أن ننسى كــ"كيليطو"

الاثنين 19 أبريل 202110:13 ص

بحثت كأي فضولي عن الدراسة التي ذكرها عبد الفتاح كيليطو في أحد كتبه، والتي يدور موضوعها حول "النوم"، والتي يفترض فيها أن شهريار وشهرزاد لم يناما على طول (ألف ليلة وليلة)، بالطبع لم أجد الدراسة، وسلّمت بأنها مدفونة في إحدى مكتبات الجامعات الأوروبية أو ضمن واحدة من الدوريات الأكاديمية، التي ليس من السهل الحصول عليها.

لكن، اكتشفت مؤخراً أثناء قراءة كتاب كيليطو المُقرصن "في جو من الندم الفكري" الصادر عن دار المتوسط، أن الدراسة مبتدعة، ولا وجود لها، بل إن كيليطو نفسه أخطأ ونسي حين افترضها، فشهريار في ترجمة غالان، ينام.

ينبهنا كيليطو، خصوصاً المعتادين على ألاعيبه، منذ بداية الكتاب، بأن هُناك ما هو منسي ومغفل في "مجال المعرفة"، يأتي التحذير بشكل مقطوعة شعرية لغوته، نستشف منها استحالة استيعاب كل شيء، لكن عزاء الشاعر والقارئ هو الكتاب، المستقر الأخير والأول والمشبوه للمعرفة، وكأن كيليطو يقول متوارياً خلف كاتب غيره، إن هناك ما يسقط سهواً، والنص نفسه محرك الشك.

يظهر النسيان في كتاب كيليطو الأخير كنوعٍ من الاستسلام لحتمية بشرية مفادها التالي: لا يمكن قراءة كل الكتب، لكن يمكن قراءة بعضها مراراً

السبب: كلما تعرفنا على نصوص أكثر، تفعّل النسيان، أو "الغفلة عن المعلوم" حسب الجرجاني في "تعريفاته".

المفارقة أن الكلمة التي تلي "النسيان" ضمن كتاب التعريفات هي كلمة "النص"، وهو على النقيض "ما ازداد وضوحاً"، وأيضاً الـ"بيان"، و" ما لا يحتمل إلا معنى واحداً، وما لا يحتمل التأويل".

يتحرّك كيليطو الشخص والنص، والشخص في النص، ضمن اللافراغ بين كلمتي "النسيان" و"النص" في كتاب التعريفات، هذه المساحة لا تظهر على الورق، بل نفترض، بسبب تتالي الكلمتين وغرابة تعريفهما، أن هناك خطأ في الترتيب، بل وفي التعريف نفسه "ما لا يحتمل التأويل"، يبدو أن الجرجاني ساخر هنا، أو واع تماماً أن هناك من سيلتقف تعريفاته، و(يُبهِمُها) حد اللاوضوح.

يظهر النسيان في كتاب كيليطو الأخير كنوعٍ من الاستسلام لحتمية بشرية مفادها التالي: لا يمكن قراءة كل الكتب، لكن يمكن قراءة بعضها مراراً. لكن في ظل الاستسلام والوداعة التي يظهرها كيليطو، يصبح النسيان تقنية للمراوغة، واختبار للقارئ، وتحسس لقدرته على التذوّق واستخلاص اليقين، إذ "ينسى" كيليطو اسم باحث ما واسم كتابه، لكنه يتذكر الحكم الذي أطلق هذا الكاتب "المنسي" على مقامات الحريري.

يصف الجرجاني النسيان أنه "غفلة" عما هو "معلوم"، هذه الغفلة يستعيدها كيليطو طوال كتاب "في جو من الندم الفكري"، بل يشير إلى مواضعها لديه ولدى بورخيس وابن رشد وغفلته في ترجمة "فن الشعر"

يتذكر كيليطو )الذي لا صيغة صحيحة لاسمه حين نكتبه على الـword) لغة الكتاب الذي نسيه، ولاحقاً ينسى اسم "أحد كتب الجاحظ" في مقال بعنوان "الخطأ"، علماً أنه في المقال الذي قبله، يتحدث عن كتابته مقدمة واحدة من ترجمات كتب الجاحظ، لكنه يركز دوماً على أنه ينسى، جاعلاً من النسيان الخطأ المتكرر دوماً، ربما هو فقط من يختبره أو يقع فيه بوداعة وقلة حيلة، أو ربما هو داء يصيب الجميع.

يكتب كيلطيو أن بعض القرّاء ينسون قراءة مقدمات الكتب، خصوصاً أنها تختزل كل ما في الكتاب مباشرة أو تورية، لكن للمصادفة، في مقدمة هذا الكتاب، أي في الاقتباسين الأوليين، يخبرنا صاحب "لن تتكلم لغتي" كل ما سيقوله لاحقاً: هو كاتب ينسى أن بعض كتبه تحوي "أخطاء". لكن، هل نصدق فعلاً أنه ينسى أو نسي؟

لا يفصح فعل نسي عن عملية النسيان، سواء في صيغة المضارعة (ينسى) أو صيغة الماضي (نسي)، هل هي لحظة؟ أم عملية مستمرة؟ هل ما ينسى يكتسب صفة النسيان لحظة الرغبة بالتذكر، أي لحظة إدراك وجوده؟ أو قبلها؟ وهل الأمر أو الشيء أو الكتاب (منسيٌّ) في حال علمنا أنه موجود بالرغم من عجزنا عن استذكاره؟

يشير الجرجاني إلى ذلك حين يصف النسيان، فهو حالة نفسية وعقلية، "غفلة" عما هو "معلوم"، أي ما هو مدرك، هذه الغفلة يستعيدها كيليطو طوال الكتاب، بل يشير إلى مواضعها لديه ولدى بورخيس وابن رشد وغفلته في ترجمة "فن الشعر".

الغفلة الكبرى

الغفلة "إبطال للوقت" حسب التعريفات، أي حالة ذاتية موضوعها الزمان الشخصي، ولنقل إنها غفلة صغرى، أما الغفلة الكبرى، فهي تعطيل للزمن الحتمي (الماضي والمستقبل) على حساب التفصيل، بصور أدقّ، سهو عن ضرورة ما هو قبل وما بعد.

فأن نغفل عن شيء لا يعني أن يبطل كله، بل واحد من تفاصيله، ما يعني أن الغفلة الكبرى، هي نسيان (الما قبل) و(الما بعد) على حساب التفصيل، وهذا ما نتلمسه في "جو من الندم الفكري"، وكأن كيليطو يبدأ من لحظة، أي من التفصيل، أما الـ(ما قبل) فهو كتبه وكتب المعلمين والجاحظ ولافونتين والأهم أخطاؤه ككاتب، و(الما بعد) هو الشك اللاحق حول صحة ما هو مكتوب، شك لدى القارئ وكيليطو الساهي في ذات الوقت.

هذا الشك يفعل الغفلة الصغرى لدى القارئ، أي تلك السهوات التي ربما اختبرها دون أن يدري، تعطيل لزمن الفرد الشخصي لثوان أثناء قراءة ما، فاته إثرها تفصيل أو حيثية ما، والسبب في كل "التغافل" السابق، هو إما لعبة النسيان الحتمية التي يراهن عليها كيليطو، أو توهمنا بسهوه، لكن كيف تظهر هذه اللعبة في النص؟

يرى كيليطو أن الكتابة ترتبط بما قرأه الكاتب، ومعرفة ما قُرِئَ هو سبيل معرفة الشخص أي شخص، لا فقط الكاتب، لكن ما لم يقرأه أحدهم، كاتباً كان أو قارئاً، يكشف لنا أكثر وما هو غير متوقع

نفرح كأطفال أثناء القراءة حين نجد اقتباساً نعرفه من قبل، أو نميّز اسم الكاتب والكتاب، وفي حالة كيليطو تمر أثناء حديثه عن معاني الكلمات وتعددها عبارة "وفي نفسه شيء منها"، في إشارة إلى "حتى"، وهنا نستعيد فوراً "أموت وفي نفسي شيء من حتى"، لصاحب الوجنتين التفاحيتين، سيبويه.

لكن، لا يذكر كيليطو اسم سيبويه، الأمر الذي يتكرر في عدد من الاقتباسات غير المباشرة والتشبيهات التي يُغفلُ أو يَغفلُ كيليطو التدليل على كاتبها، تاركاً لنا متعة مراجعة ما نعرف. لكن، وهنا يعتري الشك القارئ، ماذا لو أن سيبويه لم يكن القائل؟ ماذا لو أن هناك كتاباً (من تلك التي تحمل في عناوينها أسماء الورود أو الجواهر) يحوي العبارة نفسها، يلي ذلك نقاش حول صحتها وصحة نسبها لسيبويه، هذا الكتاب قرأه كيليطو، ووجد أنه من السذاجة الاستمرار في نسب العبارة خطأ إلى سيبويه.

ماذا لو أن متعتي بمعرفة صاحب الاقتباس، تلك التي منحني إياها كيليطو، ليست إلا غشاوة تعميني عن سوء القراءة (الكلمة التي لا تعريف لها لدى الجرجاني)، وحجباً لحقيقة أني لم أقرأ "الكتاب" كاملاً، متعة وطعنة شخصية في ذات الوقت. هنا تتسرطن الغفلة الصغرى لدى القارئ وتحل مكانها الكبرى، أي، ماذا لو أن كل ما قرأته خضع لقانون النسيان، وأصبحت الكتب كتباً أخرى لأني سهوت وغفوت ونسيت وأخطأت وأنا أتنقل بين الأسطر.

في ماء الأحلام وحبرها

ينبهنا غاستون باشلار، الذي يقتبس منه كيليطو عنوان الكتاب، أن أحلام اليقظة غير قابلة للكتابة، بل تصلح للسرد فقط، وهنا يظهر كيليطو وكأنه يحاول تدوين أحلام يقظته عن المؤلفين والكتب والعلاقة بينهم، يتحرك بين ماء الأحلام وشفهية اليقظة ووعيها ورغبتها بالحبر والتدوين.

إذ يُهيّأ له دوماً أن في الكتب احتمالات جديدة، سواء كانت خاطئة أو مصيبة، لتبدو كتبه وكتابه هذا، أشبه بتفسير ملتبس لأحلام اليقظة، وتأوّل على ما كُتب سابقاً في حضرة ما يُكتب الآن، فكلما ابتعدنا عن كتاب ما ازداد قرباً، لأنه حسب رولان بارت، يظهر في كتب أخرى.

فكيليطو يقرأ نفسه، ثم ينسى، ثم يستذكر، ثم يسهو، وفي كل مرّة نحاول تصديقه، أو التسليم بأننا أمام كلام غير قابل للتفاوت، لكن نكتشف لاحقاً، خصوصاً في حديثه عن الكلاسيكيات، تلك الكتب التي تدّعي أننا نقرؤها للمرة الثانية ولو كانت الأولى، أن ماء الحلم يتسلل دوماً بين الأسطر والكلمات حينما نقرأ، ليستبدل الماء/الحلم تدريجياً الكتاب.

والأهم، كلما قرأنا أكثر، ازداد عدد الكتب التي ندّعي أننا قرأناها، تلك التي نعرف عنها من كلام آخرين، إذ تتراكم تقنيات تفادي القراءة عبر القراءة ذاتها، تلك التي يمكن الاستغناء عنها وعن جهدها وحذلقتها، لو قرر أحد فعلاً أن يقرأ سباعية "البحث عن الزمن المفقود"، أو "كتاب العبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر".

القارئ والكاتب هما باختصار "خطأ" يحدّق بـ"خطأ"، باستثناء آدم، ذاك الذي لم يقرأ، بل عرف كل الأسماء وكل المعاني، وسها ونسي بل و"أخطأ" حين تذوق، لا حين نطق أو كتب أو قرأ

لكن ما قاله الآخرون "أجمل" أو "أبلغ" ويستمر الأمر هكذا إلى أن يبتلع الماء كل شيء، ونظن أننا قرأنا كل الكتب، كحالة دجلة الذي كان أسوداً يوماً ما، أو ربما الحكاية ليست إلا حلماً بورخيسياً، أو تلفيقاً تاريخياً لا أصل له، كما يقول البعض.

يرى كيليطو أن الكتابة ترتبط بما قرأه الكاتب، ومعرفة ما قُرِئَ هو سبيل معرفة الشخص أي شخص، لا فقط الكاتب، لكن ما لم يقرأه أحدهم، كاتباً كان أو قارئاً، يكشف لنا أكثر وما هو غير متوقع، إذ يتضح العطب لدى الشريكين (أو المتعاضدين على القراءة، حسب أومبيرتو أيكو)، فالقارئ والكاتب هما باختصار "خطأ" يحدّق بـ"خطأ"، باستثناء آدم، ذاك الذي لم يقرأ، بل عرف كل الأسماء وكل المعاني، وسها ونسي بل و"أخطأ" حين تذوق، لا حين نطق أو كتب أو قرأ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard