"لتصمت نساؤكم في الكنيسة"!... لماذا يرفض"آباؤنا" تمكين المرأة؟

الخميس 3 مارس 202205:59 م

دائماً ما كانت عبارة "الرجل رأس المرأة" التي يرددها رجال الدين في كنائس مصرية بفخر لا مثيل له، تثير حفيظتي وتساؤلاتي.

لم أفهم أبداً المُبرر العقلاني العلمي لهذا الوصف غير التحقير المُتعمد حيال النساء، اللاتي هن صورة من صور الإله، كالرجال تماماً.

ولم أستطع تقبل المناقشات والأحكام التي تتناول كل كبيرة وصغيرة لدى المرأة بعين "المنح والمنع" وكأنها المخلوق الأدنى، الذي ينتظر دائماً الوصي والموجّه.

تاريخ طويل من الصراع النفسي والمادي عاشته المرأة.

تاريخ طويل من الصراع النفسي والمادي عاشته المرأة، ولا زالت تعيشه في ظل هيمنة بطريركية، تحتكر السلطة والمناصب الدينية، وتحاول التلاعب بها كدمية صغيرة، تسير في خطوط لا تخرج عنها، وإن حاولت الخروج تصبح ملعونة ومحرومة.

في الوقت الذي نحيي فيه الذكرى الخامسة والثلاثين لموافقة الكنيسة الإنجليكانية على ترسيم النساء قساوسة، القرار الذي اتخذ في 26 فبراير/ شباط 1987، واستمرت مراسيمه لنهاية مارس/ آذار، في خطوة إصلاحية تاريخية، لا زالت بعض الكنائس تتداول أفكارها حول حيض المرأة ونجاستها من عدمه.

من أين بدأت الأزمة؟

الأزمة في تعامل بعض الكنائس مع المرأة تأتي أولاً من تصميمها الصريح على التهوّد "التمسك بالتعاليم اليهودية" العتيقة، على الرغم أنها منافية لكل تعاليم المسيح، وتعامله مع المرأة تجاوز في رقيه تلك التشريعات.

حاور المسيح النساء، وجلس معهن، وأعلن عن نفسه بعد "القيامة" لامرأة "مريم المجدلية"، وأثنى على إيمان الكثيرات، ولم ينهر نازفة الدم حين لمسته، بل تحنن عليها.

الأمثلة التي تشير إلى مثالية المسيح في التعامل مع المرأة كثيرة، مما دفع نساء مسيحيات للتناقش حول وضع المرأة في الكنيسة اليوم.

الخطاب الديني المسيحي، الذي هيمن على الكنائس منذ البداية في التعامل مع المرأة، لم يكن خطاب المسيح لكنه استند على بعض مما في التراث اليهودي، وعلى خطابات بولس الرسول، أحد رسل المسيح الأكثر تأثيراً في العالم لأنّ تبنّي هذا النوع من الخطاب كان في صف النزعة الأبوية، لضمان السيطرة التامة على الانفراد بالسلطة الدينية.

استند بولس الرسول نفسه على جانب من تعاليم يهودية بحكم خلفيته الاجتماعية والثقافية والفكرية، التي اتسمت بالذكورية الصريحة، وبالتالي طغت هذه الخلفية على رؤية المسيح للمرأة، واعترافه الكامل بحقوقها ومساواتها للرجل، فكانت فلسفته الروحية نابعة بشكل أكبر من المجتمع الروماني واليهودي القديم، المتشدد، الذي عاش فيه ملخصاً أن الكل واحد في جسد المسيح دون انفصال عن الهوية المتشددة التي صنعها المجتمع للمرأة.

الغريب أن بولس الرسول كان يُصر بشكل دائم في رسائله على الإشارة إلى تنظيم وضع المرأة في الكنيسة، بشكل مُقيد لها، ومجحف لحقوقها.

في رسالته لتيموثاوس الإصحاح الثاني، يقول بولس الرسول: "لتتعلم المرأة بسكوت في كل خضوع، ولكن لست آذن للمرأة أن تُعلم ولا تتسلط على الرجل، بل تكون في سكوت، لأن آدم جُبل أولاً ثم حواء، وآدم لم يغو، لكن المرأة أغويت، فحصلت في التعدي".

وفي رسالته لأهل كورنثوس، يواصل بولس الرسول: "لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذوناً لهن في الكلام، بل أُمرن أن يخضعن للطاعة هكذا تأمر الشريعة، فإن أردن أن يتعلمن شيئًا يسألن رجالهن في المنزل لأنه من المعيب للمرأة أن تتكلم في الكنيسة ".

توظيف "النجاسة"

ورّث بولس الرسول تعاليمه حول حرمان المرأة من التعليم والمناصب الدينية لكل العالم المسيحي تقريباً، وهو ما أوضحته "الدسقولية"، كتاب قوانين مسيحية وهو ما تناقلته الكنائس عن الآباء والرسل، بتلك الجمل: "لا يجوز للنساء أن يعمدن، ولا نشير على النساء أن يفعلن هذا لأنه مخالف للناموس، إذا كان رأس المرأة هو الرجل، وهو الذي دُعي للكهنوت، فلا يليق لأننا إذا تركنا الرأس طلبنا العضو الأخير من الجسد لأن المرأة هي من جسد الرجل".

يمكننا القول إن الكنائس استندت على تعاليم بولس الرسول بخصوص المرأة من ناحية، وصاغت معظم طقوسها بناء على قوانين التلمود القديمة والتوراة من ناحية أخرى.

التعاليم اليهودية العتيقة المتشددة ترى الحائض نجسة (وإذا كانت امرأة لها سيل، وكان سيلها دماً في لحمها، فسبعة أيام تكون في طمثها. وَكُلُّ من مسَّها يكون نجساً إِلى المساء… لاويين 15).

ولا يسمح أبداً للمرأة اليهودية المشاركة في الصلاة وقتها، بل لا يسمح لها في أوقات كثيرة الصلاة أو لمس التوراة لأنها نجسة ومخلوق قبيح، لدرجة أن الرجل اليهودي القديم في دعاء يومي يشكر الله لأنه لم يخلقه وثناً أو امرأة، وهذا التقليد الغابر اعتنقته الكنائس المسيحية، ورسخته في عقول النساء لقرون طويلة، واستخدمت فكرة "النجاسة" بشكلها العام لحرمانها من حقوق كثيرة.

تشير معظم الآراء والممارسات في الكنائس الأرثوذكسية بالتحديد إلى عدم "تناول" المرأة الحائض بسبب نجاستها، والعديد من النساء اقتنعن بها إلى درجة محاربة الأخريات اللاتي يردن التغيير.

"لتصمت نساؤكم في الكنائس لأنه ليس مأذوناً لهن في الكلام، بل أُمرن أن يخضعن للطاعة هكذا تأمر الشريعة"، من أين جاء بولس الرسول بهذه الكلمات، والمسيح أعلن عن نفسه بعد "القيامة" لامرأة؟

مع مرور الوقت ظهرت أصوات مستنيرة من رجال الدين المسيحي تقول إن لا نجاسة إلا بالخطيئة، وعليه فإن المرأة طاهرة كل أيام حياتها، ومن أبرز معتنقي هذا التوجه كان الأنبا بفنوتيوس، أسقف مصري يتبع الكنيسة الأرثوذكسية، الذي أصدر كتاب "المرأة في المسيحية" ليناقش هذه القضية، ولكن التيار الأكبر رد على كتابه بهجوم وضراوة معتبرين أن الأفكار اليهودية هي جزء من المسيحية وعليه فلا يجب مهاجمتها أبداً.

بينما في نفس التوقيت تقريباً، وكان ذلك عام 2016، أصدرت الكنيسة الكاثوليكية بياناً تؤكد فيه على احترامها للمرأة، ونفت فكرة النجاسة بشكل نهائي، والحقيقة أن مشكلة المرأة المسيحية لا تتلخص فقط في فكرة نجاستها وقت دورتها الشهرية، ولكن لأن هذه الفكرة بُني عليها حرمانها من تولي أي منصب ديني لأنها غير مستحقة للدخول إلى الهيكل، ولا قراءة بعض الكتب المقدسة في الكنيسة أو حتى القيام بدور "الشماس".

كذلك بُني عليها فكرة نجاسة المرأة بعد ولادتها، فإذا أنجبت ذكراً ابتعدت عن الكنيسة أربعين يوماً ثم عمدته و"تناولت"، وإذا أنجبت أنثى حُرمت ضعف المدة، أي ثمانين يوماً، وكذلك وقت تعميد الأطفال يُقدم الطقس الطفل الذكر على الأنثى للتعميد أولاً.

وعلى مر العصور واختلاف الطوائف كان التوجه السائد هو التحقير من شأن المرأة، وتأكيد تبعيتها ومسئوليتها الكاملة عن الخطيئة الأولى.

فمثلاً، يقول عنها القديس يوحنا ذهبي الفم: "شراً لابد منه، إغواء طبيعياً، كارثة مرغوباً فيها، خطرًا فيه مهلكة، وشرًا عليه طلاء".

ويذكر أنه في مجمع "ماكون " في القرن الخامس الميلادي دار النقاش حول: هل المرأة جسد لا روح فيه أم لها روح؟

حتى إصلاح مارتن لوثر مال إلى اضطهاد المرأة ولومها. 

بداية التمكين

كنائس الأنجليكانية هي كنائس داخل المسيحية، تضم كنيسة إنكلترا وتلك التي ترتبط بها تاريخياً، أو تحمل معتقدات ذات صلة وثيقة بها، مثل كنيسة كندا الأنجليكانية، والكنيسة الأسقفية البروستانتية في أميركا، وكنيسة اسكتلندا الأسقفية، وتضم حوالي 85 مليون مسيحي؛ وهي من أوائل الكنائس التي أصدرت قراراً تاريخياً لها بترسيم النساء قساوسة عام 1987 بعد مناقشات دامت 10 أعوام، انتصرت فيها النساء، وتم التصويت لهن ليبدأن عملهن في الكنائس مع القساوسة الرجال، ومن بعدها كانت لبعض الكنائس نفس التجارب، يقام فيها ترسيم النساء قساوسة، ونذكر منهن رولا سليمان، أول قسيسة عربية تمت رسامتها في لبنان من قبل السينودس الإنجيلي، وهي كانت دارسة لعلم اللاهوت، وخادمة مسئولة بالكنيسة.

الفيصل بين التهميش والانحياز ضد المرأة في الكنائس، كما ذكرنا سابقاً، و بدايات التمكين الذي حدث، كانت المرأة نفسها، ومحاولاتها الخروج من بوتقة السلطة الأبوية، التي فرضت عليها الإحساس بالذنب، والإهانة طوال الوقت.

دعاء الرجل اليومي بالشكر لله أنه لم يخلق وثناً أو امرأة... تقليد غابر اعتنقته الكنائس، ورسخته في عقول النساء لقرون طويلة، مستخدمة فكرة "النجاسة" لحرمانها من حقوق كثيرة

مع التطور الفكري، والثورات في أوروبا، وبداية تغيير وتحول المجتمع، ظهرت حركات نسوية كافحت من أجل حصول المرأة على آدميتها، وفي ظلها نشأت النسوية المسيحية بشكل رسمي في القرن العشرين، وظهر معها مصطلح "اللاهوت النسوي"، وهو الفكر الذي يهدف إلى إعادة النظر في تقاليد الديانة وممارستها من وجهة نظر نسوية، في وجود نسوي يقرر قيمته ومكانته، ويناهض احتكار السلطة الدينية من قبل الذكور.

وقد كافحت عدد من النسويات المسيحيات من أجل دراسة علوم اللاهوت والكتاب المقدس، والتحاجج به لتوضيح الفرق بين تعاليم المسيح وتعاليم المؤسسات الكنيسة الأبوية حالياً، وفي ذلك تقول ماري ديلي، فيلسوفة وناشطة حقوقية ونسوية شهيرة:"إن احتكار الرجال منذ ظهور الكنيسة لوضع القوانين والنظم الكهنوتية، التي أعلت من مكانة الرجل على حساب المرأة، هو دون سند من عقل أو منطق أو وحي".

وقد قابلت وقتها الكنائس، التي سمحت بالتمكين النسوي فيما بعد، هذه الحركة بالعنف والرفض إلا أن تغير المجتمع، وتحول الفكر وانفتاحه، وإصرار النساء على مناقشة حقوقهن، جعلها تضطر في النهاية إلى القبول ومشاركة السلطة.

وتذكر إحدى الباحثات، بحسب دراسة "المراة في الخطاب المسيحي القديم والمعاصر" أنه من الخطأ النظر إلى الفوز التاريخي" للنزعة الأبوية داخل الكنيسة على أنه كان أمراً حتمي الحدوث".

فهي ترى أن الأدلة التاريخية المتوافرة لدينا لا تدعم فكرة استناد النزعة الأبوية إلى "إرادة إلهية" أو "حتمية تاريخية". فقد نجم صراع مبكر داخل الكنيسة المسيحية.

بين أفكار مثل النظرة المساواتية المستمدة من أقوال المسيح وأفعاله من ناحية، والنظرة الأبوية المتمركزة حول المسيحية المؤسساتية من ناحية أخرى نمت المسيحية وتطورت على نسق السلطة الأبوية، لأنها نشأت على محاكاة نسق الأسرة الروماني-الإغريقي، وهو النسق الذي مثل الشكل الأساسي للمجتمع الذي ظهرت فيه الديانة المسيحية، وتطورت.

وترى الباحثة أيضاً أنه كان من الممكن إيجاد بديل آخر، كما تؤكد أن المجتمع المسيحي اليوم ما زال بإمكانه أن يختار بديلاً جديداً.

بالنسبة إلينا كعرب، لا أعتقد أن نصل إلى هذه الدرجة من التمكين النسوي في كنائسنا، تحديداً الأرثوذكسية، لعدة أسباب منها أزمات التهود، والتشدد في الآراء المنقولة من الأجداد.

والسبب الثاني هو محاولة غلق أي مجال للتغير والإصلاح بشكل عام، فمحاولات إعادة قراءة النصوص بشكل نقدي عقلاني يُقابل بالرفض والنبذ والكثير من الاتهامات.

كذلك وجود هذه الكنائس ضمن مجتمع أكبر يعتنق الذكورية، ويرفض بطبعه أي قيادة نسائية، ويحاول بشتى الطرق تضييق الخناق على المرأة حتى يضمن الاستقرار الذي اعتاد عليه.

ونشير هنا إلى أننا لا نختصر التمكين النسوي في مشاركة النساء في المناصب الكنسية، وليست هذه دعوة لترسيمهن، بقدر ما هي إشارة إلى درجة هذا التمكين في كنائس ومجتمعات أخرى، مقابل دركة من القهر والتحقير، لازالت النساء تحت وطأته في مجتمعاتنا…

و لا يمكننا الاستهانة بذلك .

.....

المراجع :

1- عبدالكريم النصراوي، تحت سياط الحاخامات مأساة المرأة اليهودية في التلمود، مركز الدراسات والبحوث، بغداد، ط١، ٢٠٠٨.

2- جبر الهلول، مكانة المرأة اليهودية وفق النص التوراتي

3- عبدالوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الجزء الخامس عشر

4- الإنجيل المقدس، العهد القديم، أسفار (اللاويين - الجامعة – تثنية).

5- الإنجيل المقدس، العهد الجديد، أسفار بولس الرسول (تيموثاوس، كورنثوس)

6-كتاب الدسقولية، الفصل الثالث عشر

7- الأنبا بفنوتيوس، المرأة في المسيحية قضايا مثيرة للجدل.

8- أميمة أبو بكر، رنده أبو بكر، النسوية والدراسات الدينية.

9- أنفال جاسم الكندري، محمد الخطيب، المراة في الخطاب المسيحي القديم والمعاصر، دراسة علمية منشورة، الأردن.

10- دراسات منشورة في فلسفة ماري ديلي النسوية المسيحية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard