الاقتصاد أم السياسة... من يتبع الآخر في العلاقات بين تركيا والإمارات؟

الأربعاء 23 فبراير 202203:44 م

تشهد الدبلوماسية التركية تحركاتٍ نشطةً منذ بداية العام الحالي 2022، باتجاه تخفيف حدة التوتر مع العديد من الدول، بعد أعوام من الخلافات بين أنقرة ودول إقليمية، على رأسها الإمارات وأرمينيا واليونان ومصر.

توحي هذه التحركات بأن أنقرة تعود تدريجياً إلى سياسة صفر مشكلات التي اتّبعها حزب "العدالة والتنمية" الحاكم منذ عام 2002، والتي كان رائدها القيادي السابق في الحزب محمد داوود أوغلو، قبل أن ينفصل عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحزبه، وذلك على وقع نقطتين أساسيتين: اتجاه المنطقة ككل نحو تهدئة الملفات العالقة وحلها في ما بينها على ضوء التغيرات الدولية (خاصةً سياسة الإدارة الأمريكية برئاسة جو بايدن ومحاولة الانسحاب من الشرق الأوسط)، والأزمة التي عصفت بالليرة التركية والانخفاض الكبير في قيمتها أمام الدولار.

تشهد الدبلوماسية التركية تحركاتٍ نشطةً منذ بداية العام الحالي 2022، باتجاه تخفيف حدة التوتر مع العديد من الدول

من دون سابق إنذار وصل مستشار الأمن القومي الإماراتي، طحنون بن زايد آل نهيان إلى العاصمة التركية أنقرة في شهر آب/ أغسطس من العام الماضي 2021، بعد سنوات من القطيعة بين البلدين، والحرب بالوكالة بينهما في ليبيا، واتهامات غير مباشرة من قبل أنقرة لأبو ظبي بتدبير الانقلاب الفاشل صيف عام 2016.

تبعت زيارة طحنون بن زايد بعد أيام قليلة، مكالمة هاتفية جمعت الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وولي عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد، ثم زيارة الأخير إلى أنقرة، وأخيراً وصول الرئيس التركي إلى أبو ظبي قبل أيام.

هذه التطورات السريعة التي يصفها البعض بالمفاجئة وغير المتوقعة بين البلدين نظراً لحساسية العلاقة بينهما، تفتح باب السؤال حول أهداف كلٍّ من الطرفين لتطبيع العلاقات، وخاصةً الجانب التركي، ومدى الدور الذي تلعبه أزمة الليرة التركية وتراجع الاقتصاد التركي في هذه التطورات.

طريق التجارة يبدأ بخطوة

يقول الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية، طه عودة أوغلو، لرصيف22، إن الزيارة الأخيرة لأردوغان جاءت في سياق المعطيات الإقليمية والدولية المتغيرة وفي مقدمتها "إدراك تركيا خصوصية الإمارات وأهمية دورها وتأثيرها على قضايا المنطقة والمسرح الدولي"، مضيفاً أن الزيارة أتت في ظل مناخ خليجي وعربي ودولي مغاير لما كان عليه الحال خلال العقد الماضي، فضلاً عن البعد الاقتصادي الذي "حضر بقوّة" خلال الزيارة.

وكانت تركيا والإمارات قد وقّعتا 13 اتفاقية تعاون ومذكرات تفاهم، شملت الصحة والعلوم الطبية والتغير المناخي والصناعة والتقنيات المتقدمة والثقافة والتجارة، والأخيرة جاءت بصورة "بيان مشترك لبدء مفاوضات اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة"، حسب ما ذكرت وكالة "الأناضول" شبه الرسمية. كما شملت الاتفاقيات مجالات التعاون الزراعي والنقل والبنية التحتية والرياضة وإدارة الكوارث والطوارئ والأرصاد الجوية، والإعلام والاتصال وغيرها.

ومن اللافت أن أبرز ما وُقّع هو البيان المشترك لبدء مفاوضات اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين البلدين، ما يشير إلى الأغراض الاقتصادية الواضحة للزيارات المتبادلة بين الطرفين، خاصةً مع سعي تركيا إلى توسيع الأسواق التي تصل إليها المنتجات التركية، مع محاولة الرئيس التركي الاعتماد على الصناعة كأساس للاقتصاد التركي.

وقعت تركيا والإمارات 13 اتفاقية تعاون ومذكرات تفاهم، شملت الصحة والعلوم الطبية والتغير المناخي والصناعة والتقنيات المتقدمة والثقافة والتجارة

ويرى الأكاديمي والاقتصادي السوري، فراس شعبو، في إجابته على أسئلة رصيف22، أن تركيا تدرك أن السوق الخليجي "سوق واعد للاقتصاد التركي الذي يحاول الاعتماد على الإنتاج"، مشيراً إلى الطريق البرّي الجديد الذي سينقل البضائع بين البلدين.

وكان أحد المباحثات التي جرت بين تركيا والإمارات، الطريق البرّي لنقل البضائع بين البلدين عبر الأراضي الإيرانية، وحسب موقع التلفزيون الحكومي التركي الناطق بالعربية، فإن هذا الطريق يقلص مدة نقل البضائع بين البلدين إلى سبعة أيام فقط، وهو ما يمثّل ثلث المدة الحالية للنقل عبر البحر.

ويحتل هذا الطريق أهميةً كبيرةً بالنسبة إلى تركيا، التي لا تخفي بدورها سعيها إلى أن تكون مركزاً عالمياً للصناعة والتوريد، في ظل أزمة سلاسل التوريد العالمية التي تعد بدورها إحدى تبعات انتشار جائحة "فيروس كورونا".

ويتابع شعبو: "سمعنا مؤخراً عن الطريق البرّي الجديد الذي سيربط تركيا بالإمارات، وهو ما سيوفر جهداً ومالاً ووقتاً. تركيا تطمح إلى الدخول إلى السوق الخليجي بشكل أوسع من خلال الإمارات، والرئيس التركي يدرك أن السوق الخليجي سوق واعد للاقتصاد التركي الذي يحاول الاعتماد على الإنتاج، وتالياً من البديهي أن يحاول الرئيس التركي فتح طرق جديدة سواء إلى إسرائيل أو الخليج ومصر".

الاقتصاد يتبع السياسة لا العكس!

وبقدر ما يحتل الملف الاقتصادي حيزاً مهماً ويُعدّ سبباً رئيسياً للتحركات التركية الأخيرة، إلا أنه ليس الوحيد، بل يُعد وفق الباحثين الذين التقاهم رصيف22، أحد الأسباب ويتبع السياسة لا العكس، وتالياً فإن التحركات السياسية الأخيرة تجاه الإمارات لا تتعلق بمشكلات الاقتصاد التركي الأخيرة، والتي كان أبرز صورها التراجع الحاد في قيمة الليرة التركية أمام الدولار الأمريكي، (وصل سعر صرف الدولار الواحد إلى 18 ليرةً تركيةً نهاية العام الماضي 2021، قبل أن تعود للاستقرار بسعر 13 ليرةً تقريباً في الوقت الحالي).

وتفسير هذا الأمر لا يتعلق بالاقتصاد فحسب، ويمكن الاستدلال عليه بخفوت التوترات الإقليمية في الفترة الماضية واتجاه الدول إلى التهدئة عموماً (يمكن ملاحظة هذا الأمر في الملفين السوري والليبي تحديداً)، وتالياً فإن كل دولة من هذه الدول تتجه إلى تكريس مكتسباتها عبر السياسة والحوار، سواء أكانت تركيا أو الإمارات أو دولاً إقليميةً أخرى.

يستشعر كُل من تركيا والإمارات أن المرحلة المقبلة هي لإعادة رسم خريطة المنطقة وتحييد الخلافات والبناء على نقاط الاتفاق والتوصل إلى تعاون سياسي واقتصادي وعلى المدى الإستراتيجي البعيد

ومن هذا المنطلق يرى الصحافي المختص بالشؤون التركية، إسماعيل كايا، أنه "ليس من المنطقي على الإطلاق عدّ أن الاقتصاد هو المحرك الأساسي لعلاقات بين دولتين وصلت في السنوات الماضية إلى حد العداء الكبير، والتنافس السياسي والعسكري، والتناحر العسكري غير المباشر في ليبيا مثلاً".

ويعتقد كايا في حديثه إلى رصيف22، أن "هناك حزمةً كبيرةً من الأسباب المتعلقة بظروف داخلية وإقليمية ودولية، دفعت الطرفين لتحسين العلاقات بينهما، بما فيها تغيير الإدارة الأمريكية والسياسات الجديدة في المنطقة لإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، كذلك التحديات الاقتصادية بعد جائحة فيروس كورونا". كما أن هناك رغبةً، وفق كايا، لدى كل من تركيا والإمارات لامتلاك موقع مهم في خريطة المنطقة، والتي يُعتقد أنها تُرسم من جديد.

وبناءً على ما سبق، يعتقد كايا "أن الحديث لا يجري عن إعادة تطبيع العلاقات بين الطرفين بشكل خجول أو ببعض التعاون الاقتصادي، وإنما عن مشاريع كبيرة، الاقتصاد جزء منها"، ويضيف: "كلا البلدين يعيان جيداً أن المرحلة المقبلة هي مرحلة إعادة رسم خريطة المنطقة ومرحلة تحييد الخلافات والبناء على نقاط الاتفاق والتوصل إلى تعاون سياسي واقتصادي وعلى المدى الإستراتيجي البعيد".

تعميم مناخ التهدئة أو المحاولة

من جهته، يرى الباحث في الاقتصاد السياسي، يحيى السيد عمر، أن السنوات السابقة اتسمت بتوتر سياسي ساد غالبية دول المنطقة، وهو ما ترك آثاره على الاقتصاد التركي وعلى اقتصادات دول المنطقة، وفي ما يخص تركيا والإمارات، فهذه المصالحة السياسية والتي لها أبعاد اقتصادية لا تخرج عن مناخ التهدئة السياسية التي تشهدها المنطقة.

اتسمت السنوات الماضية بتوتر سياسي ساد غالبية دول المنطقة، وهو ما ترك آثاره على الاقتصاد التركي وعلى اقتصادات دول المنطقة

ويقول السيد عمر لرصيف22: "على ما يبدو هناك ميل لتهدئة الوضع السياسي في الشرق الأوسط، والانفتاح الاقتصادي التركي الإماراتي لا يصب في مصلحة تركيا فحسب، بل هو مصلحة لكلا الدولتين، فتركيا الساعية إلى أن تكون مركزاً اقتصادياً ومالياً رئيساً في الشرق الأوسط، وأن تكون عقدةً دوليةً في مجال الطاقة، لا يمكنها تحقيق هذا الأمر من دون علاقات سياسية مع الأقطاب الاقتصادية في المنطقة، هذا في ما يخص تركيا. أما في ما يخص الإمارات التي تسعى إلى تقليل اعتمادها على إيرادات النفط والغاز، وقد نجحت في تخفيض الاعتماد على النفط إلى نسبة 30% فقط، فإنها تحتاج إلى تنشيط استثماراتها الخارجية خارج قطاع الطاقة، فاستثمارات الإمارات في تركيا تشكل تعزيزاً لخطتها في زيادة الاعتماد على الاستثمارات العامة وتقليل الاعتماد على النفط".

وفي سياق متصل، يرى شعبو: "اليوم الإدارة التركية تتبع سياسة صفر مشكلات لتحسين الوضع الاقتصادي وكذلك السياسي وذلك لوجود ارتباط بالنسبة إلى الوضع التركي بين الداخل والخارج، لذا أعتقد أن تركيا بدأت تجنح إلى التهدئة مع مصر والسعودية وإسرائيل".

وعلى الرغم من ذلك، يشير إلى أن توجه الإمارات نحو المصالحة مع تركيا سببه الخوف من النفوذ الإيراني المتزايد، لذا فهناك بحث عن "رادع سني" مع غياب أي مرونة أمريكية، ولأن تركيا أصبحت تلعب دور "الحارس" في المنطقة.

ويمكن ربط التحركات التركية الأخيرة على الصعيد الخارجي بالصعيد الداخلي أيضاً، إذ إن الاستفادة من المكتسبات التي حققتها أنقرة عسكرياً وتحويلها إلى نقاط إيجابية في سياستها الخارجية، يعني نفوذاً أكبر وتعزيزاً للاقتصاد التركي الذي واجه صعوباتٍ كبيرةً خلال العام الماضي، وهو ما يسعى إليه حزب "العدالة والتنمية" الحاكم، استعداداً للانتخابات الرئاسية في العام المقبل 2023.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard