شكري بلعيد وخطيئة الإسلاميين في تونس

الثلاثاء 8 فبراير 202204:53 م

في اليوم السادس من شهر شباط/فبراير عام 2013 وعندما كان يستعد ليبدأ يومه الجديد، ويهم بمغادرة منزله أردي بأربع رصاصات كانت واحدة بالرأس، وواحدة بالرقبة، ورصاصتان بالصدر؛ رصاصات قلبت تونس رأساً على عقب، وحادثة أدانها العالم بأسره، وغدا شكري بلعيد رمزاً.

لم أكن أعرف في ذلك اليوم وأنا أجري معه لقاءً صحفياً أنه سيُغتال بعد أيّام قليلة. لا أحد طبعاً كان يعرف ذلك إلا من خطّط لاغتياله ونفّذ. مع أنّ المناخ العام في تونس في عام 2013 كان مشحوناً ومتوتراً ومليئاً بالصراعات، وكانت هنالك إرادة جلية لأسلمة المجتمع ولفرض ثقافة اللون الواحد، ذلك اللون الذي يلغي بقية الألوان المتعددة والمتنوعة، من خلال احتدام لغة العنف، ومعاداة النخب، وقتلها معنوياً في تكفير المثقفين/ات والمفكرين/ات والأكاديميين/ات والصحفيين/ات والفنانين/ات، وكان العنف مضاعفاً على النساء حيث شنّت حملات كبيرة للتراجع عن حقوقنا المنقوصة أصلاً، وتعالت خطب القرون الوسطى وازدهرت معاجمها ليعكس المناخ العام مظاهر التخلّف والجهل والفتنة والتحريض، وأصبحت النساء التونسيات مرمى الجماعات المتطرّفة، وكان الخطاب المزدهر في الفضاء العام عن معاجم الإسلام السياسي ومشاريعه وصكوك غفرانه التي تناست أنّ تونس متعددة ولا تقبل بالتناحر. ولكن خطيئة الإسلاميين في تونس أيضاً أنهم صدّروا كل قيمهم إلى السماء، ونظروا إلى أوطانهم بعيون القرون الغابرة.

في اللقاء الصحفي الأخير لم يكن يرتدي قبعته المعهودة، وضع حقيبته وجلس وكان يبتسم. يتكلّم بفصاحة ولا يتردّد في الإجابة أبداً. وعندما انتهى اللقاء قال لي "اختاري صورة جميلة لهذا الحوار". نظرت له أستفسر عن معنى "صورة جميلة" تحديداً، فقال: "أحبّ الصورة التي أكون فيها مبتسماً".

حمل اغتياله عدّة أبعاد رمزية؛ فمن ناحية يُعتبر أول حادثة اغتيال لرجل سياسة تشهدها تونس منذ اغتيال المناضل صالح بن يوسف عام 1961 بألمانيا، ما شكّل هزّة قوية وصدمة أقوى في الشارع التونسي

حمل اغتياله عدّة أبعاد رمزية؛ فمن ناحية يُعتبر أول حادثة اغتيال لرجل سياسة تشهدها تونس منذ اغتيال المناضل صالح بن يوسف عام 1961 بألمانيا، ما شكّل هزّة قوية وصدمة أقوى في الشارع التونسي الذي خرج دفعة واحدة مندداً بالاغتيال رافضاً للعنف. فشكري بلعيد كتب بدمه أسطر كثيرة في العقد الاجتماعي الرمزي التونسي وهو القائل أيضاً: "نحن نختلف ونتعدد داخل إطار مدني سلمي ديمقراطي".

لماذا قتل شكري؟

تسع سنوات مضت على اغتياله رمياً بالرصاص أمام منزله، تبعته جريمة اغتيال أخرى بشعة بنفس الطريقة، والسيناريو طال الشهيد محمد البراهمي، ومازالت الحقيقة غائبة. وكيف تستطيع أن تمضي الشعوب إلى الأمام وتتصالح مع كل الذي حدث والحق مهدور والحقيقة ضائعة؟ من قتل شكري؟ لم يجب بعد عن هذا السؤال. ولكن لماذا قتل؟ هناك فكرة واحدة هي أنّ شكري بلعيد كان شاعراً ومثقفاً قبل أن يكون سياسياً. ربما تصبّ كل الإجابات في أنه قُتل من أجل فكرة؛ فكرة أن نكون أحراراً من كل النصوص المطلقة، ومن مسكنات العقل وتمثلات العبودية والرجعية والماضوية والعدمية والفوضوية.

تبنى شكري بلعيد فكرة أنّ الثورة لا يمكن أن تكون محافظة كما يرى خصومه،  وأنّ الحرية هي المبدأ والأساس، وأن الاختلاف ضرورة حتمية، وأن إقصاء أو قتل أيّ شكل من أشكال الاختلاف، يعني شيئاً واحداً لا غير: أننا في الأخير نقصي حريتنا ونقتلها، وأنّ حق الاختلاف يعني بالضرورة احترام ما يمثّله الآخر من فكر ومعتقدات ومخيال وتمظهرات.

سألته ماذا تهدي للشعب التونسي؟ قال أهدي له قصيدة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي. وعندما سمع بذلك الشاعر مريد البرغوثي قال متوجهاً لشكري "ما أصغر قصيدتي أمامك

وشخّص شكري هذا بوجود "صراع بين قوى الجذب للوراء والتخلف والرجعية، التي تدافع عن السائد وبين القوى التائقة للتغيير والتجريب والاحتراق والاقتحام، وهي غير مقيدة في كل المجالات". كان يتحدّث أيضاً عن جيل جديد "يفكٌك مفردات النفاق الاجتماعي ويحمل لواء الحقوق الفردية في ظلّ انتكاسة متواصلة للحريات الفردية وحرية التعبير والضمير".

ويتحدّث عن دور المثقف في تعكير صفو السائد باستمرار، وطرح الأسئلة الحارقة والممنوعة، وكشف المستور، وكشف مناطق الظلمة في ثقافتنا لأن "النقد قوة ثورية بطبعها، ودون مثقف نقدي عضوي مرتبط بالمرحلة التاريخية لا يمكن أن ننجز ثورات بالمعنى الصحيح".يختصر شكري بلعيد جوهر القضية في أنّ "المثقف التونسي يعيش حالة عُزلة ومحاصرة وعدم فعالية بسبب الاستبداد والديكتاتورية، ومن خلال سيادة ثقافة الاستهلاك ومعاداة الفكر والتنوير وضرب قيمة الفكر في سلوكنا وعاداتنا الاجتماعية، وأيضاً لعدم فعالية هذا المثقف الذي بقي متقوقعاً، ولم يقتحم قلاع الحياة العامة. المثقف لا بد أن تكون له مسافة لأنه بالأساس سلطة نقدية دائمة للحاكم والمحكوم، وللسائد وللأحزاب وللجماعات وللخطاب، وللغة والإبداع، وللبنية الذهنية العامة، وبتخليه عن نقديته يصبح كاتباً وموظفاً عمومياً".

في ذلك الحوار المقتضب نوعاً ما، سألته ماذا تهدي للشعب التونسي؟ فقال أهدي له قصيدة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي :"لي قارب في البحر، روحي أبحرت معه، عيناي قنديلاه، يداي مجدفاه، والأظلاع أضلعه". لم أكن أعرف تلك القصيدة في ذلك الوقت، وعندما اغتيل شكري بلعيد عدت إلى تلك القصيدة لأقرأها، فكانت تتحدّث عن الموت في سبيل الحريّة، وعندما سمع بذلك الشاعر مريد البرغوثي قال متوجهاً لشكري "ما أصغر قصيدتي أمامك".

ربما تصبّ كل الإجابات في أنه قُتل من أجل فكرة؛ فكرة أن نكون أحراراً من كل النصوص المطلقة، ومن مسكنات العقل وتمثلات العبودية والرجعية والماضوية والعدمية والفوضوية

وعندما سألته أي كتاب تريد أن تهديه للشعب التونسي، قال: كتاب "امرأتنا في الشريعة والمجتمع" للطاهر الحداد. للشعب التونسي، ولمن لا يعرف، فإن الطاهر الحداد ( 1899-1935) يعتبر رمزاً من رموز التحرير والتنوير،  وهو مفكر ونقابي وسياسي تونسي دعا لتحرير المرأة التونسية ومنع تعدد الزوجات في العالم المسلم، وتجرأ في كتابه ذلك على شيوخ الشريعة، وانتهت أغلب أفكاره بصياغة القانون الوضعي التونسي في مجلة "الأحوال الشخصية" الصادرة في 3 آب/أغسطس 1956 التي هاجمها الإسلاميون من كل حدب وصوب في ذلك الوقت.

لم يكن شكري بلعيد يؤمن بـ"اللون الواحد والرأي الواحد والحاكم الواحد والقراءة الواحدة للنص المقدّس"، فـ"نحن بشر مجالنا نسبيّ، وتونس حديقة فيها مائة وردة بمائة لون"، وكأنّ بلعيد يتحدّث عن مشروع مجتمعي مشترك، بعيد عن أي إيديولوجيا وأي مذهب، أو أي حزب أو زمرة لا تؤمن إلا بلونها وصوتها؛ مشروع قريب من التنوّع والتعدّد، لا ينبذ الاختلاف، ويعلي الحب والحلم، ويزرع بذور المعنى في ثقوب إنسانيتنا في هذا الوطن، ويجعلنا مواطنين في حضرة وطن لا يقتل الأحلام، ولا يخنق فيه الأفكار. وربما أصبح الشهيد رمزاً أيضاً لأنه يعتبر أنّ الوطن لن ينجو من أي خطر إلا إذا بحث وأعلى فكرة الحرية، واستخلص النظام لا الفوضى.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard