مجتمع يقاوم يومياً... يمنيون يصنعون فسحات للعيش بـ"سلام" على الرغم من الحرب

الخميس 10 مارس 202211:19 ص

مؤخراً، لم نعد نسمع عن اليمن سوى أخبار الحرب والمجاعة، والمشكلات التي تكاد لا تنتهي. وعلى الرغم مما يعيشه اليمنيون من مآسٍ، لكنهم بالتأكيد يعانون في يومياتهم أكثر مما تعرضه نشرات الأخبار.

في اليمن، لا يزال المجتمع يقاوم يومياً، بكل ما أوتي من قوة، كل المحاولات التي تريد أن تمحور حياته حول الموت. كثيرون يمقتون الحرب والموت، ولا يستسلمون لهما، ويسعون إلى صناعة فسحات للعيش بـ"سلام" ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

تتجسد هذه المساعي بوضوح في مبادرات مجتمعية تخرج بين الفينة والأخرى، لتؤكد على أن المجتمع لم يستسلم، وأنه على الرغم من المعاناة التي يعيشها لا يزال مفعماً بالحياة، وينتهز أي فرصة متاحة ليتخلص من الحرب وتبعاتها.

ومن ضمن هذه المبادرات مبادرة رياضية فريدة من نوعها في اليمن، أطلقتها مجموعة من كبار السن المتقاعدين في صنعاء.

مبادرة "أحسن فريق"

يومياً، ومنذ ثلاث سنوات، يخرج مئات الأشخاص قبل بزوغ الشمس من مختلف مناطق صنعاء، أغلبهم من كبار السن، ويذهبون إلى خمس حدائق عامة موزعة في أنحاء العاصمة اليمنية، ليقوموا بتمارين رياضية تناسب مختلف الفئات العمرية، لنحو ساعة من الزمن.

هذا النشاط اليومي يأتي ضمن مبادرة "أحسن فريق"، التي أطلقها، عام 2019، المهندس ناجي أبو حاتم، من حديقة الثورة، وسط صنعاء. كانت المشاركة في البداية محدودةً جداً، ثم انضمّ إليها كثيرون من كبار السن والشباب وصغار السن أيضاً، حتى وصل عدد المشاركين إلى أكثر من 300 شخص.

بعد ذلك، تأسست أربع مجموعات فرعية في مناطق أخرى في صنعاء، يشارك فيها يومياً المئات. وجميع هذه المجموعات تؤدي التمارين الرياضية ذاتها، وفي التوقيت نفسه.

يقول القائمون على المبادرة إنها تهدف إلى تشجيع اليمنيين على ممارسة الرياضة الصباحية بشكل مستمر، من خلال تمارين توصَف بالسهلة الممتنعة. وتسعى المبادرة إلى زيادة الوعي بالمحافظة على الصحة، وتقدّم الدعم النفسي للمشاركين للتخفيف من الضغوط النفسية المختلفة التي يعاني منها الكثير من اليمنيين بسبب الأوضاع الحالية.

مؤسس المبادرة ناجي علي أبو حاتم (70 عاماً)، عمل سابقاً في البنك الدولي في أمريكا ودول أخرى عدة. يقول لرصيف22، إنه كان يعمل ليل نهار، وبعد تقاعده أحسّ بفراغ شديد، وبأنه بحاجة ماسة إلى الحركة لتجنّب الترهل ومكافحة الشيخوخة، ومن هنا جاءت الفكرة.

"في اليمن، لا يزال المجتمع يقاوم يومياً، بكل ما أوتي من قوة، كل المحاولات التي تريد أن تمحور حياته حول الموت"

في البداية، كان يخرج بعد الفجر بصحبة صديق له، ويذهبان لممارسة الرياضة في حديقة الثورة القريبة من منزله. كان الجيران يضحكون عليهما ويقولون إنهما فارغان وليس لديهما عمل يشغلان به نفسيهما. حاولا تحفيز هؤلاء للمشاركة معهم، وشيئاً فشيئاً ازداد عدد المشاركين حتى وصل إلى 15 شخصاً.

"كان كثيرون من رواد الحديقة يحجمون عن المشاركة معنا، لاعتقادهم بأننا مجموعة خاصة تتبع جهةً أو شركةً ما. وعندما كنّا نوضح لهم الأمر وندعوهم للانضمام إلينا، كان أول شيء يسألوننا عنه هو: بكم الاشتراك؟ وكانوا يستغربون عندما نخبرهم بأنه مجاني"، يروي أبو حاتم.

تتميز هذه المبادرة بأنها مفتوحة للجميع من دون شروط، ولا تترتب على المشاركين فيها أي التزامات. الشرط الوحيد هو أن يتجنب المشارك تماماً الحديث في السياسية.

الرياضة علاج مجاني

يشير أبو حاتم إلى أنه قبل هذه المبادرة كان لا يستطيع أداء حركات الصلاة بشكل طبيعي، وكان يصلّي على كرسي، بسبب مشكلات جسدية كان يعاني منها، لكنه الآن تخلص من كل ذلك، وأصبح المدرب الأول للفريق والمشارك الأكثر انتظاماً والذي لا يغيب عن التمارين الصباحية على الإطلاق.

كان الإقبال على المشاركة كبيراً، خصوصاً من فئة كبار السن، نتيجة سببين وفقاً لأبو حاتم، الأول حاجة كثيرين من المشاركين إلى نسيان أجواء الحرب والكآبة التي خيّمت على اليمن في السنوات الأخيرة، والتنفيس عن كل ذلك من خلال ممارسة الرياضة في الحدائق الخضراء التي بدورها تقاوم كل محاولات التخريب والتدمير. والسبب الثاني أن الرياضة أصبحت علاجاً مجانياً للبعض من أمراض مزمنة، خاصةً في ظل ارتفاع كلفة الأدوية، وانقطاع رواتب الموظفين والمتقاعدين على حد سواء منذ عام 2014.

عبد الله النوفاني (62 عاماً)، ضابط سابق في الداخلية، يقول إنه على الرغم من مشاركته الحديثة في هذه المبادرة، إلا أن تأثيرها على صحته كان واضحاً منذ البداية. فعلى سبيل المثال، يذكر أنه كان يعاني من السكّري بشدّة، إلى درجة أنه كان يأخذ ثلاث جرعات من الإنسولين يومياً، ولكن بعد مشاركته المنتظمة في هذه المبادرة انضبط السكري لديه بشكل كبير، فلم يعد يأخذ سوى جرعة واحدة في اليوم، هذا عدا عن تنشط جهازه الهضمي.

انتشار واسع للمبادرة

عندما ازداد عدد المشاركين وصار بالمئات، ومن أماكن مختلفة من صنعاء، يروي ناجي أبو حاتم أن بعض الأعضاء اقترحوا أن يؤسسوا فرقاً فرعيةً في أحيائهم وأماكن سكنهم، وهو ما تم بعد ذلك، فتأسست أربع مجموعات فرعية في أماكن مختلفة من صنعاء.

تأسس مؤخراً الفريق الأخير ضمن هذه المبادرة، في حديقة جميلة التي لم تُفتتح رسمياً بعد، لكنّها بدأت تتعرض للتدمير بسبب الإهمال. تقع هذه الحديقة في شمال العاصمة بالقرب من مطار صنعاء الدولي، وتحديداً أمام قاعدة الديلمي الجوية التي تتعرض في كثير من الأحيان للقصف الجوي المتكرر.

ولعل هذا الفريق يعيد بعضاً من الحياة والحيوية إلى هذه الحديقة التي دُمرت قبل أن ترى النور، مثلها مثل الكثير من الأماكن التي وإنْ سلمت من الحرب المباشرة فإنها لم تسلم من آثارها غير المباشرة.

"أخبرنا البعض بأن حياتهم كانت عبارةً عن دائرة سلبية مغلقة، تبدأ بتناول الغداء ومن ثم ‘تخزين’ القات ومضغه حتى منتصف الليل، وبعدها النوم حتى ظهيرة اليوم التالي، وبعد انتظامهم في الرياضة، بدأوا بتغيير هذا النمط"

حسان الضراب (61 عاماً)، ضابط سابق في الجيش اليمني، سُرّح من عمله بعد اندلاع الحرب مطلع عام 2015، مثله مثل الآلاف من عناصر الجيش، وهو أحد مؤسسي هذا الفريق الأخير. كان يأتي يومياً إلى حديقة جميلة لممارسة المشي، وبعد فترة سمع عن المبادرة الرئيسية في حديقة الثورة، وذهب إلى القائمين عليها، وأخبرهم برغبته في أن ينقل هذه المبادرة إلى الحي الذي يسكنه. وبالفعل تم ذلك. بدأ الأمر بممارسة الرياضة في هذه الحديقة بصحبة اثنين آخرين، ومع الوقت راح عدد المشاركين يزداد، حتى وصل إلى أكثر من 40 مشاركاً.

أسلوب حياة صحي

عملت المبادرة على تغيير نمط حياة الكثيرين من المشاركين، خصوصاً المتقاعدين منهم. أخبرنا البعض بأن حياتهم كانت عبارةً عن دائرة سلبية مغلقة، تبدأ بتناول الغداء ومن ثم "تخزين" القات ومضغه حتى منتصف الليل، وبعدها النوم حتى ظهيرة اليوم التالي، وهكذا. بعد انتظامهم في الرياضة، بدأوا بتغيير نمط الحياة هذا، وصاروا ينامون باكراً ويصحون باكراً.

يُشير حسان الضراب إلى أن التمارين الرياضة أحدثت تغييراً هائلاً في حياته، خصوصاً في الجانبين الصحي والنفسي. "بعد انتظامي يومياً في أداء التمارين الرياضية، أحسست بروح معنوية قوية ونشاط يلازمني طوال اليوم، ورغبة كبيرة في إنجاز أي شيء. حتى وجبات الطعام صرت أتذوقها وأصبح لها طعم آخر، وانفتحت شهيتي للأكل بشكل لم أعهده منذ زمن طويل"، يقول لرصيف22.

إلى الآن، مرّت على حسان أكثر من أربعة أشهر لم يتغيب خلالها البتة عن أداء التمارين الرياضية الصباحية، برفقة أعضاء آخرين في هذا الفريق.

توفيق القُدمي (60 عاماً)، إعلامي وتربوي ومؤسس القناة التعليمية اليمنية، شارك في تأسيس بعض هذه المجموعات الرياضية. يقول لرصيف22، إن "هذه المجموعات شكلّت ملجأً للكثيرين، يهربون إليها من الحرب والسياسة وسوء الأوضاع التي يعانون منها"، وأشار إلى أن "نشاط هذه المجموعات لا يقتصر على التمارين الرياضية فحسب، بل ارتبطت بها أنشطة اجتماعية أخرى عدة. فتكونت، على سبيل المثال، علاقات اجتماعية راقية جداً بين الأعضاء، وصارت هناك صداقات مميزة، فالكل تجمعهم روح الإخاء والمودة والتقدير، بعيداً عن هموم الحياة وضغوطها ومشكلاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الجميع".

حياة ذات معنى

"في ظل الظروف الحالية التي نعيشها في اليمن، أُصبنا بالكآبة وغلب على حياتنا الشعور بالملل واليأس من كل شيء تقريباً، لكن ولله الحمد بعد مشاركتي في المبادرة، وتعرفي إلى أصدقاء جدد مشاركين فيها، اختفى ذلك كله، وأحسست براحة نفسية لم أشعر بها منذ عقود".

بهذه الكلمات عبّر علي المسلمي (63 عاماً)، عن الأثر الذي أحدثته المبادرة في داخله. المسلمي هو مُعلّم متقاعد، أفنى حياته وصحته في تعليم أجيال متلاحقة على مدى 33 عاماً، إلى أن أصيب بجلطة تسببت بانسداد أحد الشرايين، فاضطر إلى إجراء عملية قلب مفتوح، ومن حينها لم يعد يغادر المنزل كثيراً.

يقول لرصيف22، إن مشاركته في هذه الأنشطة أعادت إلى حياته الكثير من المعنى، وإن تأثيرها كان كبيراً جداً ولم يقتصر على الجانب الجسدي والصحي فحسب.

"ما نقوم به يومياً، ليس مجرد تمارين رياضية تستفيد منها أجسادنا، بل هو أكثر من ذلك بكثير وأعمق. أقلّه أعدنا الحياة إلى أرواحنا التي أصابها شيء من الموت، بفعل كبر السن والحرب والأوضاع"

طوال الـ33 عاماً التي قضاها في التعليم، كان المسلمي يخرج في ساعات الصباح الأولى للعمل في المدرسة، لكن بعد تقاعده يقول إنه حُرم من متعة النهوض باكراً، والخروج من المنزل. بعد انتظامه في هذه المجموعة الرياضية، أصبح يخرج باكراً من المنزل للذهاب إلى الحديقة يومياً. هذا الأمر أعاد إليه شيئاً من الماضي بذكرياته الجميلة وروحه المفعمة بالحياة.

ويختم المسلمي حديثه بالقول: "ما نقوم به يومياً، هنا في هذه الحديقة، ليس مجرد تمارين رياضية تستفيد منها أجسادنا، بل هو أكثر من ذلك بكثير وأعمق. أقلّه أعدنا الحياة إلى أرواحنا التي أصابها شيء من الموت، بفعل كبر السن والحرب والأوضاع التي تزداد سوءاً يوماً بعد يوم. حالياً، لدي إحساس داخلي قوي بأني شاب لم أتجاوز الثلاثين بعد، إنْ لم يكن جسدياً فبالتأكيد روحياً".

الرياضة للجميع

لا تقتصر المشاركة على كبار السن، وإن كانوا هم الأغلبية، بل شملت جميع الفئات العمرية وجمعت بين أجيال متعددة. يأتي الموظف السابق في قطاع السياحة والسفر، ياسين القدسي (65 عاماً)، لممارسة الرياضة بصحبة ابنه وحفيده الصغير، ويقول إن انضمامه إلى هذه المجموعة الرياضية مكّنه من ممارسة الأنشطة مع أبنائه وأحفاده وقضاء وقت مفيد معهم.

ولم تقتصر المبادرة أيضاً على الجانب الرياضي فحسب، وإنما اهتمّت بالجانب الاجتماعي، فبين كل فترة وأخرى تجتمع كل المجموعات في مكان واحد ويتبادل المشاركون فيها آراءهم في ما يخص الرياضة وتجاربهم الخاصة معها.

وفي آخر خميس من كل شهر، تقوم الفرق بزيارة بعضها، وبعد الانتهاء من أداء التمارين الرياضية يذهبون لتناول الفطور وشرب القهوة في صنعاء القديمة، وأحياناً ينظّمون رحلات لزيارة أماكن سياحية وتاريخية في صنعاء ومدن أخرى قريبة.

بدا واضحاً من خلال حديث المشاركين في هذه المبادرة، مقدار الأثر الإيجابي الذي أحدثته في حياتهم وصحتهم الجسدية والنفسية، ويأمل القائمون عليها بأن تنتشر في كل مناطق اليمن وأحيائه، علّها تُنسي اليمنيين ولو جزءاً بسيطاً من معاناتهم التي يبدو أن لا نهاية لها تلوح في الأفق.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard