صراع الوساطة وخلفياته... لماذا تستعجل تركيا وإسرائيل إنهاء الحرب في أوكرانيا؟

الجمعة 11 مارس 202202:10 م

تزدحم هذه الأيام سماء مدينتَي إسطنبول وأنقرة، بالطائرات الدبلوماسية من القارتين الأوروبية والآسيوية، في ظل الغزو الروسي لأوكرانيا وتأثيرات الحرب على دول العالم كلها تقريباً، وعلى الأخص الاتحاد الأوروبي.

نجحت تركيا بعد مرور أسبوعين على بدء الحرب، في جمع وزيري خارجية البلدين على طاولة واحدة في مدينة أنطاليا جنوب البلاد، وهو أمر عدّته تركيا قوةً ونجاحاً دبلوماسياً كبيراً في ظل ظروف الحرب الحالية، والتي يمتد تأثيرها المباشر إلى القارة الأوروبية وآسيا.

تركيا شهدت نشاطاً دبلوماسياً كبيراً خلال الأسبوع المنصرم، سيمتد إلى الأسبوع المقبل، تجلى في زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتزوغ إلى أنقرة في زيارة مقررة سلفاً، والإعلان عن زيارات مشابهة لكل من المستشار الألماني أولاف شولتز، ورئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، بالإضافة إلى المكالمة الهاتفية التي جمعت الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والأمريكي جو بايدن، وكلها لا تنفصل عن الملف الأوكراني.

وجهود الوساطة التركية بين روسيا وأوكرانيا، سارت بالتوازي مع جهود إسرائيلية مشابهة، إذ التقى رئيس الحكومة الإسرائيلية، نفتالي بينيت، بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو، في اجتماع قالت إسرائيل إنه استمر ثلاث ساعات، قبل أن يعود بينيت ويتحدث هاتفياً مع الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي.

المصالح تحكم

على الرغم من النجاح الظاهري لأنقرة، إلا أن لتل أبيب مصالح عدة في التهدئة بين روسيا وأوكرانيا، وهي المصالح ذاتها التي تملكها تركيا، كما أن كلا البلدين لديهما موقف حساس من الحرب في أوكرانيا وإن كان بنسب متفاوتة.

فتركيا لديها مصالح تجارية واقتصادية واسعة مع أوكرانيا وروسيا، كذلك لديها علاقات متشابكة مع روسيا في ملفات إقليمية في سوريا وليبيا، وفي العمق الآسيوي (أذربيجان وأرمينيا)، الذي تعدّه موسكو حديقتها الخلفية. وفي المقابل لدى أنقرة علاقات إستراتيجية مع الاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة الأمريكية.

نجحت تركيا بعد مرور أسبوعين على بدء الحرب، في جمع وزيري خارجية البلدين على طاولة واحدة في مدينة أنطاليا جنوب البلاد

من جهتها، وجدت إسرائيل نفسها في موقف حساس، وعلى الرغم من أنها حليفة واشنطن الأولى في منطقة الشرق الأوسط ولديها علاقات مميزة مع الاتحاد الأوروبي، إلا أن لديها تفاهمات مهمة مع موسكو في ما يخص الملف السوري، واستهدافها الدائم عسكرياً للوجود الإيراني في سوريا، وهذا أمر لن يتم من دون موافقة روسيا بطبيعة الحال.

يرى الصحافي السوري المختص بالشؤون الإسرائيلية، خالد خليل، في حديثه إلى رصيف22، أن "إسرائيل من الدول التي اتخذت الخط الثالث إلى جانب تركيا، وهي الدول التي لم تدعم أياً من طرفي النزاع بشكل مباشر. ومع أن إسرائيل محسوبة بشكل مباشر على الدول الغربية، إلا أن تدخلها جاء بعد طلب مباشر من زيلنسكي".

وإسرائيل في موقف حرج، لكنها لم تفرض عقوبات على روسيا، وفي المقابل لم ترسل أسلحةً طلبها الأوكرانيون، وعلى رأس هذه الطلبات، نظام القبة الحديدية. وحسب خليل "هي يهمها بشكل مباشر الحفاظ على تفاهماتها مع موسكو في سوريا، وفي الوقت نفسه لا تريد إحراج القوى الغربية، لذا أدانت الغزو الروسي شكلياً، وجلّ ما يهمها في الملف الأوكراني هو الجاليات اليهودية في أوكرانيا ودول البلطيق".

وكانت قناة "الجزيرة" قد كشفت في وقت سابق أن الحكومة الإسرائيلية بدأت بتنفيذ خطة لاستقدام مجموعات يهودية أوكرانية، ووفق أرقام الوكالة اليهودية، يوجد نحو 200 ألف يهودي في أوكرانيا "مستحقٍّ للهجرة"، كما أعلنت في اليوم التالي للعمليات العسكرية عن ترحيبها بهجرة اليهود الأوكرانيين إلى إسرائيل.

تحاول كُل من تركيا وإسرائيل الدخول على خط الوساطة بين روسيا وأوكرانيا وفق أجندات واضحة، فبينما تسعى أنقرة لوقف التمدد الروسي إلى البحر الأسود، تحاول تل أبيب الحفاظ على الغطاء الروسي لعملياتها في سوريا

الجدير بالذكر أن الرئيس طلب الوساطة الإسرائيلية مع روسيا بشكل مباشر من رئيس الوزراء الإسرائيلي، إلا أن التحرك الإسرائيلي باتجاه موسكو لم يحدث إلا بعد مرور نحو أسبوع من العمليات العسكرية.

ونقلت شبكة "سي أن أن" الأمريكية عن السفير الأوكراني في إسرائيل، يفغين كورنيتشوك، أن كييف طلبت من تل أبيب أن تجري المفاوضات لديها بدلاً من بيلاروسيا حيث اقترح الطرف الروسي، وعلى الرغم من ذلك لم تفوّت أوكرانيا فرصة مهاجمة إسرائيل بسبب تعامل طيران "العال" الإسرائيلي مع النظام المصرفي الروسي.

الأيادي المقيّدة

الموقف الإسرائيلي الذي يبدو شكلياً أنه يميل إلى التضامن مع أوكرانيا، ليس كذلك ضمنياً، فإلى جانب عدم تجاوب تل أبيب مع مطلب إرسال الأسلحة إلى كييف، رفض وزير القضاء الإسرائيلي جدعون ساعر، اتهام بوتين بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا، كما وافق الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) على قبول الاستماع إلى خطاب متلفز للرئيس الأوكراني في الأيام المقبلة من دون تحديد موعد واضح، بعد أن تم رفض هذا الأمر في وقت سابق.

من جهته، يرى المحلل السياسي مصطفى أوزجان، أن يدَي إسرائيل مقيدتان في الملف الأوكراني بفعل التفاهمات مع الروس في سوريا، إذ تسمح موسكو لتل أبيب بالاستهداف العسكري للمصالح الإيرانية في سوريا، وتالياً فإن مصلحتها تكمن في الحفاظ على علاقاتها مع موسكو من دون الاهتمام بأمر أوكرانيا كثيراً".

 الحكومة الإسرائيلية بدأت بتنفيذ خطة لاستقدام مجموعات يهودية أوكرانية، ووفق أرقام الوكالة اليهودية، يوجد نحو 200 ألف يهودي في أوكرانيا "مستحقٍّ للهجرة"

وعلى الرغم من هذا الموقف المتردد والمتخبط لتل أبيب، إلا أن نجاحها في الوساطة بين أوكرانيا وروسيا إن حصل، فيعني اكتسابها سمعةً دوليةً في ما يخص فض النزاعات والوساطة بين الدول، وهو أمر لم تفعله إسرائيل مسبقاً، ويُشكل مفارقةً كبيرةً خاصةً بدولة احتلال.

إلا أن هذا الأمر يحتاج وفق خالد خليل، إلى "شخصية لديها الخبرة والقدرة على إدارة مفاوضات كهذه، وهو شخص لا تملكه إسرائيل في الوقت الحالي، كما أنها تعرف أن بوتين ماضٍ في معركته والنتائج لن تكون مرضيةً".

مكاسب أنقرة

تتجه عيون العالم إلى تركيا مع النشاط الدبلوماسي الذي تكلل في جمع طرفي الحرب على طاولة واحدة على هامش أعمال منتدى أنطاليا الدبلوماسي. ولتركيا أيضاً، وإلى جانب موقفها الحساس، مكاسب كبيرة قد تحصل عليها، فمن جهة ستكتسب سمعةً عالميةً مهمةً في فض النزاع، ومن جهة ثانية ستحافظ على مكتسباتها خلال العقد الماضي عبر التفاهمات السياسية والاقتصادية المقبلة للمنطقة.

ومن جهة ثالثة فإن إيقاف الحرب يعني نقطتين أساسيتين: الأولى إيقاف التوسع الروسي والثانية الحفاظ على المصالح الاقتصادية مع أوكرانيا وروسيا على حد سواء، بالإضافة إلى المكتسبات الجديدة التي ستحصل عليها من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية، وإثبات أنها لاعب أساسي ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل كذلك في البلقان وهو ما يعني المزيد من النفوذ التركي هناك، والذي تحرص أنقرة على تقويته.

ويرى المحلل السياسي التركي، مصطفى أوزجان، أن "سيناريو الحرب هو أسوأ كوابيس تركيا، واستسلام أوكرانيا يعني أن روسيا أصبحت جارةً مباشرةً لتركيا، وهو ما يعني تصادم مصالح مباشر وخطر على الأمن القومي لأنقرة"، مشيراً إلى "الصراع التاريخي بين تركيا أيام الدولة العثمانية مع روسيا القيصرية قبل 500 عام، والذي يعود اليوم بشكل أو بآخر".

ويفصل بين الدولتين حالياً، البحر الأسود من الشمال (حيث تحتل روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانية)، وجورجيا من الشمال الشرقي.

يعود اليوم الصراع التاريخي بين تركيا أيام الدولة العثمانية و روسيا القيصرية قبل 500 عام، ليطفو على السطح بشكل أو بآخر

واستحضر الرئيس الروسي في آخر خطاباته قبل إعلان بدء العمليات العسكرية الروسية ضد أوكرانيا، عندما هاجم الزعيم السوفياتي الأسبق، فلاديمير لينين، عادّاً أن الأخير عمل ضد مصالح روسيا "بشكل فجّ جداً"، من خلال فصل أراضي روسيا التاريخية وتمزيقها وفق نص الخطاب.

تعي أنقرة جيداً نتائج نجاح روسيا في غزو أوكرانيا على أمنها القومي، خاصةً وصول روسيا بشكل كامل إلى كامل سواحل البحر الأسود الذي يبشّر بدوره بمئات المليارات من الغاز الطبيعي، والذي يدخل ضمن ما تطلق عليه أنقرة (الوطن الأزرق)، والذي يمثّل ملفاً بالغ الحساسية لتركيا دخلت على إثره في صراع إقليمي كبير مع دول المنطقة كمصر والإمارات واليونان، واشتبكت مع الروس والإماراتيين في حرب بالوكالة في ليبيا.

في المحصلة، ترى أنقرة حال نجاحها في الوساطة بين روسيا وأوكرانيا أنها ستحصل على مكتسبات سياسية واقتصادية كبيرة في المرحلة المقبلة، ربما تساعدها على حلحلة ملفات مهمة لأمنها القومي، وتكريس حضورها الإقليمي والدولي وتصنيفها كأحد اللاعبين المهمين في المنطقة، وهو أمر تحاول أنقرة فعله منذ سنوات طويلة، عدا عن تخفيف آثار الحرب الاقتصادية عليها. أما إسرائيل فيبدو أن جلّ همها هو عدم خسارة تفاهماتها مع الروس في سوريا، وعدم الإضرار بمصالحها الاقتصادية مع موسكو. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard