انكماش وتلف أنسجة… دراسة ترصد تغيّرات يُحدثها كوفيد في الدماغ

الأربعاء 9 مارس 202207:29 م

وجدت دراسة جديدة أن كوفيد-19 قد يحدث تغيّرات في الدماغ تشمل انكماش حجم المادة الرمادية التي تعرف بالقشرة المخية، وتلف أنسجة المخ بدرجة أكبر مما يحدث بصورة طبيعية لدى الذين لم يصابوا بالفيروس.

ويقول خبراء إن الدراسة، التي نشرت مجلة Nature نتائجها، الاثنين 7 آذار/ مارس الجاري، "الأولى من نوعها" إذ تعقد مقارنة بين تصوير دماغ الأشخاص قبل إصابتهم بكورونا وبعد أشهر من ثبوت الإصابة به.

ووصفها علماء أعصاب غير مشاركين بأنها ذات قيمة وفريدة من نوعها، وإن نبّهوا إلى أن الآثار المترتبة على التغييرات لم تكن واضحة بدرجة كافية، ولا تشير بالضرورة إلى احتمال تعرض الأشخاص لضرر دائم، أو تأثير كبير على التفكير أو الذاكرة أو غيرهما.

تلف وانكماش "غير طبيعي"

تراوحت أعمار أفراد عينة الدراسة بين 51 و81 عاماً، وبلغ عددهم 785 مشاركاً في البنك الحيوي البريطاني، وهو مستودع للبيانات الطبية وغيرها من حوالى نصف مليون شخص في بريطانيا. خضع المشاركون لمسحتين للدماغ تفصلهما ثلاث سنوات تقريباً، الأولى قبل الإصابة بكوفيد والثانية بعد نحو أربعة أشهر من تشخيص الإصابة به.

وخضع المشاركون أيضاً لبعض الاختبارات المعرفية الأساسية. علماً أن غالبية المشاركين أصيبوا بالمتحور "ألفا". وسبق أن أُصيبوا بكوفيد بين آذار/ مارس 2020 ونيسان/ أبريل 2021.

"الأولى من نوعها"... دراسة جديدة ترصد حدوث تغيّرات في دماغ مصابين بكوفيد-19، بما في ذلك انكماش المادة الرمادية وتلف الأنسجة. هل تؤشّر هذه التغيرات إلى احتمال الإصابة بالخرف مستقبلاً؟

أما المجموعة الضابطة في التجربة، فضمّت 384 شخصاً لم يصابوا بكورونا. وكانت الخصائص الأخرى مماثلة للمصابين، كالعمر والجنس والتاريخ الطبي والحالة الاجتماعية والاقتصادية.

ووجد فريق الدراسة "انكماشاً وتلفاً" في أنسجة مناطق الدماغ المرتبطة بحاسة الشم. وأوضح الباحثون أن بعض هذه المناطق تشارك في وظائف المخ الأخرى.

مع التقدم في العمر، يفقد المرء جزءاً صغيراً من المادة الرمادية كل عام. على سبيل المثال، تراوح الخسارة السنوية الطبيعية في المناطق المتعلقة بالذاكرة بين 0.2 و0.3%.

لكن تبيّن أن مرضى كوفيد في الدراسة فقدوا جزءاً من المادة الرمادية أكبر من المشاركين غير المصابين. وراوح هذا الجزء بين 0.2 و 2 % من المادة الرمادية في مناطق الدماغ المختلفة أكثر من أقرانهم على مدى السنوات الثلاث التي غطتها التجربة.

ولاحظ فريق الدراسة أن مسح أدمغة مرضى كوفيد الذين احتاجوا إلى العلاج في المستشفى كان سيئاً، علماً أن عددهم في العينة كان 15 فقط. وهو لا يكفي لتقديم بيانات قاطعة أو القول إنه كلما كانت أعراض الإصابة بكوفيد أشد كان الضرر الحاصل للدماغ أكبر.

من النتائج المثيرة أيضاً أن الأشخاص الذين أصيبوا بـCovid حصّلوا درجات أقل من غير المصابين في اختبار معرفي يتعلق بالانتباه والكفاءة في أداء مهمة معقدة. لكن الخبراء يؤكدون أن الاختبار المعرفي كان بدائياً، وحجم الدراسة لا يسمح بتبيان مدى تأثير فقدان المادة الرمادية وتلف الأنسجة لدى مرضى كوفيد على مهاراتهم المعرفية.

الحاجة إلى مزيد من الدراسات

وفي حين بيّن الخبراء أن نتائج الدراسة مدهشة من ناحية مقدار الفقد في المادة الرمادية وانتشار ذلك بشكل ملحوظ بين المصابين بكوفيد، فهم يرون أنها غير كافية للجزم بوجود تبعات قوية لهذا الفقد من شأنها أن تؤثر على الإدراك المعرفي، ويحثون على إجراء المزيد من الدراسات لاستيضاح الأمر.

وترى سيرينا سبوديتش، رئيسة قسم الالتهابات العصبية في كلية الطب جامعة ييل، وهي غير مشاركة في دراسة، أن أهم قيمة للدراسة قد تكون الإشارة إلى أن "هناك شيئاً ما حدث في الدماغ لدى هؤلاء الأشخاص"، معتبرةً أن نتائج الدراسة يمكن البناء عليها.

فيما أكد الخبراء أن نتائج الدراسة مدهشة من ناحية مقدار الفقد في المادة الرمادية وانتشار ذلك بشكل ملحوظ بين المصابين بكوفيد، إلا أنهم يرون أنها غير كافية للجزم بوجود تبعات قوية لهذا الفقد 

وقال البروفيسور بنديكت مايكل من جامعة ليفربول: "إنها دراسة مهمة، لقد قاموا بعمل جيد… نحن بحاجة الآن إلى إجراء دراسات تتصل بالإدراك والأعراض النفسية والأمور السلوكية والعصبية ومعرفة ما يعنيه هذا للمرضى". يجري مايكل أبحاثاً عن التأثيرات العصبية النفسية لكوفيد لكنه لم يشارك في الدراسة.

وحذّر مايكل من أن النتائج لا يمكن تطبيقها على العديد من الأشخاص الأصغر سناً الذين لم تتمثل فئاتهم العمرية في عيّنة الدراسة، لا سيّما منهم الذين يعانون من ضباب الدماغ أو المشاكل الإدراكية الأخرى بعد كورونا.

ولفت كذلك إلى أن الدراسة قامت بقياس المادة الرمادية والأضرار في الأنسجة مرة واحدة بعد العدوى و"لا نعرف ما إذا كان مجرد تغيير عابر يتحسن مع اكتمال التعافي". وأشار إلى أن فريق الدراسة لم يحدد ما إذا كانت للإصابة الطويلة الأمد بكورونا تبعات أشد على الدماغ من عدمها.

ورأى عالم علم المناعة العصبية أفيندرا ناث أن "السؤال المهم" هو: هل التغيرات الدماغية الناتجة عن الإصابة بكوفيد يمكن أن تجعل هؤلاء المرضى أكثر عرضة للإصابة بالخرف أو بحالات العجز الأخرى في المستقبل؟

وتبقى الإجابة عن هذا السؤال رهن الدراسات المحتمل إجراؤها مستقبلاً في هذا الصدد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard