"ظلمات بعضها فوق بعض"... الـ"أنا" تحت سيطرة الشركات

السبت 26 فبراير 202201:18 م

المضطرب

وحيدون تماماً

منهكون تماماً

مُذلّون

ومُنقادون في صمت مهيب،

خلف شبح أسود،

بعد سلب قدرنا/ قدرتنا

على الحلم

اختطفنا

"كم سيكون المرء حزيناً، أن يبقى المرء وحيداً تماماً، وألّا يكون لديه حتّى شيء يتأسّف عليه، لا شيء إطلاقاً....لأنّ كل ما فقدته ليس شيئاً، ليس إلّا صفراً غبياً".

بتلك الكلمات لخصّ ديستوفيسكي في روايته "مذلون مهانون" شعور بطل روايته بالاكتئاب الحاد والعزلة، رواية نتشارك فيها جميعاً، يتسلل خلالها الزمن من بين يدينا، نقف مكبلّين وعاجزين عن تدارك الأمر، بمرور الوقت نتصالح مع عجزنا، إذ لا نملك وسيلة للنهوض..

خمس سنوات من حياتي قضيتها في محاولات مستميتة لمقاومة شبح التلاشي في مجهول، يسحق روحي بلا توقف.

شبح تسميه عيادات الطب النفسي "اكتئاب"، مشكلة فسيولوجية تحتاج إلى انتظام في تناول بعض العقاقير بانتظام، ليتلاشى الشبح.

زيارات الشبح

السنة الأولى هي الأصعب على الإطلاق.

لا أعلم ما حلّ بي، كل شيء من حولي يحفزني على البكاء، وأنا لا أجيد سوى التخفي والكتمان.

تمكن مني هذا الشبح بدون حتى أن أعرف من هو، وماذا يريد، والبداية كانت إغماءة مفاجئة، نقلت إثرها إلى غرفة الطوارئ بالمستشفى.

بعد الفحص، جاء الطبيب، وكأنه شبح الاكتئاب هذا، مبتسماً، حاملاً بين يديه قطعة من الشيكولاتة، وسألني برفق: "مين الي مزعلك عشان يحصل كل ده؟".

كما الصوفيون أمام الله، انهرت باكية أمام الشبح.

نصحني الطبيب/ الشبح بالعلاج النفسي، ولم أفعل ذلك إلا بعد أن وصل جسدي إلى مرحلة الإعياء التام، وبدأت أحس بآلام لا وجود مادي لها.

غبار أسود

جلساتي مع طبيبتي النفسية مؤثرة، ومدهشة، لازلت أتذكرها بعد مرور سنوات، واللحظات الأولى، البكاء بلا توقف، تعطيني محارم ورقية، أمسح دموعي التي وجدت طريقها أخيراً للحرية.

مكتب الطبيبة خفيف كالريشة.

بعد أن انقطعت رويداً رويداً عنها، بدا كل شيء ثقيلاً، ومحملاً بغبار أسود، ظل يتراكم حتى صار سحابة سوداء تحجب الرؤيا لأي أفق.

إن كان للاكتئاب/ الشبح أحوال ومقامات، كما للصوفيين مع الله/ الحقيقة، فقد انتقلت الآن من مرحلة البدايات، التي تمثلت بشيوكولاتة الدكتور، إلى مقام "السحابة السوداء"، سواد في سود، أو كما يعبر القرآن: "كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض، إذا أخرج يده لم يكد يراها".

وحيدون تماماً، منهكون تماماً، مُذلّون، ومُنقادون في صمت مهيب، خلف شبح أسود، اختطفنا بعد سلب قدرنا/ قدرتنا على الحلم

الأفق الوحيد المتاح، كان الانشغال بممارسة أبسط الأنشطة اليومية، أن أحافظ على عدم إنهياري، ألّا اشتكي أو أظهر هشاشتي أمام أحد…

ولكني لا أرى أحداً.

رفيقي الوحيد كان شبحي، أراه في مرآة باهتة، وغرفة مظلمة أغلب الوقت، لا أحتمل الضوء، أنظر مرة أخرى، عجوز مسنّة، بلغت الثالثة والعشرين لتوها.

كان مجرّد السعي للتعافي يمنحني الشعور بالحياة، ثمة حدث ما، أشخاص قادرون على التواصل معي دون أن يرمقني أحد بنظرة تشعرني بالعار.

وأي عار يزرعه الاكتئاب في قلب صاحبه الوحيد المنهك!

اليوغا هي الحل؟!

حاولت العلاج بالتأمل وممارسة اليوغا لاستعادة قدرتي على نوم منتظم وعميق. الأمر سخيف في البداية.

ربما هو علاج بالوهم، هكذا فكرت حينها، لكن لا بأس فالوهم ذاته وسط هذا السواد أمر جيد.

بعد فترة قليلة نشأت بيني وبين مدربة لليوغا علاقة صداقة محورها التضامن، كانت تكبرني بعشرين عاماً على الأوراق الرسمية، لكن بنظرة عابرة كنت أنا الأكبر بالطبع.

فترة قصيرة مرت، بدأت أشعر بتحسن، رغم المشقة الجسدية التي تكبدتها في الاستيقاظ مبكراً والذهاب يومياً في السابعة صباحاً لحضور الجلسة.

العلاقة الإنسانية بيني وبين مدربتي تتوطد بسرعة مذهلة، صرت أذهب للقاءها والاستمتاع بالجلسة لوجودها.

كانت تربت على كتفي بحنان يفيض من نظراتها.

أدركت مدى الوحدة والتفكك الذي آل إليه حالي مع هذا الشبح/ الاكتئاب، دون أدري.

الصفر الغبي

انتزع مني الشبح/ الاكتئاب كل شيء.

الصداقات، والتواصل مع الجميع حتى قططي الصغيرة، لكن يد اللطف المطلق الممدودّة إلى من طبيبتي ومدربة اليوجا، كان لها مفعول السحر.

الشبح/ الاكتئاب ضد الصداقات والتواصل.

حينها، رأيت سحابتي السوداء تتفتّح قليلاً، دون أن تبتعد أو حتى تتلاشى، ظلت ترافقني بلا هوادة، لكنها أحيانًا ما تتوارى قليلًا بعد كل جلسة.

أمضيت سنوات أروّض سحابتي، بعدما تعلّمت التفاوض معها، وتأملت جذورها، عرفت أنّ هناك ثغرات وثقوب في روحي ومحيطي الاجتماعي ظلّت تتغذّى عليها، حتى تغوّلت بلا رحمة.

صار النهار جحيماً لا يطاق، والشمس كابوساً أتمنى أن يمضي سريعاً، ربما تماهيت في التلك الأيام مع السحابة.

انفرطت أيامي كحبات لؤلؤ وأنا في استسلامٍ كامل.

بدأت في تأمل الرحلة من بدايتها..ولا أعلم كيف بدأ كل شيء؟ كان الوقت كفيل بنسياني لكل شيء، وحدة مطلقة تفوق ما آل إليه حال إيلينا في رواية خوان خوسيه مياس "هكذا كانت الوحدة".

قرار واحد اتخذته، الحفاظ على عملي، خفت من فقدانه بسبب قدراتي التي تتآكل في كل شيء، بداية من التواصل مع محيط العمل، وليس انتهاءً بالتشتت وقلة التركيز.

هرعت إلى طبيب آخر، متخصص في علاج الاكتئاب، ولم أتردد لوهلة في تعاطي العقاقير والمهدئات، كان أول ما تناولته (سقط اسمه من الذاكرة لهول ما فعل بي) على الأرجح منشطاً.

استيقظت مع شروق الشمس، بعد تناول القرص الأول، بإيقاع سريع لم أعتده في أحسن حالاتي النفسية، وكأنّ بي مسٌ من الجن.

هل قتلت الشبح، وانقشعت الغيوم السوداء إلى الأبد؟

رافق هذا النشاط المفعم قلق دائم، ونوبات هلع استمرّت ثلاث أسابيع.

توقفت عن الدواء.

شكوت لطبيبي آثاره الجانبية، غير المحتملة، فأعطاني بديلاً كان مثل السحر حينها.

ما لن يخبرك به الطبيب

على عجلة من أمري، خضت تجربة الدواء دون ندم، برغم ما عانيته فيما بعد، بدت البديهات المستحيلة أكثر سهولةً ويسراً مع الدواء لكن بلا طعم.

في البداية، انسجمت مع الروتين، وإيقاع الحياة المنتظم، وبعد فترة ليست طويلة صُدمت بهذا القدر من البلادة واللامبالاة.

لم يعدني الدواء إلى نفسي كما توقعت، صرت نسخّة جديدة عني، لا أعرف عنها إلّا القليل.

لن يخبرني الطبيب أنّ صدماتنا المتتالية التي بدأت بعد ثورة يناير بينما كنا صغاراً نتحسس طريقنا إلى ذواتنا، وضللنا الطريق، هي الأب الشرعي لاكتئاب الكثيرين/ات من أبناء/ بنات جيلي

لم يخبرني الطبيب أنّني لست وحيدة تحت سحابتي السوداء، وأنّها تتوحش لأسباب خارجة عن إرادتنا.

لن يخبرني الطبيب أنّ اكتئابي وليد الأمر الواقع، وأنّ صدماتنا المتتالية التي بدأت بعد ثورة يناير بينما كنا صغاراً نتحسس طريقنا إلى ذواتنا، وضللنا الطريق، هي الأب الشرعي لاكتئاب الكثيرين/ات من أبناء/ بنات جيلي.

هل سيخبرني الطبيب مثلاً أنّ ارتفاع الأسعار، وانخفاض مستوى المعيشة، وانعدام الأمان الوظيفي، وسحق الذات، وسرقة العمر والوقت، هو الغذاء المفضل للاكتئاب/ الشبح؟

بالطبع لا.

حياتي تحت سيطرتي، والحقيقة، التي اكتشفتها فيما بعد، أنّها تحت سيطرة شركات الدواء.

سيصبح القرص الصباحي أفضل السبل لأن ينسيني كل هذا، سيدفعني وهم الدواء للشعور بأنّ حياتي تحت سيطرتي، والحقيقة، التي اكتشفتها فيما بعد، أنّها تحت سيطرة شركات الدواء.

بحسب منظمة الصحة العالمية، فإنّ الاكتئاب واحد من الأسباب المؤدية إلى الإعاقة في العالم، وهو مساهم رئيسي في العبء العالمي العام للمرض.

مع ذلك، فإنّ التراخي الشديد في علاج الاكتئاب لا ينبع من جهل بقدر ما ينبع من غض الطرف عن الأسباب الحقيقية.

إننّا اليوم مكتئبون أكثر من أي وقتٍ مضى في عمر حضارتنا الإنسانية.

حزانى.

فرادى.

متلاشون في الركض خلف وهم النجاح، مسحوقون بالوظيفة، وعجلة الراتب الشهري، وأكذوبة التحقق المهني، ننفق في سبيلها كل غالٍ ونفيس فنصبح عبيداً لها دون أن ندرك أنّ كل هذا يسلبنا ما نحن عليه.

كل هذا ينسينا أننّا بشر.

"ستشعرين ببعض الصداع والتوعك في أول شهر"، هذا أول ما أخبرني به الطبيب عن الأعراض الجانبية للدواء، لكن على العكس لم أشعر بأي شيء سوى طاقة مهولة تدفعني لإنجاز مهامي اليومية، بعدما كان القيام من الفراش معجزة أدعو الله كل صباح أن تتّم على خير.

مع مرور الوقت بدت الحياة أكثر روتينية، وهو المطلوب، فالاكتئاب/ الشبح يتغذى على الشعور بالفراغ والعدمية، ويعيده إليك مرّة أخرى، مضافاً إليه الإحساس بالمرارة والفشل والضآلة، مع الكثير من جلد الذات.

لتتوحد في النهاية مع الشبح، يصبحك وتصبحه، تتحرر من أناك إلى العدم الواسع، في عالم ضيّق موحش.

يجادل الطبيب النفسي الأمريكي، ناصر غيمي، في كتابه "عن الاكتئاب: الأدوية والتشخيص واليأس في العالم الحديث"، بأنّ الاكتئاب ليس مرضاً بيولوجياً في الكثير من الأحيان، لكنّه على الأغلب عوامل اجتماعية وثقافية تضافرت معاً لتخلق المرض.

ويوجه أصبع الاتهام للمجتمع العلمي الأمريكي، بأنّ الدواء ليس حلاً ولا حتّى جزء منه في معظم الحالات.

علاج الاكتئاب بالنسبة لغيمي هو اتخاذ قرار بالعيش ومواجهة الحياة، اختيار واحد يجعل المريض متمكناً من اجتياز المرض في مراحله المتوسطة، ما لم يصل الأمر إلى الاكتئاب السريري.

آيات من وحي "الشبح"

كلنا سنموت، ونفنى، ونتلاشى حتى لا يغدو لنا أثر.

كلنا سنمضى إلى غير رجعة.

لن نلقى أحبائنا مجدداً، لن نكرر ما فعلناه هنا على الأرض.

أفكار/ آيات تدور في قلب وعقل المكتئب، كدوران الحجيج حول الكعبة المشرّفة، تؤلمه وتسحق وجوده، لكنها بفضل الدواء تصبح أفكاراً عادية.

حتى تخيل موت الأقربين وفراقهم سيصبح عادياً بليداً، لا يثير الحزن ولا أي شعور، لا شيء محزن ولا آخر يدعو للبهجة.

الحب كلمة بلا معنى.

والتواصل مع الآخر أكثر برودة من سيبيريا في فصل الشتاء.

يتهم البروفيسور غيمي في أطروحته حول الاكتئاب الحداثي، المجتمع والدولة والنظام والعائلة والأصدقاء، فالسحق الذي يتعرّض له إنسان القرن العشرين وما بعده، فكك شعوره بجدوى الحياة، وصهر روابط التواصل، ووضعنا أمام مفهوم جديد في الصحة والاقتصاد، عبر عنها بمصطلحات "الصحة الاجتماعية" و "رأس المال الاجتماعي".

متلاشون في الركض خلف وهم النجاح، مسحوقون بالوظيفة، وعجلة الراتب الشهري، مخدوعون بأكذوبة التحقق المهني... كل هذا ينسينا أننّا بشر

والحقيقة، بحسب غيمي، إنّ أي خلل في هاتين المنظومتين هو ما يتسبّب في الاكتئاب.

العلاج يكمن في وعي المريض بمعاناته، وتقبله لخوض تجربة الحياة حتّى لو على مضض.

وأضيف زيادة على غنيمي، إنّ معرفة إنسان العصر بمن وبما يفتك به هو قطعاً نصف طريق التعافي.

تكيفنا نحن البشر لملايين السنين وتطورنا على العيش في جماعات، لم يعرف البشر طوال تاريخهم الفردانية، ضربت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وقبلها الثورات الصناعية تطورنا في مقتل.

الكل فرادى ومنزويون، ودول تخصص وزارات للوحدة، مثلما فعلت بريطانيا واليابان، بعدما لم تجد العقاقير نفعاً.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard