سوريا، وصباح فخري، والسوريون أيضاً، رحلوا "كلهم"

الأربعاء 3 نوفمبر 202103:45 م

مئات المنشورات منذ ظهر أمس، الثلاثاء، الثاني من تشرين الثاني/ نوفمبر، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تنعى صباح فخري... رحل رجل القدود الحلبية، صاحب الصوت الرنّان! عشرات الصفات والألقاب والصور عبّر من خلالها سوريون عن حزنهم لرحيل قامةٍ فنية كبرى.

كعادتنا نحن السوريين، كان الانقسام خياراً. شامتون، وشاتمون، وحزناء، لا ضوابط في عصر الفوضى، الجميع يدّعون معرفة الحقيقة وحدها، ويوقنون أنهم على الطرف الصحيح من التاريخ، والحق، والإنسانية، ولا أعرف كيف تكون الإنسانية في تمنّي أقصى درجات العذاب في جهنم، لرجل توفّي وعمره يقارب ثمانية وثمانين عاماً، لموقف غير مثبت من الثورة السورية؟ (يوجَّه الاتهام لأن الراحل أيّد الأسد في انتخابات عام 2014، من دون أي إثبات على هذا الأمر).

اعتمد البعض على صورة قديمة لصباح فخري مع الأسد، تعود إلى عام 2007، عندما قلّده الأخير وسام الاستحقاق السوري.

تخيّل يا رعاك الله أن هذا الإنسان الذي يعيش تحت سيطرة ابنه أنس، منذ سنوات طويلة، مع الاتهامات الموجهة إلى الابن بإخفاء أبيه، واستغلاله، للحصول على الشهرة، تخيّل أن يحسب الناس عليه موقفاً غير مؤكدٍ، في ظل شبه غياب عن الناس، باستثناء ظهور صورة هنا وهناك كل فترة.

ولكن، بعد عشر سنوات، لم يعد المطلوب لمحاكمة أي شخص فيسبوكياً، أن يكون موالياً للأسد، أو صامتاً لسبب أو لآخر. يكفي الأمر مجرد خبرٍ غير موثوق في ظل فوضى الصحافة والإعلام والرأي أيضاً!

اعتمد البعض على صورة قديمة لصباح فخري مع الأسد، تعود إلى عام 2007، عندما قلّده الأخير وسام الاستحقاق السوري. هذه الصورة تكفي لمحاكمة من يحاولون التفكير بالترحّم على صباح فخري، كلهم.

هي ليست المرة الأولى، ولا الأخيرة، التي يتبادل فيها السوريون الشماتة والاتهامات. أمر أصبح معتاداً، حتى في الكوارث التي تصنَّف على أنها وطنية، كحرائق الغابات التي التهمت آلاف الهكتارات قبل عامين، لمجرد أنها تقع في مناطق يسيطر عليها النظام السوري، وكأن سوريا أصبحت بلداً لألف شعب. حالة تتماهى وتتوافق مع عدد الجيوش الأجنبية الموجودة من شمال البلاد إلى جنوبها، ومع وجود أربع جهات محلية مختلفة تسيطر على الجغرافيا السورية، علماً أن شريحةً واسعةً أخرى تمارس الأمر نفسه عند مقتل طفل بقصفٍ من الطيران الحربي، وهو أمر له دلالة بالغة الأهمية حول حاضر سوريا ومستقبلها.

لا ضوابط في عصر الفوضى، الجميع يدّعون معرفة الحقيقة وحدها، ويوقنون أنهم على الطرف الصحيح من التاريخ، والحق، والإنسانية، ولا أعرف كيف تكون الإنسانية في تمنّي أقصى درجات العذاب في جهنم، لرجل توفّي وعمره يقارب ثمانية وثمانين عاماً، لموقف غير مثبت من الثورة السورية؟

مات كله!

جمعتني علاقة خاصّة بصباح فخري، اكتشفتها في وقت متأخر. كنت أمشي يوماً في ساحة الميسات، وسط دمشق، خلال إحدى زياراتي القليلة للمدينة، عندما لمحت إعلاناً لحفلة للراحل. قلت في سرّي: "كيف يسمعون صباح فخري؟". كنت مراهقاً لا يتجاوز عمري الـ14 عاماً. في تلك الأيام، كنت مقيماً في إحدى دول الخليج العربي، في منطقة معدومة النشاطات الترفيهية، ومعروفة بتشددها الديني، والحديث هنا عن مرحلة زمنية تقع في بداية الألفية الجديدة.

اعتاد السوريون هناك أن يقولوا "نازل عالشام"، والشام هنا هي سوريا، بمعزل عن المحافظة المقصودة، إذ إن عليهم جميعهم، باستثناء أهل المحافظات الجنوبية (درعا والسويداء)، أن يمرّوا بدمشق، قبل الوصول إلى محافظاتهم. كان لهذه الجملة مفعول السحر. الشام كانت الجنّة الموعودة المنتظرة بالنسبة إلينا.

مع انطلاق الثورة السورية، في عام 2011، وأنا خارج البلاد أصلاً، ومع ضغط الغضب المتنامي في داخلي، كما شريحة واسعة جداً من السوريين، كان صباح فخري لا يعطيني الأمل فحسب، بل يعطيني الفرح والبهجة في لحظة صعبة، ما إن أغضب، أسمع أغنيةً، فأهدأ. مفعول كما السحر.

في كل مرة أسمع بصوته جملة "مشتقلك يا نور عيوني"، لا أذكر سوى دمشق.

لاحقاً، لم يعد صباح فخري يعطيني الأمل، إذ تلاشى سحره أمام صوت البراميل، والصرخات، والفاجعة التي نعيشها كسوريين منذ سنوات، ما عاد شيء قادراً على سحرنا مجدداً. دخلنا في نفق لا نعلم آخره، ولا دلائل على ضوء هناك.

في كل مرة أسمع بصوته جملة "مشتقلك يا نور عيوني"، لا أذكر سوى دمشق. هي نور عيوني التي أهرب منها، فيعيدني إليها صباح فخري بجملة واحدة بسيطة، وبصوت حنون، وربما هنا التشابه بينهما. كلاهما هنا في هذه الجملة، يملكان حنان العالم كله، لكن دمشق، ومنذ سنوات طويلة، غيّرت عاداتها. ما عادت تلك الجميلة الحنونة بالنسبة إليّ، أنا المحروم من العودة إليها، وأنا أيضاً ذلك السوري الذي يتحدث صباح في أغنية "يا مال الشام" باسمه، وهو يذكّر بالعهود بعدم النسيان مهما طال الزمان، وأنا هذا السوري في بلاد الأرض كلها التي ترفض وجودي كإنسان، وتطالب بترحيلي إلى الجحيم حتى، وسط موجات العنصرية المتتالية. يغنينا صباح عن الكلام، ويزرع بصوته في هذه الأيام غصةً في الحلق. يتحدث صباح باسمي، وباسم كل سوري ما زال يملك نسبةً ضئيلةً من الحنين إلى بلده الأم.

مع انطلاق الثورة السورية، وأنا خارج البلاد أصلاً، ومع ضغط الغضب المتنامي في داخلي، كما شريحة واسعة جداً من السوريين، كان صباح فخري لا يعطيني الأمل فحسب، بل يعطيني الفرح والبهجة في لحظة صعبة، ما إن أغضب، أسمع أغنيةً، فأهدأ. مفعول كما السحر

كتب الممثل عابد فهد، عبر أحد حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي: "رحل صباح... كلّه!"، مقتبساً العبارة من مسلسل الزير سالم. نعم، كلّه. هذا نعي يليق بصباح فخري، على الرغم من كل ما عاناه في سنواته الأخيرة، من استغلالٍ، وإجبارٍ على الظهور على المسرح، على الرغم من وضعه الصحي المتردي، والتنمّر عبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً، قبل أيام من وفاته، مع انتشار صورة له من إحدى حارات حلب.

يذكّرني صباح فخري بجدَّتي التي، وللمصادفة، وُلدت وصباح فخري في العام ذاته، وتوفيا في العام نفسه أيضاً، لكن جدتي كانت أجمل من دمشق، وأجمل من صباح، وامتلكت في داخلها حناناً يفوق حنان صوته.

رحل صباح، ورحلت جدتي من دون أن أراها طوال عشر سنوات كاملة، ومن دون أن أمتلك القدرة على أن أودّعها كما يليق بها، هي أيضاً رحلت كلها... كما أن سوريا رحلت كلها، ولن تعود ربما في المستقبل القريب.

سوريا، وصباح، والسوريون أيضاً، رحلوا "كلهم"، من دون الحصول على التقدير اللازم، على الرغم من الضجيج كله الذي أحدثوه خلال الحياة، والفرح كله... رحل صباح كله، وسوريا كلها!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard