ماتت أمي ولم أحضر جنازتها ولم أشعر بـ"الذنب"… في نقد أخلاقيات "النخبة"

الاثنين 11 أبريل 202201:05 م


كانت مارثا نوسباوم تستعد لإلقاء محاضرة في كلية "ترينيتي" في دبلن في أبريل/ نيسان 1992، حين علمت أن والدتها تحتضر في مستشفى في فيلادلفيا.

لم تذهب لتشهد لحظات احتضار والدتها، وفضلت إلقاء محاضرة على الطلاب المنتظرين، لأنها "إذا لم تفعل لانتابها إحساس بالذنب والكسل"، كما تقول.

فكرت مارثا، "فيلسوفة المشاعر"، كما تسمي نفسها، في أن قرارها غير إنساني، لكنها اختارت البقاء كي لا ينتظر الطلاب دون جدوى.

في اليوم التالي، في طريق عودتها على متن الطائرة، بعد أن انتهت من المحاضرة، قرأت للفيلسوف الروماني سينيكا أنه "في نهاية كل يوم، كان يعدد الأخطاء التي ارتكبها خلال النهار، ثم يغفر لنفسه وينام".

خافت مارثا من فكرة أنها لم تحب والدتها بما فيه الكفاية، وأنّبت نفسها على "أنها تفلسفت بزيادة".

وفي الأيام التالية، بدأت معدتها تؤلمها، ويداها ترتجفان، فأدركت أن المشاعر غير الخاضعة للسيطرة (الحزن، الغضب، الاشمئزاز) يمكن أن تفعل بنا الكثير.

أخلاق الذكر الأبيض الصالح

في كتاب "The Golden Bowl" يكشف هنري جيمس عن "طفولية التطلع إلى الكمال الأخلاقي، والحياة التي ليس بها أخطاء، ولا تُكسر فيها القواعد، ولا يُؤذى فيها أحد".

استلهمت مارثا من الكتاب فكرة المحاضرة التالية، تدور حول طبيعة "الرحمة"، تحدثت عن مدى الصعوبة التي تواجهها حتى مع أفضل نواياك، أن تعيش حياة فاضلة. تقبَّلت فكرة أن ما فعلته (عدم حضور لحظات احتضار والدتها) يُعتبر شكلاً من أشكال الحب، وقبول إنسانيتنا المعقدة والفوضوية بدلاً من الهروب.

في نظر مارثا وهنري جيمس، أن تنفتح على العالم، وأن تستطيع الوثوق بعدم يقين الأشياء من حولك، هو ما يجعلك إنساناً صالحاً.

"قد تجبرني الظروف أن أكون في موضع يصعب علي من فيه تجنب ارتكاب الأخطاء، وقد يغير حدث واحد حياتي كلها، ببساطة ورغماً عن إرادتي. إن الاعتماد في سعادتك على أصدقائك وأحبائك ووطنك أو محاولة العيش بسعادة من دونهم هي معضلة على حدّ سواء"، تقول مارثا.

طالبت مارثا بمجتمع، يعترف باحتياجه وضعفه، لكن من أين تأتي المشكلة؟

منطق الذكور

طرح أرسطو سؤالاً: كيف يجب أن يعيش الإنسان؟ وحاول الإجابة بالمنطق، وحصل على تأييد وأتباع، لكن العامل المشترك فيهم أنهم كلهم ذكور. الذكور يتبعون المنطق.

تقول مارثا: "لاحظت أن المنطق دوماً يجذب الذكور الفلاسفة وأتباعهم، توصلت إلى الاعتقاد بأنني فهمت مقولة نيتشه، لا يوجد فيلسوف عظيم تزوج".

اتهمت أتباع المنطق بأنهم يهربون من الوجود البشري، ويرغبون في ألا يكونوا متورطين، ورفضت الفكرة السائدة في الفلسفة المعاصرة بأن العواطف "مجرد طاقات غير مفكرة، تدفع الشخص لأن يدور حول نفسه".

أحيت نوسباوم نسخة جديدة من الفلسفة لا تفرق بين "التفكير والشعور"، وأعطت للعواطف دوراً مركزياً فيها، وحاججت بأن العواطف لها طبيعة معرفية، فهي تجسد "إطلاق الأحكام حول العالم".

كانت فلسفتها التي اعتمدت على العواطف والمشاعر ذات مساحة أكبر من تلك التي ترتكز على المنطق.

يقول عالم الاجتماع إرفنغ غوفمان: "لا يوجد سوى ذكر واحد كامل في أمريكا، شاب صغير، أبيض، متزوج، حضري، يعيش في الشمال، مغاير الجنس، والده بروتستانتي حاصل على تعليم جامعي، موظف، بشرته جيدة، ويتمتع بوزن وطول مناسبين، وسجل رياضي حديث".

ذلك التصنيف يتجاهل الفئات الأخرى المهمشة، مثل المثليين والمتحولين والنساء وكبار السن والسود.

تتجنب النساء في عمر مارثا، 69 عاماً، النظر إلى أعضائهن، وهن نفس النساء اللواتي استلهمن فكرة "أجسادنا ملك لنا"، إنه الإحساس بالاشمئزاز الذي يجعلنا متمحورات حول أنفسنا، ولا نرى العالم

النمط "الطبيعي" الذي تحدث عنه غوفمان، يرفض "طبيعته"، من خلال إبراز اشمئزازه تجاه طبيعة المجموعات الأضعف، ومن ثم ينشئ "منطقة عازلة" حوله، وحول من يشبهونه.

هذا هو الأساس الذي بُني عليه الهجوم على المثليين، والمتحولين، والانتهاكات التي تُمارس ضد النساء. "هم" لا يشبهونـ"نا"، كما نرى فيهم حقيقة ضعفـ"نا"، ومن ثم نقيم ضدهم "منطقة عازلة".

"جون رولز"، أحد معلميها، والفيلسوف السياسي النافذ خلال القرن الماضي، أخبرها ذات يوم، بينما كانوا يتناولون الغداء: "أعتقد أن لديك القدرة أن تصبحي مثقفة أو نخبوية public intellectual، ومن واجبك أن تصبحين كذلك".

فكرت مارثا: من هم أولئك النخبويون؟

مثل الفلسفة التي لا تقيم للعواطف وزناً، كان المجتمع الأكاديمي في نظر مارثا انعزالياً، ونخبوياً، يهتم بالتحليلات، والنظريات المفاهيمية والأكاديمية، أكثر من الاهتمام بتفاصيل حياة الناس.

نفس المجتمع النخبوي الذي خشاها، وسَخِر منها بعد أن اُنتخبت كأول امرأة في زمالة هارفارد.

تقول مارثا إنها رأت في عيون زملائها الرفض، كما لو كانوا يقولون لأنفسهم "سمحنا لامرأة بالدخول بيننا، وها هي ماذا تفعل؟ تذهب وتنجب طفلاً".

نظرات زملائها دفعتها لأن تتصرف طوال الـ9 أشهر كما لو أنها ليست حاملاً، كانت تركض عدة أميال يومياً حتى أصبحت نحيفة، فهل توقفت نظراتهم؟ أحدهم قال لها مازحاً: "يبدو أنك حامل ببيضة".

تركت مارثا عملها في الجامعة عام 1983.

يقول غلين باورزوك، رئيس قسم الكلاسيكيات الذي درست فيه نوسباوم: "مارثا أخافتهم، لم تستطع عقولهم استيعاب تلك المرأة فائقة الجمال، كانت طويلة، ورشيقة، وجذابة، وأنيقة بشكل واضح".

تقول مارثا: "لم يقبل الفلاسفة الذكور أن تكون بينهم امرأة". "كانت لديهم الرغبة في إنكار احتياجاتها، بأن تصبح أماً وعالمة".

رغم أن الأمر يُحسب ميزة إضافية للنساء، تقول: "لدينا نحن النساء تجارب في الصدام الأخلاقي؛ نحن مشتتون بين الأطفال والعمل بينما لا يملك الذكر هذه التجربة، ولا يتحملها".

النخب العربية لا تختلف كثيراً

في كتاب "نقد النخبوية أو نقد المثقف" يشرح مؤلفه، الدكتور علي حرب، أن مشكلة المثقفين العرب في نخبويتهم، تلك النخبوية التي قادتهم إلى العزلة، وجسّدت الاصطفاء والنرجسية لدى باقي النخب، وانتهى إلى أن "المثقف بات أعجز من أن يقوم بتنوير الناس" بسبب انفصاله عنهم، وعن حاجاتهم وحياتهم وتحدياتهم الحقيقية.

اضطهاد المرأة في وسط النخب الأكاديمية وغيرها متأصل أيضاً.

في دراسة أجراها مركز الفنار التونسي للتعليم والبحوث الثقافية، وجدت أن من بين 702 مؤسسة أكاديمية في العالم العربي هناك 48 جامعة فقط تقودها نساء، وهي أقل من نصف نسبة البرلمانيات العربيات.

وبالإضافة إلى ذلك، يكفيك أن تعرف أنه حتى وقت قريب، لم يكن مسموحاً للأستاذة الجامعية في مصر، أن تحصل على نفس المكافآت والحوافز المرتبطة بوظيفتها الجامعية مثل زميلها الذكر.

وأيضاً، لم يكن مسموحاً حتى عام 2003 أن تُعيّن المرأة قاضية، حتى عينت المستشارة تهاني الجبالي في ذلك العام.

باردون ومملون

قررت مارثا، على عكس زملائها، الاهتمام بتفاصيل حياة الناس، فوجهت عينيها صوب العالم النامي.

بمجرد أن بدأت في دراسة العالم النامي حددت أنواعاً إضافية للضعف، "الفقر، الجوع، العنف الجنسي"، وهي أمور لا ينبغي لأي إنسان أن يتحملها.

باستخدام المشاعر والعواطف، طورت مارثا نسختها الخاصة من "نظرية القدرة"، والتي أصبحت الأساس لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وهو مؤشر لقياس ومقارنة مستوى المعيشة بين الأمم، والتي تشمل حتى اللعب وحرية الحب، بدلاً من الاعتماد على النمو في الناتج المحلي الإجمالي كمقياس وحيد للتنمية، كما أصبحت نظريتها هي الأساس في الدفاع عن حقوق الإنسان.

وقالت إنه كي يظل المجتمع مستقراً، فإنه يحتاج إلى أكثر من مجرد مبادئ أخلاقية أو قواعد. يجب أن نزرع بعض المشاعر داخل الناس، وأن يتعلموا الانخراط في التعاطف مع حياة الآخرين.

القواعد والاحترام في حد ذاتها باردة ومملة، وغير كافية للتغلب على الميول السيئة للبشر، والثقافة العامة يجب ألا تكون فاترة وبلا أحاسيس، تقول مارثا.

بمجرد أن بدأت مارثا تهتم برفع حالة الوعي النسوي، رفضت دعوات النسوية اليسارية حينها بالتغاضي عن المشكلات والانتهاكات التي تتعرض لها المرأة في الدول النامية، تحت دعوى احترام الثقافات، مثل الضرب والاغتصاب والختان.

وفقاً لمارثا، مثل هؤلاء النسويات رفضن اتخاذ موقف محدد تجاه قضية أخلاقية أو سياسية، واتهمتهن بأنهن "الأكثر حقارة على الإطلاق، وغير مستعدات للدفاع عن أي شيء في الحياة".

حتى الآن في بعض الدول العربية، مازال يُنظر إلى النساء اللواتي يحاولن الاستقلال، على أنهن متمردات، يهدفن بشكل تآمري إلى نشر الأفكار الفاسدة والهدامة بين الفاضلات، ومازال تمثيلهن في المناصب القيادية ضعيفاً، وحتى الختان ما زال يُمارس في مناطق من العالم العربي، ومازلن محرومات من أبسط حقوقهن.

وفوق ذلك، وبحسب تقرير للبنك الدولي، الشرق الأوسط هو من أقل المناطق في العالم تجريماً للتحرش والعنف ضد المرأة.

التشييء الجنسي

دخلت مارثا في علاقة طويلة مع كاس سنستين، المدير السابق لمكتب الرئيس أوباما للمعلومات والشؤون التنظيمية وأحد العلماء القلائل غزيري الإنتاج، في 1995.

في مقال بعنوان "التجسد - Objectification"، اقترح وسنستين، أن بعض أشكال "التشييء الجنسي - sexual objectification"، يمكن أن تكون رائعة، رغم أنها تمثل انحرافاً عن الخط المعياري للفكر النسوي".

دافعت مارثا عن الفكرة، وقالت إن هناك ظروفاً يمكن أن يكون فيها التعامل مع المرأة على أنها كائن جنسي، إنساني وغير ضار أخلاقياً.

التفكير الفلسفي والمنطقي على خلاف مع العاطفة والحب، ووسيلة لإبعاد المرء عن إدراك حقيقة الحياة البشرية، وربما حتى وسيلة للتحكم فيها وليست مساعدتها.

وهي فكرة لا ينبغي أن تُغضب أحداً لأن الغضب عاطفة مدمرة.

اعتبرت عدم حضور جنازة والدتها رغم علمها بوفاتها شكلاً من أشكال الحب، وقبول إنسانيتنا المعقدة والفوضوية بدلاً من الهروب، وبدأت تنفتح على مشاعر أخرى، اكتشفت فيما بعد أنها ضد الحالة النخبوية والأكاديمية

في كتابها "الغضب والتسامح"، رفضت نوسباوم الفكرة التي يدفع بها بعض المعالجين والحركات النسوية، بأن الناس والنساء على وجه الخصوص، مدينات باحترامهن لذاتهن بأن يعلن غضبهن علانية.

وصفت مارثا الأمر بـ"هراء ميتافيزيقي، وخيال سحري"، يفترض أن الغضب سيعيد ما تضرر، بل قد يكون له عواقب أكثر وخامة.

الغضب العارم والمؤذي، بحسب مارثا، مشاعر غير عقلانية يمكن أن تدمرنا في النهاية، مستشهدة بمرة هددت والدتها فيها بالانتحار حين كانت غاضبة، لكنها تسامحت مع فكرة الغضب الأقرب لفكرة الاحتجاج وعدم الإذعان وليس الانتقام، وهو علامة على احترام الذات، أطلقت عليه "الغضب الانتقالي" (حالة عاطفية تجسد فكرة "يجب أن أفعل شيء حيال هذا الظلم الاجتماعي الواقع حالاً").

اكبري بحكمة، ولا تخجلي

تتجنب النساء في عمر مارثا، 69 عاماً، النظر إلى أعضائهن، وهن نفس النساء اللواتي استلهمن فكرة "أجسادنا ملك لنا".

اتهمتهم بأنهن يناقضن أنفسهن: "دعونا نتجنب النظر إلى المهبل، دعونا ألا نفكر في فترات الحيض المقززة، لكن دعونا نحتفل به كجزء من هويتنا".

تقول مارثا: "موقفهن يمثل شعور الاشمئزاز".

لا تخجل مارثا من الذهاب إلى التسوق بصحبة زملائها الأصغر سناً، ولا تخجل من الخروج من غرفة تبديل الملابس بملابسها الداخلية، وحينما تقوم بالركض في الأدغال، لا تخجل حتى من التبول خلف الأشجار.

الاشمئزاز يمنعنا من رؤية الصورة الأكبر للإنسان، ويجعلنا نتمحور حول ذواتنا.

في كتاب "أن تكبر بحكمة"، تبحث نوسباوم وساول ليفمور، المعضلات الأخلاقية والقانونية والاقتصادية للشيخوخة، من خلال حوار بين اثنين من العلماء المسنين، يحللان من خلاله الطريقة التي تؤثر بها الشيخوخة على الحب والصداقة وعدم المساواة.

انتهى العالمان إلى أن هناك اتجاهاً في التفكير بالمجتمعات، يعاقب المسنات "اللواتي لا يظهرن مستويات مناسبة من الخجل والاستسلام والضعف"، لأنهن كبيرات في العمر.

هل تذكرون واقعة "سيدات الجاتوه" في نادي الزمالك بالقاهرة في مصر؟

نشرت عدة صور لسيدات، مسنات، وهن يحتفلن بعيد ميلاد إحداهن بتناول قطع من الحلوى على شكل أعضاء جنسية.

الصور أثارت موجة من الجدل بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، وشنوا هجوماً لاذعاً عليهن، واتهمن باتهامات تمس سمعتهن.

أو الفنانة الراحلة صباح، التي كانت تتهم بأنها تلبس ملابس فتاة في عمر الـ16 والتي كانت تهاجم كثيراً بسبب زيجاتها أيضاً، وغيرها.

هذا يحدث لأن كبار السن مطالبون بإظهار بعض العار. ستلاحظه أيضاً، في تعبيرات مثل "دا انت رجلك والقبر"، "بعد ما شاب/ت خاب/ت"، "دا كبر وخرف" "عيب على سنك".

تقول مارثا، المجتمع غير رحيم تجاه كبار السن وتجاه إنسانيتهم وضعفهم، وطالبت مع ليفمور، بحركة اجتماعية ضد الاشمئزاز من كبار السن، وحتى رفض مصطلح "كبار السن" نفسه.

فهل تتفقون/ن معها؟ 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard