمن الطائفة العلوية.

ويرى العلويون أنه في كل تناسخ، تخضع الروح المؤمنة لعملية تمحيص الذنوب، من خلال الصلاة والعبادة والأعمال الخيّرة، فتقترب من الله أكثر وأكثر إلى أن تلج الملكوت الأعلى. وأيضاً، فإن الروح الكافرة في كل تناسخ تزداد شراً، وتقترب من جهنم.

لا يؤمن العلويون بفكرة أن مَن كانت حسناته أكثر من سيئاته يدخل الجنة، أو العكس. يرون أن العدالة الإلهية تتمثل في أن يدخل الإنسان الجنة وهو مؤمن مئة في المئة، والعكس صحيح. ولا يمكن أن يحدث ذلك إلا من خلال التناسخ: لا يدخل المؤمن الجنة وفي قلبه ذرة كفر ولا يدخل الكافر النار وفي قلبه ذرة إيمان.

وبالطبع، هم لا يغفلون فكرة أن الذرة من المستحيل أن يتخلص منها الإنسان، أي أنه لو قام الشخص خلال حياته، مهما كان كافراً، بعمل بسيط كمساعدة جاره بحمل أغراضه سيكون قد اكتسب ذرة خير، وفي حال طلب جاره المساعدة ولم يساعده سيكتسب ذرة شر. إذاً، ما الحل مع هذه الذرة التي تمنع المؤمن والكافر من الذهاب إلى وجهتيهما؟

"الروح الطيّبة لا تحل في الجسد فوراً، بل تصعد إلى الجنة وتبقى تسعة أشهر في مكان اسمه ‘عين الحياة’ ولحظة ولادة الجسد المخصص لها من قبل الله تنزل... ويتجلى حزنها بأنها فارقت الفردوس ببكاء المولود لحظة خروجه إلى الحياة"

يجيب أحد المعلمين الروحيين قائلاً: حين يصل الأمر إلى بقاء ذرة واحدة من الشر في إنسان ما مقابل ذرة واحدة من الخير في آخر، فإن كل ذرة تعذّب مَن يملكها لأنها لا تنتمي إلى جوهره، وهذا ما يجعل كل واحد منهما يرغب في التخلص منها بملء إرادته، فتقتضي الحكمة والعدالة الإلهية أن يأخذ المؤمن ذرة الإيمان التي يملكها الكافر، ويأخذ الكافر ذرة الكفر التي يملكها المؤمن، فيصعد الأول إلى الجنة، ويهبط الثاني إلى جهنم.

وبالطبع، هنالك ستّ مراحل لكل روح يجب أن تمر بها قبل أن تصل إلى المرحلة السابعة والأخيرة حيث توجد الجنة للروح المؤمنة وجهنم للروح الكافرة.

وللعلويين رؤيتان حول السؤال القائل: هل تنتقل روح الميت بنفس اللحظة إلى جسد طفل أو طفلة ولدت للتو؟

الأولى هي أن الروح الطيّبة لا تحل في الجسد فوراً، بل تصعد إلى الجنة وتبقى تسعة أشهر في مكان اسمه "عين الحياة"، وتتذوق النعيم وحلاوة الفردوس، ولحظة ولادة الجسد المخصص لها من قبل الله تنزل من "عين الحياة" برفقة ملائكة من الجنة تشرف على إدخالها إلى الجسد الجديد برفق، ويتجلى حزنها بأنها قد فارقت الفردوس ببكاء المولود لحظة خروجه إلى الحياة... أما الروح الشريرة، فتؤخذ إلى جهنم، وتذوق العذاب، وبعد تسعة أشهر تأخذها ملائكة من خزنة جهنم، وتأمرها بأن تدخل جسد المولود، فتشعر بالخوف من أن تكون قد انتقلت إلى مكان أكثر عذاباً، ويتجلى خوفها ببكاء المولود أيضاً لحظة ولادته.

"يعتقد العلويّون أن المؤمن أخو المؤمن من أي دين كان، والكافر أخو الكافر من أين دين كان، لذا فإن الروح مؤمنة كانت أم كافرة يمكن أن تتقمص جسد أي إنسان من أي ديانة في العالم"

أما الرؤية الثانية فتقول: إن الروح سواء كانت كافرة أو مؤمنة فإنها لحظة مفارقتها للجسد تسكن في جسد آخر وُلد في نفس اللحظة. وبالطبع كلتا الرؤيتين مُسلّم بهما من قبل العلويين.

على أرض الواقع، هنالك العديد من الأشخاص في الطائفة العلوية يتحدثون عن حياة سابقة، ويتذكرون البعض من تفاصيلها. واللافت للنظر أن معظم الذين يتذكرون هم ممَّن ماتوا بشكل فوري نتيجة طلق ناري أو حادث سير أو ما شابه ذلك.

ويعتقد العلويّون أن المؤمن أخو المؤمن من أي دين كان، والكافر أخو الكافر من أين دين كان، لذا فإن الروح مؤمنة كانت أم كافرة يمكن أن تتقمص جسد أي إنسان من أي ديانة في العالم.

ويرى العلويون أنه يجب على الروح في كل تقمص لها أن تعمل بما أمرها الله وتبتعد عما نَهى عنه إنْ أرادت التخلص من الذنوب ودخول الجنة. فالمعيار الأول والأخير للإيمان بالله هو العمل، وليس العلم بحسب ما جاء في سورة التوبة الآية رقم 105 {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}. وما ورد في سورة الزلزلة الآية 8 {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.

وبحسب رأيهم، العلم بدون عمل صالح غير نافع، فكل العلوم والمعارف الدينية التي يملكها شخص ما إذا لم تترجم إلى سلوك وعمل صالح تكون حُجةً عليه لا معه، فالحُجة على العارف. وفي نفس الوقت هم لا يقللون من أهمية التعلم والحصول على المعرفة في كافة مجالات الحياة، بل ويشجعون على ذلك.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard