قراءة شعرية وشاعرية في لغة الغربة اليابسة

السبت 27 فبراير 202110:47 ص

أتقفّى آثار اللغة العربية في مكان لا أفهمه. وأقلب جميع المفردات إلى معان أحفظها، وأقول في نفسي ولغربتي، كما يقول الثعالبي في كتاب "فقه اللغة وسِر العربية": "كلّ ما علاكَ فأظلّك فهو سماء".

هل يعتبر هذا سقفاً إذن؟ وهل سقف بيت مثقوب بمسامير الذاكرة، يعتبر سماء؟ 

لسمائي الملبدة إذن ثقوب للذاكرة، للغربة.

يقول الثعالبي أيضاً: "البَرْزَخُ ما بَيْنَ كُلِّ شَيْئَين".

 فهل بيني وبين هذه السماء برزخ، وبيني وبين الشام برزخ، وبيني وبين لغتي، عالم آخر لا منته؟

يفرقني البرزخ إذن عن كل ما لم ألتصق به. وأنا لم أستطع أن أبقى، ولهذا رحلت. 

وأول الرحيل دمع وشوق وتليهما غربة. والغربة تتمثل بالأرض القَفر، وبالدار الخاوية، ولربما أيضاً بالطَرْف المغرورق بالدمع. 

وتأتي غربتي في يوم خرجت فيه من منزلي الأول، ولم أعلم أنني لن أعود إليه بعد ذلك. 

أن تصبح غريباً عن مكان لأنك فارقته، فهو تغرّب، وأن يستغرب الناس لقاءك بعد سنوات في مكان كان يظلّك فهي غربة، وأن تُغرِب وجهك عما لا يمكنك أن تنقذه وعمّن يحتاجك، لأنك لن تصل إليه في الوقت المناسب، فذلك هو البرزخ بينك وبين من تحب. 

نحن لم نرحل فُرادى، ولكننا رحلنا بسبب حرب ضارية. كنا مهددين بالموت، بالفقدان، بالاختفاء، بالتغييب وبالغياب. 

فاخترنا الحياة واخترنا غربتنا، فقدّمنا لمن بقوا هناك، وحدتنا ووحدتهم. 

وبحثاً عن الرغد، وهو ما لان من العيش، اخترنا هذه المنافي القاحلة من أحبتنا. 

أن تصبح غريباً عن مكان لأنك فارقته، فهو تغرّب، وأن يستغرب الناس لقاءك بعد سنوات في مكان كان يظلّك فهي غربة، وأن تُغرِب وجهك عما لا يمكنك أن تنقذه وعمّن يحتاجك، لأنك لن تصل إليه في الوقت المناسب، فذلك هو البرزخ بينك وبين من تحب

البحث في الشتات عن الكثير من الحياة

بحثت عن الكثير من الحياة والرغبة، فنحن منذ رحيلنا قد غرقنا في بحر هائج من الهموم، وعثرت أثناء بحثي عن الحياة على كل الكلمات التي تساعدني لأفهم مشاعري، فتعمقت أكثر في لغتي العربية.

 ولم يأت هذا من رغبتي بتقديس اللغة أو انعزالي عن لغة المحيط الجديد، ولكن لأنها ببساطة اللغة الأقدر على التعبير والتوضيح بالنسبة لي، وهي نفسي وذاتي، ومنطقي ومنطوقي. 

وجدت أثناء بحثي، أن الشعور بالغربة مرتبط ارتباطاً عميقاً بالشُّح والقلّة في كل شيء. ويبدو أن هذا قد يصيبنا أينما كنا. فشحّ الأصدقاء، قلة الموارد وانقطاع الأحبة، وحتى قلة المطر، جميعها تشعرنا بالغربة. 

 الثعالبي: "الضَففُ هو قلّة العيش"، وأعتقد أن الغربة في الشعور تعادل قلّة الرغبة بالحياة وعدم الاكتراث بمتاعها، ما يدفع الباحثين عن السّكينة إلى الانعتاق نحو كل ما يبعدهم عن الواقع، وعن القسوة التي تولّد في مخالجهم قلة العيش وشحّ السكينة، وإن كان ذلك عبر الغرق في عالم مواز فاقد للوعي الكامل. 

 وأما في الضيق يقول الثعالبي: "معيشة ضنك".  

الطمأنينة هي ما أرنو إليه في غربتي، وما أرجوه لكل من لهم من هذا المنفى نصيب.

لا تقتصر المعاني هنا على الأشياء الملموسة، بل والمحسوسة أيضاً بطبيعة الحال. وعن لين العيش وهنائه يقول: "عيش أخضَر". والأخضر شقيق الخير والعطاء والرغد.

ترتبط الغربة بالوحدة، ولكنها تختلف عن العزلة التي يختارها الإنسان طوعاً ليخلو بنفسه، فالخلوة حلوة والغربة مرّة. 

ولهذا يمكن أن يشترك مجموعة من الأصدقاء بشعور الغربة معاً، حتى في سلواهم، فالغربة ترتبط بالكثير من المعاني ولا تعني الوحدة فقط. 

وقد تأتي أعوام كاملة من الغربة على أهل مدينة، أو على شعب واحد، أو على أفراد يعيشون معاً. 

وفي التفكير الأعمق، أردت أن أعرف كيف نتخلص من غربتنا عن طريق المعاني، وهل الأُلفة تعاكس في المعنى الغربة؟ 

الألفة هي كل ما نعرفه وننتظره، حتى وإن لم نكن بالضرورة نحبه. فانتظارنا للثلج الأوروبي في الشتاء يسبغ ألفة على حياتنا القادمة، وانتظارنا للزهر في أول الربيع ولليمون في آخره، يعني استقرارنا وتطلعنا إلى الأمل. وفي ألفة منازلنا وروائحنا وطعامنا وشرابنا ذاكرة ماضية، ولكنها حاضرة عن ما ومن أحببنا، وكل ذلك نصنعه بالأُلفة لننفي غربتنا. 

لكن يظل اللقاء بالأحبة هاجساً ملحّاً، حتى نلتقي بهم في غربتنا، فيتفكك الشعور المكتمل، ونشعر بانتقاص واضح لسعادة كنا نحلم بها، وندرك مع مرور الوقت أننا نسعى لما هو مألوف لنا كي ينفي غربتنا. فوجودنا هناك في زمن ماض هو المألوف، وليس وجودهم معنا في مكان لا زال يعدّ غريباً وغير مألوف للذاكرة. 

لكن يظل اللقاء بالأحبة هاجساً ملحّاً، حتى نلتقي بهم في غربتنا، فيتفكك الشعور المكتمل، ونشعر بانتقاص واضح لسعادة كنا نحلم بها، وندرك مع مرور الوقت أننا نسعى لما هو مألوف لنا كي ينفي غربتنا

في الألم والعِلّة وأوصافهما

كلما استغرقت أكثر في البحث عن المعاني التي أشعر بها، أجد أن اللغة بُنيت بصلافة، وأن الشعور حوّلها إلى لغة شاعرية. وهل الشعراء سوى أولئك الذين يحولون جمود الواقع إلى شعور محسوس ومقروء؟ 

يقال عمن يصيبه مرض: "عليل ثم سقيم"، وأما إذا اشتدّ المرض فهو "حَرِضٌ، بمعنى أنه لا حيٌّ فيُرجى، ولا مَيتٌ فَيُنسى".

لا يسعني أن أفكر بدمشق دون أن تبارحني هذه الفكرة. وأسمع صوتاً عميقاً بالعامية يقول: "الحي أبقى من الميت". وهل بقيت سوريا حية فينا أم ميتة؟ لا كلام ينصفها سوى أنها لا تسمع الرجاء فتجيبه، ولا تتوارى عن القلب فتغيب فيه. 

حاضرة حضور الحي، غائبة غياب الميت. 

وتمتلئ عيناي بالمهَجِ إذ استغرق في أفكاري: "المُهجة دم القلب، أما الجسد فهو الدم إذا أيبَس". فلا أكفّ عن امتلاك اللغة أكثر، وتدهشني أصول الكلمات ومعانيها، وكيف استخدمها لسان العرب. 

أتوقف عن البحث عند حد أصنعه كي أحمي نفسي وشعوري، فالاستغراق يدفع بي نحو أعماق الكلمات ونحو أعماق شعوري. فيفصلني عن الواقع الناطق باللغة التشيكية حيث أعيش، ويصيبني بالسكتة. 

"السكتة أن يكون الإنسان كأنه مُلقى كالنائم، يغطّ من غير نوم، ولا يحسّ إذا جُسَّ". وأنا لا أريد أن أفقد الإحساس لاشتداده، فما زاد عن حده طفا على كل ما حوله، وأنا إذ أبحث عن المعنى أبحث عن سكينتي وسُكناي. 

والسّكينة، مصدرها السَكَن، والمرأة السكينة هي الخفيفة، ظريفة الروح، والسكينة هي الطمأنينة. 

الطمأنينة هي ما أرنو إليه في غربتي، وما أرجوه لكل من لهم من هذا المنفى نصيب. 

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard