"تحرير الشام" تلاقي النظام... المرحلة الأخيرة في "تطهير" إدلب من غير المسلمين؟

الاثنين 7 مارس 202205:37 م

لم يتبقَّ لجوزيف زافين من أملاكه في إدلب، شمال سوريا، سوى بضعة مفاتيح يحتفظ بها في حقيبة كنوزه الثمينة من الأشياء القديمة، بعد هروبه وعائلته من المدينة باتجاه العاصمة دمشق كما يروي، إثر تهديدهم من قبل عناصر هيئة تحرير الشام كونهم من الطائفة المسيحية.

فبموجب قرارات أصدرتها الهيئة الشرعية في الهيئة على مراحل، باتت مزرعة جوزيف ومنزله ومتاجره الثلاثة من أملاك الهيئة التي باعت مزرعته لمقاتل من الجنسية التونسية، وأجّرت محالّه لمدنيين في إدلب، أمّا منزله فقد استوطنت فيه عائلة من الغوطة الشرقية في دمشق.

يروي جوزيف (73 عاماً)، لرصيف22، أنه "وكّل صديقه، وهو مسلم من إدلب، بموجب وكالة عامة، إدارة أملاكه وتأجيرها، وكان يتلقى قيمة أجرة أملاكه حتى العام الماضي، ويقول: "من خلال قرار الفصيل المسيطر على إدلب بمصادرة أي ملك لا يديره أصحابه الأصليون، أسقطوا حقنا في أملاكنا، واستولوا على كل ما نملك، وصارت الإيجارات تذهب إلى خزانة الهيئة منذ بداية العام وقبل قرار الهيئة الأخير بمصادرة كل ممتلكاتي. ومنذ نحو أسبوعين، فوجئت بصديقي يبلغني بأن الهيئة أمهلته ثلاثة أيام لتسليمها عقاراتي، وهو بالطبع لا يمكنه إلا تسليمها".

مصادرة 400 عقار

وتكشف مصادر محلية في المدينة، أن لجنة الغنائم في هيئة تحرير الشام قد استحوذت على 400 عقار من بينها جمعيات سكنية ومنازل ومحال تجارية تعود ملكيتها لمدنيين من الطائفة المسيحية، وعسكريين مقيمين خارج إدلب،.

يروي ناشطون من مدينة إدلب لرصيف22، أن "لجنة الغنائم تشرف على مصادرة البيوت وتوزيعها على مقاتلين وقادة في الهيئة، بعضهم من جنسيات عربية وأجنبية، أما المحالّ التجارية المستحوذ عليها، فتؤجرها اللجنة مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 125 و175 دولاراً".

لجنة الغنائم في هيئة تحرير الشام قد استحوذت على 400 عقار من بينها جمعيات سكنية ومنازل ومحال تجارية تعود ملكيتها لمدنيين مسيحيين

وتحت تهديد السلاح والضرب المبرح، أُجبر جوان محمد (40 عاماً) وهو كردي، على الهروب من إدلب أواخر العام 2015، إبان سيطرة الهيئة على المدينة، فنزح مع عائلته المكونة من سبعة أشخاص إلى عفرين ومنها إلى تركيا بعد احتلال عفرين من قبل المجموعات السورية المعارضة للنظام والموالية لأنقرة في آذار/ مارس 2018، لتكون ألمانيا هي محطته الأخيرة في رحلات النزوح والهجرة.

يقول جوان المتحدر من مدينة عفرين، والذي عاش في إدلب لرصيف22، إن "الهيئة كفّرته واتهمته بالإلحاد والشرك بالله وخيّرته بين قتله وعائلته أو الخروج من المدينة"، فلم يكن من خيار أمامه سوى ترك كل شيء والنجاة بحياة عائلته، ليبدأ رحلةً كان يعتقد أنها ستنتهي في وقت قريب، لكنه لم يكن يعلم أنه من الممكن ألا يرى منزله الذي استولت عليه الهيئة سابقاً، وأكملت اليوم باستيلائها على محلّه، مرةً أخرى.

ولم تختلف قصة أيهم علي، الشاب العلوي من قرية الزنبقي في ريف إدلب الغربي، عن قصة جوان، فهو أيضاً تمّ ترحيله قبل أربع سنوات، لتعود الهيئة وتصادر أملاكه في المدينة قبل أيام، بعد أن كانت قد استولت على أرضه ومنزله في القرية قبل سنوات.

وقال علي الذي هاجر إلى ألمانيا لرصيف22، إن قريته واحدة من القرى العائدة للطائفة العلوية التي منحها متزعم جبهة النصرة (تحرير الشام) محمد الجولاني، كاملةً لعائلات الحزب التركستاني (مقاتلون من الإيغور المسلمين الذين قدموا من الصين)، في ريف اللاذقية ومناطق من حلب وإدلب التي تحولت إلى مستعمرات لهؤلاء المتشددين.

يشعر أيهم بأنه فقد هويته ووطنه بعد تهجيره من قريته التي لا تغيب عن باله. الأخبار الواردة من داخل إدلب وريفها عن إكمال الهيئة إحكام قبضتها على ما بقي من أملاك المهجرين، نكأت جراح الشاب، واستثارت أيضاً ذكريات طفولته وشبابه وطقوس قريته الجبلية التي يبدو أنها ستبقى ذكرى

عقارات النصارى

وبدأت هيئة تحرير الشام منذ عام 2018، بإحصاء ما أسمته "عقارات النصارى"، تمهيداً للاستيلاء عليها وهو تستكمله اليوم، ويقول القانوني فراس همزان، المتحدر من إدلب، لرصيف22، إن "الهيئة تمنع وكلاء أملاك المغيبين من استخدامها بغرض تأجيرها أو بيعها، وتقوم بتوطين مقاتلين من جنسيات مختلفة مع عوائلهم في أملاك السوريين، فلا يستطيع الوكلاء حماية أملاك موكليهم بعد إخطارهم بتسليم الأملاك بعد ثلاثة أيام من القرار".

ويروي همزان، أن الهيئة ومنذ سيطرتها على مدينة إدلب وريفها، وضعت يدها على ممتلكات المدنيين بحجج واهية بموجب قرارات تعسفية تندرج في دائرة التغيير الديموغرافي على غرار مناطق النظام السوري.

بدأت هيئة تحرير الشام منذ عام 2018، بإحصاء ما أسمته "عقارات النصارى"، تمهيداً للاستيلاء عليها وهو تستكمله اليوم

وكانت "سوريون من أجل الحقيقة"، وهي منظمة معنية بتوثيق الانتهاكات في سوريا، قد وثّقت خلال عامي 2018 و2019، مصادرة ما لا يقل عن 1،300 منزل ومحل تجاري، تعود ملكيتها لعائلات مسيحية، 550 محلاً ومنزلاً منها في إدلب، بالإضافة إلى 750 منزلاً في قرى ريف جسر الشغور، من قبل هيئة تحرير الشام وتنظيم حراس الدين ومقاتلي الحزب الإسلامي التركستاني، وذلك بحجة غياب أصحابها.

يقول همزان إن "الهيئة تجني من عائدات إجارات أملاك المغيبين سنوياً ملايين الدولارات، وتستثمرها لصالحها، لذا تعمد إلى استكمال مشروعها التوسعي من خلال الاستيلاء على كل الممتلكات، ولا تتهاون في إخراج المستأجرين من قادة الفصائل الأخرى وعناصرها وعوائلهم، تحت تهديد السلاح وشن معارك ضد كل من يعترض طريقها من المجموعات الجهادية في إدلب إن تأخروا في دفع إجارات ممتلكات".

وعانى المسيحيون البالغ تعدادهم عشرة آلاف مواطن حسب إحصائيات محلية في إدلب، ويتوزعون في مركز المدينة وريفها الغربي في قرى حلوز والغسانية واليعقوبية والجديدة والقنية ومناطق في جسر الشغور، لكن عددهم تضاءل منذ عام 2015، بعد سيطرة فصائل جهادية عليها أبرزها جبهة النصرة التي عُرفت في ما بعد بهيئة تحرير الشام.

صادرت هيئة تحرير الشام أي ملك لا يديره أصحابه الأصليون، فأسقطوا حقنا في أملاكنا، استولوا على كل ما نملك، ووزعوها على مقاتلين أجانب وغيرهم، ونحن أهل البلاد، نُراقب بصمت وحزن ونرى كيف تنقطع أمامنا سبل العودة 

ويشير همزان إلى أن "العديد من الأديرة تعرضت لانتهاكات جسيمة من قبل الفصائل المسيطرة على المدينة، كقطع أشجارها لبيعها واتخاذهم الكنائس مقرات عسكريةً، كما تعرض المسيحيون لتهديدات بالقتل والخطف الذي استهدف نحو ستة مسيحيين بغرض الابتزاز المادي، الأمر الذي دفعهم إلى ترك ممتلكاتهم والنجاة بأرواحهم".

وقامت الهيئة في السنوات الأخيرة، بشن حرب كبيرة على فصائل كثيرة في إدلب، بهدف بسط سيطرتها على المدينة، فحاربت فصائل مثل جنود الشام وحراس الدين وغيرهما، وسبق أن حاربت فصائل معتدلة وقضت عليها، وهي اليوم تحكم وحدها في إدلب بعد أن استطاعت فرض سيطرتها العسكرية عليها.

حجم التغيير الديمغرافي

عمليات التهجير التي تحصل اليوم في إدلب، كما في بقية الجغرافية السورية، ليست جديدةً، إذ إن عمليات التهجير ومنذ بداية الحرب السورية مستمرّة، وكان قد بدأها النظام السوري قبل سنوات في دمشق وريفها ودرعا وحمص وغيرها من المناطق، وعاونته في ذلك الميليشيات التابعة لإيران وفي مقدمتها حزب الله اللبناني.

ومن جهة ثانية، لعبت سلطات الأمر الواقع في المناطق المدعومة من تركيا دوراً خطيراً في تغيير جغرافية المنطقة وتغيير التركيبة السكانية فيها كما حصل في مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية، بعد تهجير أهلها وتوطين عوائل تركمانية وفلسطينية ومن جنسيات مختلفة في منازل المدنيين الأكراد على غرار ما حصل في مدن إدلب وحماه ودمشق وغيرها".

ويذكر همزان أن نظام (الرئيس السوري بشار) الأسد الذي أصدر القانون رقم 10 لسنة 2018، قد شرّع لنظامه مصادرة أملاك المهجرين السوريين من مناطقهم، ومنحها على طبق من ذهب لقادة ومسؤولين إيرانيين وعوائلهم وميلشياتهم في دمشق وريفها وتدمر وحماه وحلب والبوكمال والميادين وغيرها من المدن الواقعة تحت سيطرته، بعد قصفه المدن والبلدات السورية بالطائرات الحربية والبراميل المتفجرة وتدميره بيوت السوريين منذ بداية أزمة البلاد.

عمليات التهجير ومنذ بداية الحرب السورية مستمرّة، وكان قد بدأها النظام السوري قبل سنوات في دمشق وريفها ودرعا وحمص وغيرها من المناطق

وفي تقرير نُشر أواخر الشهر الماضي، حذّرت "سوريون من أجل الحقيقة"، من أن الحكومة السورية ما زالت تماطل في عودة السكان إلى عين الفيجة وبسيمة وعين الخضراء في منطقة وادي بردى في ريف العاصمة دمشق، بعد استيلائها على منازلهم وفق قوانين ومراسيم ظالمة.

ويُلزم القانون الذي أصدره الأسد، مالكي العقارات بتقديم أوراقهم الثبوتية خلال ثلاثين يوماً (ثم مددت المدة سنةً)، وإلا فإنهم سيخسرونها لصالح الدولة، وهو ما يرى همزان أنه فُصّل لغاية واضحة، هي مصادرة النظام ورئيسه، أملاك السوريين.

وحول استرداد الحقوق وعودة الأملاك العقارية لأصحابها، وتثيبت ملكيتها، يشير همزان إلى أن القانون الدولي "وعلى الرغم من أنه يحظر الاستيلاء على الملكيات لأسباب دينية، إلا أن عملية إعادة الحقوق لأصحابها صعبة ومعقدة مع تزوير أجهزة النظام سندات الملكية وإتلاف السندات الأصلية، حتى الإلكترونية منها، وتسجيل عقارات السوريين بأسماء قادة الميليشيات الإيرانية وعوائلها، بعد منح العديد منهم الجنسية السورية".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard