تغريد الرشق يقودها للاحتجاز… التغريد ممنوع في الأردن

الاثنين 7 مارس 202204:26 م

لأكثر من 11 ساعةً استمر احتجاز الصحافية الأردنية "تغريد الرشق"، في مطار الملكة علياء، بعد عودتها إلى المملكة، الإثنين الماضي، قبل أن يفرَج عنها بكفالة مالية، إلى حين مراجعة المدّعي العام، على خلفية شكوى جرائم إلكترونية تقدّم بها الكاتب أحمد سلامة إثر تغريدة وصفته فيها بأنه "كاتب جاهز للقصف باسم الدولة".

الرشق الأردنية، ليست وحدها من احتُجزت حريتها بناءً على شكوى جرائم إلكترونية، فهناك مئات الأردنيين من الناشطين والصحافيين والحزبيين واجهوا سوط قانون الجرائم الإلكترونية، خلال السنوات الماضية، ولا تزال المطالبات الشعبية بسحب القانون أو تعديله قائمةً منذ إقراره عام 2015، وهو ما دفع الكثيرين للتضامن مع الصحافية عبر صفحات التواصل الاجتماعي، واصفين ما حدث لها بالممارسات السلطوية البالية.


جريمة الأردن إلكترونية

هناك بَونٌ شاسع بين النظرية والتطبيق في الأردن، مثل الاتساع بين الهدف المعلن لوضع قانون الجرائم الإلكترونية، وبين ما يُستخدم فعلاً من أجله.

في عام 2015، تم إقرار قانون الجرائم الإلكترونية الذي قوبل بعاصفة من الانتقادات من قبل الصحافيين والمهتمين بالشأن العام خشية أن يتحول إلى سيف في يد الدولة مسلّط على رقاب منتقضيها.

تغريد الرشق، ليست وحدها من احتُجزت حريتها بناءً على شكوى جرائم إلكترونية، فهناك مئات الأردنيين من الناشطين والصحافيين والحزبيين واجهوا سوط قانون الجرائم الإلكترونية، خلال السنوات الماضية

وفقاً لقانون الجرائم الإلكترونية، يُستخدم مصطلح "الجريمة الإلكترونية" عادةً لوصف الأفعال التي ضد سلامة بيانات الكمبيوتر أو أنظمته، وسرّيتها وتوافرها، بالإضافة إلى الجرائم التقليدية المرتكبة من خلال الإنترنت وتكنولوجيا الاتصالات.

وتُعنى وحدة الجرائم الإلكترونية، بالتحقيق في جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والإنترنت، مثل سرقة حسابات البنوك عبر الإنترنت، وجرائم التهديد والابتزاز، وجرائم القرصنة، وتعمل على تقديم الدعم الفني والتقني لإدارة البحث الجنائي. وتشمل الجرائم الإلكترونية كافة الجرائم المنصوص عليها في القوانين الأردنية.

إلى هنا تبدو الأمور منطقيةً وسلسةً، لكن ما أثار المخاوف حين صدر القانون، هي المادة 11 منه، والتي وصفها الكثيرون حينها بالمادة الضبابية التي تعطي مساحةً للسلطة للقبض على من لا ترضى عن أفكاره وكتاباته.

وتنص المادة مثار الجدل، على أنه "يعاقَب كل من قام قصداً بإرسال أو إعادة إرسال أو نشر بيانات أو معلومات عن طريق الشبكة المعلوماتية أو الموقع الإلكتروني أو أي نظام معلومات، تنطوي على ذم أو قدح أو تحقير أي شخص، بالحبس مدةً لا تقل عن ثلاثة أشهر وبغرامة لا تقل عن مئة دينار ولا تزيد عن ألفي دينار".

الأرقام تواجه السلطة

نظرة على الإحصاءات الرسمية الصادرة عن وحدة الجرائم الإلكترونية في الأمن العام الأردني، والمركز الوطني لحقوق الإنسان، تخبرنا عن زيادة طردية ملحوظة في أعداد القضايا المسجلة من قبل الأمن الأردني، إذ بدأت الرحلة عام 2017، بـ1،161 قضيةً، ثم ازدادت في العام التالي إلى 1،821 قضيةً، وفي العام الذي يليه وصلت إلى 7،500 قضية، لتصل في العام 2020، إلى 9،500 قضية!

"المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية، تسمح بحبس الناشطين والصحافيين جراء الكتابة عبر الفضاء الإلكتروني أو توقيفهم، ولذلك تطالب الحركة الحقوقية بتعديل المادة أو سحبها"

رصيف22 التقى بالرئيس التنفيذي لمركز حماية وحرية الصحافيين في الأردن، نضال منصور، الذي تحدث عن أوضاع الصحافيين في الأردن، اليوم، ومخاوفهم، قائلاً: المادة 11 من قانون الجرائم الإلكترونية، تسمح بحبس الناشطين والصحافيين جراء الكتابة عبر الفضاء الإلكتروني أو توقيفهم، ولذلك تطالب الحركة الحقوقية بتعديل المادة أو سحبها.

يستطرد منصور قائلاً: إن كل ما سبق، جزء بسيط من منظومة التشريعات الأردنية التي تجب مراجعتها لتتواءم مع المعايير الدولية التي تحمي حرية التعبير وحرية الصحافة والإعلام وحقوق الإنسان وتصونها.

تغيير تكتيكي في مسار الإخضاع

تتزامن حادثة احتجاز الصحافية الرشق، مع إعلان نتائج تقرير مؤشر حرية الإعلام في الأردن، والذي شخّص حالة الإعلام الأردني، حاملاً عنوان "إعلامٌ مُكبّلٌ".

وأشار التقرير إلى تغيّر نوعي في تكتيكات الدولة لجهة التعامل مع الصحافيين، إذ تراجعت التدخلات السافرة والمباشرة من قبل الأجهزة الأمنية، وأُوكِلت المهمة إلى رؤساء التحرير.

كما أظهرت نتائج التقرير أن 14% من العيّنة المستجيبة يرون أن البيئة السياسية "غير حرة"، و56% يرون أنها "مقيّدة"، بينما يرى 25% أنها مقيّدة جزئياً، في حين يرى 4% أنها "حرة". ولا تتعلق البيئة السياسية بالتشريعات الناظمة لحرية الرأي والتعبير والإعلام، بل تتعدى ذلك إلى استمرار التدخلات الحكومية وحتى الأمنية في عمل الإعلام.

وخلُص التقرير إلى أن الجسم الصحافي بات يدرك أن فضاء عمله وهوامشه ومساحاته تضيق كل يوم، وأن الانتهاكات غير الجسيمة تعُمّ وتتوسع، فالوصول إلى المعلومات صعب ومتعذر، وعدم الإجابة على أسئلة الصحافيين وحجب المعلومات عنهم، أمران شائعان في المؤسسات العامة.
نتائج التقرير لا تختلف كثيراً عن الأحاديث التي تُناقَش بين الأردنيين، حول قدرة النظام الأردني على التناغم مع حديثه حول الإصلاحات السياسية ومنظومة التحديث التي يعمل عليها، وسط إجراءات أمنية تضيّق الخناق على الناشطين والحزبين والصحافيين، على الرغم من أن كل التصريحات الرسمية تتحدث عن انفراجة سياسية على مستوى الحريات العامة.

بين احتجازات أو تضييقات تكشفها الأرقام، وإنكار لفكرة "القبضة الأمنية" تؤكدها التصريحات، يظل الثابت والملموس أن الكثير من الصحافيين الأردنيين باتوا يولّون وجوههم شطر مؤسسات إعلامية خارجية، تحت أسماء وهمية خشية المساءلة والمحاكمة

عمان لا تعرف القبضة الأمنية

لكن على الضفة الأخرى، هناك من يرى الأمور بشكل مختلف تماماً.

رصيف22 التقى بمصدر رسمي -فضّل عدم ذكر اسمه- رفض الحديث عن "قبضة أمنية"، عادّاً المصطلح دخيلاً على المجتمع الأردني، ومؤكداً أن التقاضي حق للجميع، وفي حال أساء مواطن إلى آخر، فمن حقه أن يتوجه إلى القضاء للبت في القضية.
ويضيف المصدر أن قانون الجرائم الإلكترونية لم يكن يوماً سيفاً مسلطاً على رقاب الأردنيين، بل هو لمساعدتهم في حال تعرضهم لأي اختراق أو ابتزاز أو إساءة أو تحقير من قبل أي شخص.

بين احتجازات أو تضييقات تكشفها الأرقام، وإنكار لفكرة "القبضة الأمنية" تؤكدها التصريحات، يظل الثابت والملموس أن الكثير من الصحافيين الأردنيين باتوا يولّون وجوههم شطر مؤسسات إعلامية خارجية، تحت أسماء وهمية خشية المساءلة والمحاكمة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard