هل لا يزال إحصاء جميع المصابين بكورونا معبّراً عن الموقف الوبائي؟

الأربعاء 19 يناير 202206:10 م

خلال الآونة الأخيرة، أثار الارتفاع الكبير لإصابات كوفيد-19 مع أعراض خفيفة أو حتى بدونها، بفعل المتحور "أوميكرون"، تساؤلات العديد من خبراء الصحة الغربيين حول ما إذا كان الاستمرار في إحصاء الأصابات اليومية على الصعيدين الوطني والعالمي مجدياً أو يعكس الموقف الوبائي بدقة.

معروف أن إحصاء حالات كورونا نابع من الأمل في التغلب على الفيروس والوصول إلى "الحالة صفر" كما بدأ من "الحالة 1". لكن بدا أن القضاء على كورونا المستجد لم يعد مرجحاً. في حين أن رصدَ جميع حالات الإصابة لم يعد ممكناً في ظل غياب الأعراض التي تختلط لدى البعض مع نزلة برد عادية.

من هذا المنطلق، يدعو بعض خبراء الأمراض المعدية والصحة العامة إلى التوقف عن إحصاء الإصابات بوجه عام، إذ لم يعد انعكاساً دقيقاً للموقف الوبائي، أو حتى معياراً ملائماً لتحديد درجة وطبيعة التدابير الاحترازية الواجب اتخاذها.  

في الوقت نفسه، هم يرون أنه يمكن الاستفادة من المليارات المنفقة على المسحات في شراء المزيد من جرعات اللقاح أو حتى الأدوية التي طوّرت حديثاً لعلاج كوفيد، أو على الأقل تركيز الجهود والإنفاق على أشد الحالات مرضاً بحجة أن التقارير عن الأعداد الهائلة للإصابات اليومية تثير الفزع من دون داعٍ.

دول مثل الفلبين وسنغافورة شرعت في تطبيق هذا النهج أخيراً وتوقفت عن نشر تحديثات الحالات اليومية للمواطنين لتفادي إصابتهم بالقلق أو الإحباط نتيجة عودة الإصابات إلى الارتفاع في العام الثالث من الجائحة الذي كان يُرجى أن يشهد انحسارها.

على الجانب الآخر، يحذر خبراء من وقف إحصاء الحالات، لافتين إلى أن ذلك قد يؤدي إلى أن يخفف الأشخاص التدابير الأساسية مثل ارتداء أقنعة الوجه والتباعد الاجتماعي وتفادي الزحام في الأماكن المغلقة، أو تجاهلها تماماً على نحو يهدد بمزيد من الإصابات. 

"من المبكّر التفاؤل بنهاية الوباء"... خبراء يدعون إلى وقف إحصاء إصابات كوفيد والاكتفاء بالحالات الخطيرة والوفيات لترشيد الجهود والإنفاق والحد من الهلع، وآخرون يخشون أن يُغري ذلك الناس لإهمال التدابير الاحترازية 

إجراء بلا جدوى

يؤيّد د. صفوت حدادين، الخبير في الدراسات السريرية العالمية الأردني والمقيم في الولايات المتحدة، وجهة النظر الأولى، يقول لرصيف22: "لا فائدة فعلية حالياً من الإحصاءات التراكمية لأعداد المصابين"، لافتاً إلى أن ما يجعل انتشار فيروس كورونا وباءً هو خطورته إذ يتسبب بدخول العديد من المرضى المستشفيات وتهديد حياتهم. 

ويضيف أن "الصورة الواضحة" لتأثير الوباء تتضح لدى إحصاء أعداد المعالجين في المشافي بفعل الفيروس ومضاعفاته أو المتوفين به لا بإجمالي الإصابات. وينبّه إلى أهمية الفصل بين الوفاة نتيجة مضاعفات كورونا ووفيات ناتجة عن أسباب أخرى.

لكن حدادين يرى أن إجراء الاختبارات قبل السفر وارتداء أقنعة الوجه والتزام مختلف التدابير "أمور ضرورية" ما دامت نسبة التطعيم عالمياً منخفضة، لا سيّما أن الانتقال والسفر من عوامل نقل العدوى وتزايد طفرات الوباء جراء تغير البيئات الحاضنة. يقول: "إذا ارتفعت نسبة التطعيم عالمياً، فستتراجع الإغلاقات حُكماً وسُيعاد النظر فيها لانحسار أثر الفيروس".

دعوة إلى التريث والحذر

في غضون ذلك، يخشى د. تمّام العودات، المدير التنفيذي لمركز الصحة العالمية في المعهد العالي للدراسات الدولية والتنموية في جنيف، أن يغري عدم إعلان الحالات اليومية المواطنين بإهمال الإجراءات الاحترازية، وبخاصة في الدول العربية حيث "هناك العديد من الناس الذي يرون أن الوباء ليس المشكلة الكبرى في حياتهم وإنما مصاعب الحياة والفقر وأمراض أخرى أكثر خطورة".

ويرى الطبيب السوري أن "تقديم قدر أكبر من المعلومات بشكل شفاف يمنح الناس الثقة في السياسات المتبعة ويدفعهم لاحترام القوانين بينما الوقف العشوائي لإحصاء الحالات قد يكون خطيراً إذا لم تُتبع معايير أخرى لمراقبة الوضع الوبائي". 

ويشرح لرصيف22: "الدعوات من هذا القبيل تتعامل مع الوباء من الناحية الإحصائية فقط. لكن للأسف، الوباء له انعكاسات اجتماعية واقتصادية بالإضافة إلى أعداد المرضى والوفيات".

"الفترة المقبلة وظهور متحورات جديدة سيكونان المؤشر على تحوّل كورونا إلى فيروس اعتيادي لا يرتقي إلى وصفه بالوباء"... هل بلغنا مرحلة "مناعة القطيع" في ما يتعلق بكوفيد-19؟

ويلفت إلى أن أعداد الإصابات لم تكن معبّرة عن الحالة الوبائية بشكل دقيق على الإطلاق لأن القدرة على الإحصاء بدقة اختلفت بين الدول الغنية والفقيرة منذ بداية الجائحة. "الإحصاء الوبائي كان مضللاً لا سيّما في الدول الفقيرة والمتوسطة الدخل. لذا رأينا أن الإصابات كانت أكبر بكثير في أوروبا على سبيل المثال من أفريقيا"، يقول.

مع ذلك، يعتقد د. العودات أن الاكتفاء بإحصاء الحالات الخطيرة والوفيات "قد يكون مفيداً في الدول الغنية حيث يمكن الإحصاء الدقيق". لكنه يحذر محدداً من أن وقف إحصاء الإصابات اليومية قد يكون مضراً من المنظورين الاجتماعي والسياسي إذ "قد يعطي انطباعاً بأن الوباء اختفى أو قلت حدته، وتالياً قد نرى الناس يتجاهلون التدابير الاحترازية شيئاً فشيئاً".

علاوة على أن "وقف المسحات لا يضمن الإنفاق على أشد الحالات ضعفاً، بل قد يعطي الطبقة السياسية انطباعاً بأن الوباء خفّت حدته فتوقف الإنفاق المخصص أو تقلله"، وفق قوله.

"وقف المسحات لا يضمن الإنفاق على أشد الحالات ضعفاً، بل قد يعطي الطبقة السياسية انطباعاً بأن الوباء خفّت حدته فتوقف الإنفاق المخصص أو تقلله"

نهاية الوباء؟

يفسر كثيرون، عن طريق الخطأ، التفشي الكبير مع خفة الأعراض على أنه مرادف لمرحلة "مناعة القطيع" التي بشّر بها سياسيون وخبراء في بداية الجائحة، أو على الأقل أن الوباء تحول إلى عدوى موسمية كالإنفلونزا.

يرفض د. حدادين هذه الفكرة، ويوضح أن "ضعف الفيروس في حالة المتحور أوميكرون ملحوظ جداً. لكن الفترة القادمة وظهور متحورات جديدة ومدى خطورتها ستكون المؤشر على تحوّل كورونا إلى فيروس اعتيادي لا يرتقي إلى وصفه بالوباء".

ويتفق معه د. العودات الذي يقر بأن ضعف أوميكرون "قد يكون في بعض الحالات بداية النهاية لوباء من هذا النوع. ولكن لا يمكن ضمان هذا إذ قد تظهر متحورات أخرى أقوى أو يتطور الوباء بعدة أشكال مختلفة".

ويختم: "من المبكّر التفاؤل بنهاية الوباء. علينا مراقبة أوميكرون والمتحورات الأخرى ومتابعة علاج الحالات الخطيرة والتزام الإجراءات الوقائية وفق الحالة الوبائية في كل بلد".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard