"الفساد ضرب مجتمعنا المصري كله"... عن "انتفاضة" في المهجر ضد التحرش في "الكنيسة"

الثلاثاء 15 سبتمبر 202005:33 م
إن كان التجرؤ بفضح الاعتداءات الجنسية شجاعة، فإن الإفصاح عن الاعتداءات من رجل دين شجاعة أكبر ... هكذا كان أول انطباع نما بداخلي وأنا أتابع منشورات "سالي زخاري"، التي تفضح فيها القمص رويس عزيز، الذي اعتدى عليها جنسياً وهي في سن الـ 11، بحسب روايتها، والتي فتحت ملفاً جديداً لمناهضة التحرش الجنسي، وهي الاعتداءات التي تتم من قبل رجال الدين.

كتبت سالي زخاري، مواطنة مصرية مهاجرة مقيمة بولاية فلوريدا، 34 عاماً، في منشور على حسابها في فيسبوك: "حدثت واقعة التحرش من قبل القمص رويس عزيز، وكنت في سن الـ 11، في عام 1997 تحديداً، وكنت تلك هي المرة الأولى التي أمارس فيها سر الاعتراف، وكنا في غرفتي في منزلنا، وقتها تهجم علي القمص وأمسك بجسدي، ثم حذرني من إبلاغ الأهل بتفاصيل جلسة الاعتراف لأنه طقس سري، بالطبع كان يستغل صغر سني وعدم درايتي بما يجري ويدور".

SEXUALLY ABUSIVE COPTIC PRIEST

NUMBER 2: DAY 5

.

POPE TAWADROS,

MAYBE YOU’RE NOT ANGRY, BUT WE ARE AND WE WILL NOT...

Posted by Sally Zee on Thursday, 20 August 2020

صمتت سالي بعدها 5 سنوات، ولكنها تحدثت أخيراً، فأبلغت أحد قادة الكنيسة في فلوريدا، فردّ عليها: "هناك ضحايا أخريات قبلك، ولقد أرسلنا بالأمر إلى البابا شنودة في مصر"، فماذا كان رد الكنيسة الذي انتظرته سالي ليضمد جرحها؟ تم ترسيمه قمصاً، أي ترقيته، بحسب ما روته على السوشال ميديا.

SEXUALLY ABUSIVE COPTIC PRIEST

NUMBER 2: DAY 7

.

Samuel Salah Boulos, the sexually abusive priest, is still serving...

Posted by Sally Zee on Saturday, 22 August 2020

اجتماعات لا حصر لها

"لم أستسلم، ظللت لمدة 17 عاماً كاملة، أحضر اجتماعات لا حصر لها مع الكهنة والأساقفة والرهبان ومستشاري الكنيسة، محاولة مني لإيجاد حل مناسب، ومحاسبة رويس عزيز المتحرش، وأرسلت عشرات الرسائل إلى البابا شنودة الثالث، وطلبت التحدث معه مرات لا تحصى، لكنه لم يرد علي، وبعد تولي البابا تواضروس البطريركية، قابلته شقيقتي عام 2016، فأخبرها أنه على علم بقضيتي ويعتني بها، على مدار كل تلك الأعوام، وأنا أحاول التعامل بانفراد مع الأمر، مبتعدة تماماً عن تداوله بشكل إعلامي، ولكن تم تجاهلي من قبل كل من تواصلت معهم من رجال الكنيسة، الأمر الذي تسبب في العديد من الصدمات النفسية لي. عدد قليل جداً من الكهنة حاولوا المساعدة، ولكن تم تهديدهم والضغط عليهم ليصمتوا"، تقول سالي في تصريح لرصيف22.

"الفساد الذي ضرب المجتمع المصري بأسره ومؤسسات الدولة، طال الكنيسة أيضاً وفي العمق، وكل من يحاول الكشف أو فضح الفساد يتعرض لضغوط شديدة وبصور مختلفة"

وعن تزامن حملة سالي مع "الانتفاضة الإلكترونية" ضد التحرش والاغتصاب في مصر، تقول سالي لرصيف 22: "الحقيقة، لم أخطط لأن تكون حملتي جزءاً من الحركة النسوية المصرية المنتفضة ضد الاعتداءات الجنسية، ولكنها كانت صدفة جميلة، خاصة وأن الحملة اتسعت لتضم مصريات من خلفيات اجتماعية وثقافية مختلفة، الأمر الذي جعل صوتهن مسموعاً أخيراً".

وتوضح سالي أن السبب في بدء خروج القصة للسوشال ميديا والعلانية في 12 يوليو من العام الجاري، هو أنه "في 11 يوليو تم إخطارها من قبل رسول من البابا تواضروس، بأنه قد اتخذ قرار نهائي، بعدم اتخاذ أي إجراء ضد القمص رويس عزيز، على الرغم من ثبوت الاتهام عليه في التحقيقات، والتي تم تقديمها إلى البابا قبل 6 أشهر كاملة، في 12 فبراير من العام الجاري تحديداً، رغم أنني أبلغتهم وحذرت البابا نفسه، أنه لن يترك أمامي أي خيار آخر سوى فضح عزيز على كافة وسائل التواصل الاجتماعي إن لم يتخذ إجراء ضده، ولكنه لم يستجب للتحذير".

تنهي سالي حديثها، قائلة: "منذ أن بدأت حملتي، تلقيت الكثير من الدعم، خاصة من الغرباء والذين لا يعرفونني حتى. بعض أصدقائي وأفراد عائلتي لم يتواصلوا معي ولم يقدموا أي دعم يحسب، وكذلك أبرشية جنوب الولايات المتحدة، ولكنني كنت محظوظة بالحصول على دعم كبير من آلاف المتابعين في جميع أنحاء العالم ووسائل الإعلام، وقبلهم أسرتي وأصدقائي المقربين، وكذلك البابا بيشوي سلامة من كنيسة تورنتو، وأخيراً توفيق يسوع المسيح لي ولخطواتي لاسترداد حقي".

"سوء اختيار القيادات الدينية"

سامح المصري، 46 عاما، وهو ناشط قبطي مقيم في أمريكا، من بين الذي قدموا التضامن والاهتمام بسالي وقضيتها.

يرى المصري التحرش باعتباره "مرضاً نفسياً يحتاج إلى علاج، خاصة عندما يكون الضحايا من الأطفال"، ويرجع سبب وجود التحرش من رجال دين في الكنيسة إلى "سوء اختيار القيادات الدينية القبطية لبعض الأشخاص لمهمة الكهنوت، ما يسبب وجود بعض الكهنة المتحرشين الذين يستغلون هالة القداسة التي يضفيها عليهم البسطاء لتنفيذ أغراضهم المريضة والخبيثة".

ويشعر سامح المصري بالأسف لموقف الكنيسة الأرثوذكسية المصرية حيال الكهنة الذي ثبت تحرشهم وفضائحهم الجنسية، يقول لرصيف22: "اتخذت مؤسسة الكنيسة الأرثوذكسية موقفاً سيئاً جداً في مواجهة عدة حالات لكهنة تم إثبات تحرشهم وتورطهم في فضائح جنسية كان من ضمن ضحاياها أطفال، وقامت بالتواطؤ للتغطية عليهم لسنوات طويلة، وصلت لعشرين عاماً في بعض الحالات".

"لم يتم محاسبة سوى كاهن واحد فقط خارج مصر بفصله".

ويتابع المصري، لرصيف22: "ورغم أنه تم فضح الجميع بالأسماء والتفاصيل في وسائل التواصل الاجتماعي بالإثباتات التي قام البعض بنشرها، وعلى رأسهم سالي، فلم يتم محاسبة سوى كاهن واحد فقط خارج مصر بفصله، ولكن لم تتم محاسبته قانونياً، بينما لا تزال الكنيسة تتباطأ في معاقبة قساوسة آخرين تم بالفعل فضحهم، ولكن لازالت مؤسسة الكنيسة لا تبالي، الأمر الذي يجعل الضحايا يخشون من الإفصاح عما تعرضن له من انتهاكات، خوفاً من رد فعل المجتمع والكنيسة معاً".

وقد نشر حساب "المتحدث الرسمي باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية" بياناً باللغة الإنجليزية في 18 يوليو الماضي، طالب فيه السلطات في مصر وأمريكا بالتوقف عن الاعتراف بيوسف عزيز خليل، اسم رويس عزيز المثبت في الأوراق الرسمية، كقس في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ونوهت أنه تم تجريده من رتبته الكهنوتية عام 2014، وأنه يعمل كقس بشكل غير رسمي.

"الفساد ضرب المجتمع المصري"

يرى سامح أن عطباً أصاب الكنيسة الأرثوذكسية المصرية وتحتاج الكثير لإصلاحه، يقول: "إن الأمر وصل إلى حد أن ما تحتاجه الكنيسة الآن لإصلاح كل هذا العطب، أكبر من مجرد عقد دورات تدريبية لرجال الدين، فالفساد الذي ضرب المجتمع المصري بأسره ومؤسسات الدولة، طال الكنيسة أيضاً وفي العمق، وكل من يحاول الكشف أو فضح الفساد يتعرض لضغوط شديدة وبصور مختلفة".

ويقترح سامح "لإعادة ضبط الأوضاع داخل الكنيسة، إعادة المجالس الملية، والتي كانت مجالس منتخبة من الأقباط لذوي العلم والمهارة والخبرة والمشهود لهم بالأخلاق الطيبة من غير رجال الدين، لإدارة مؤسسة الكنيسة، والتي قام البابا شنودة بالغائها والتخلص منها، ليحكم رجال الدين وحدهم قبضتهم على كل شيء، والنتيجة هو ما نراه الآن من غرق المؤسسة في مستنقع من الفساد، لذلك فإن إعادة تلك المجالس سيكون له دور مهم في حل عدد كبير من ملفات الفساد داخل الكنيسة".

"البابا شنودة ألغى المجالس الملية ليحكم رجال الدين قبضتهم على كل شيء".

ويذكر أنه قد تم تأسيس أول مجلس ملي للأقباط في فبراير 1874، على يد بطرس غالي باشا، الذي تبنى الفكرة واستخدم علاقاته الجيدة بالخديوي اسماعيل لاستصدار أمرا منه بالتشكيل، وتكليف المجلس نفسه بتحديد مجالات تخصصه، ووضع لائحته الداخلية، وقوانين انتخاب أعضاء المجلس المخوّل لهم التصويت من أبناء الكنيسة المصرية.

ضم المجلس الملي في تشكيله الأول عددا من صفوة الأقباط، واختص المجلس بالنواحي الإدارية وغير الدينية، مثل إدارة ممتلكات الكنيسة، والإشراف عليها، وكانت تضم مدارس، ومستشفيات، ومؤسسات خدمية،

كانت ثورة 25 يناير، تحمل الكثير من التغيرات للمجلس كما حملتها لمصر، فقد انتهت ولاية المجلس في 2011، فدخل في مرحلة انتقالية، حيث لم تمنح الكنيسة الفرصة أو الموافقة لإعادة انتخاب المجلس، كان الأمر يستلزم موافقة وزير الداحلية كذلك، حتى رحل البابا شنودة الثالث عام 2012، ثم جاء البابا تواضروس ليعتلي كرسي الباباوية، فتحول المجلس، لمجرد هيئة استشارية، وتغير اسمه إلى "المجلس الاستشاري القبطي"، ليتحول لبيت خبرة وشورى تابع للكنيسة دون صلاحيات حقيقية.

"التحرش إجرام وليس خطية"

تعلق نيفين سمير، مهاجرة مصرية، على الحملة واتهامات بعض القساوسة بالتحرش، قائلة: "السلوك الجنسي المنحرف لا يمكن تصحيحه بالتدين وحده، ولكن يتطلب تشخيصاً ومتابعة مع طبيب أو معالج نفسي لمحاولة التغلب عليه. رجل الدين يجد نفسه في موقع سلطة لا يستهان بها، خاصة في مجتمعاتنا التي يبجل فيها الناس رجل الدين، ويستشيرونه في كل أمور حياتهم، هذه السلطة تتيح لأصحاب السلوك غير السوي أن يسيطروا على ضحاياهم بسهولة، وتعطيهم حصانة ليمارسوا جرائمهم بحرية".

أما عن استجابة الكنيسة الأرثوذكسية المصرية لقضايا التحرش، فكانت نيفين تأمل أن تتعلم الكنيسة القبطية من الكنيسة الكاثوليكية، في رحلتها مع الجرائم الجنسية لرجال الدين، والتي كانت تتبع نفس أسلوب التكتم والتستر على المجرمين، والذي أسفر عن غضب مجتمعي عارم ضد الكنيسة في ساحات المحاكم.

وتنتقد نيفين اللغة المستخدمة في وصف المعتدين المتحرشين جنسياً، ومشددة على أن وصف الاعتداءات بـ"الخطايا" هو "وصف صادم ومعبر عن مدى انعدام الوعي بثقل الموقف وأبعاده النفسية"

وتنتقد نيفين اللغة المستخدمة داخل الكنيسة الأرثوذكسية في وصف المعتدين المتحرشين جنسياً باعتبارهم مقترفي "خطايا"، ومشددة على أن وصف الاعتداءات بـ"الخطايا" هو "وصف صادم، ومعبر عن مدى انعدام الوعي بثقل الموقف وأبعاده النفسية"، وتضيف: "هو أمر محير في حد ذاته، كون الكثير من الكهنة والأساقفة خريجي جامعات، ومنهم أطباء سابقون يفترض أنهم مدركون أن الشخص المنحرف جنسياً يجب أولاً عزله عن أي مهنة أو مكان يتيح له الاحتكاك بضحايا محتملين. وثانياً، يحتاج المتحرش إلى متابعة مع أخصائي نفسي، والأمر يصبح كارثياً عندما نتحدث عن المعتدين على الأطفال، لأن البيدوفيليا لا علاج لها على الإطلاق، ويجب أن تكون الأولوية هي ضمان سلامة الأطفال من الأذى".

وتقيّم سمير أهمية تداول قضايا مثل التحرش الجنسي، مستبعدة أن "تؤجج الفتنة الطائفية" كما يشيع البعض، تقول: "لو كان هذا صحيحاً، إذن فمشكلتنا ليست في تداول القضايا بل في تغلغل الطائفية في مجتمعنا، فمن الضروري أن نفتح ملفات العنف الجنسي، سواء كان المتهم رجل دين أو مدرساً أو طبيباً أو أستاذاً جامعياً، لأن التكتم والتستر هو مشاركة للمجرم في اغتصاب حق الضحية، و إذا حاول مرضى النفوس استغلال الأمر لإثارة فتنة طائفية، فمسؤوليتنا كمجتمع ودولة ومؤسسات دينية أن نواجه ذلك بالرفض القاطع، وألا نتيح أي مجال لذلك".

وتنهي نيفين حديثها لرصيف22 قائلة: "يجب أن تفصل الكنيسة الأرثوذكسية المصرية بين التعليم الروحي الذي يعتبر المعتدي خاطئاً يستحق فرصة للتوبة، وبين مسؤوليتها تجاه أبنائها وتجاه المجتمع ككل، من واجبها حماية المجتمع من إجرام أحد ممثليها".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard