عبد الحميد الزهراوي... مناضل سوري دفع حياته ثمناً لمعارضة العثمانيين

السبت 12 مارس 202211:34 ص

مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي مدينة حمص السورية، رُزق محمد شاكر إبراهيم الزهراوي، بطفل أسماه عبد الحميد.

حرص الأب على تعليم ابنه وتثقيفه، ليصير بعد سنوات زعيماً سياسياً، ينال حظه من الملاحقات والاعتقالات بسبب آرائه، قبل أن تنتهي حياته على خشبة الإعدام العثمانية.

مفكر وصحافي وسياسي

في مؤلفه "عبد الكريم الخليل: مشعل العرب الأول"، كتب يوسف حازم عن الزهراوي: "هو الشيخ عبد الحميد بن محمد شاكر بن إبراهيم الزهراوي، مفكر وصحافي، وُلد عام 1855 في مدينة حمص السورية، ودرس في كتاتيبها ثم في بعض المدارس، وكان طالباً متفوقاً في الدروس والتحصيل".

لكن محمد راتب الحلاق، يحدد له تاريخ مولد مختلف، فقد ذكر في كتابه "عبد الحميد الزهراوي/ دراسة في فكره السياسي والاجتماعي"، أنه وُلد عام 1871، مشيراً إلى أن "أسرته ينتهي نسبها إلى الإمام حسين بن علي، ابن السيدة فاطمة الزهراء، وأغلب الظن أن نسبة الزهراوي مشتقة من اسمها".

عمل الزهراوي في الصحافة، وأصدر جريدة "المنير" في حمص، عام 1894، وكان يوزّعها سراً في البلاد السورية. ويشير عبد الله حنا، في مؤلفه "صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سوريا القرن العشرين"، إلى أن "الجريدة كانت آنذاك متوافقةً مع سياسة الاتحاد والترقي (منظمة ثورية سرية تأسست باسم جمعية الاتحاد العثماني في إسطنبول يوم السادس من شباط/ فبراير 1889)، التي اعتقد أحرار العرب أنها ستنقذهم من استبداد السلطان عبد الحميد الثاني وإدارته الطاغية، ولهذا ضيّقت السلطات الخناق على الزهراوي، ما أجبره على التوقف عن إصدارها".

عن تلك الفترة، تحدث الزهراوي نفسه، في مقال له بعنوان "تربيتنا السياسية 1"، نُشر في جريدة "الحضارة"، وهي أسبوعية أسسها الزهراوي عام 1910 في الآستانة، وكانت تنشط في الدفاع عن الحقوق العربية في السلطنة العثمانية، وفي مؤلفه "الأعمال الكاملة". كتب: "كان الناس يخافون من الجدران أن تنمّ عليهم فراحوا يتسابقون في الرياء، والسعيد عند نفسه مَن رأى أنه أجهر الناس وأفصحهم أو أبلغهم في مدح ذلك الحاكم المطلق".

في الإقامة الجبرية

في ظل هذه التضييقات عليه، سافر الزهراوي إلى الآستانة. وحسب يوسف حازم، عمل هناك في صحيفة "معلومات" التي كانت تصدر بالعربية في تركيا، إلى جانب متابعته تحصيله العلمي.

ويروي حنا أن "الزهراوي كان منذ نشأته ميالاً إلى الاشتغال في الإصلاح الديني والاجتماعي المرتبط بالسياسة ارتباطاً وثيقاً، ودخل ميدان السياسة في وقت كان الاستبداد الحميدي فيه يخيّم على البلاد، لكنه لم يتراجع عن آرائه الإصلاحية، وانتقل إلى إسطنبول لتحقيق أغراضه"، مشيراً إلى أن "سلطات إسطنبول سعت إلى كسبه إلى جانبها عن طريق تعيينه قاضياً لأحد الألوية، خوفاً من أن تسري كهربائية أفكاره المتنورة إلى الغير".

لكن الزهراوي رفض المنصب، فأوقفته السلطات ووضعته تحت المراقبة في إسطنبول مدة أربعة أشهر، ثم أُرسل مخفوراً إلى دمشق، للإقامة الجبرية فيها، مع تخصيص راتب شهري له قدره خمسمئة قرش. وخلال تلك الفترة، كتب رسالةً في الإمامة، وأرسلها إلى مصر، ونشرتها جريدة المقطّم بإمضاء "ع. ز"، ثم كتب ثلاث مقالات في "الفقه والتصوف"، باحثاً في أمر الاجتهاد ونقد بعض المسائل، ما أثار عليه نقمة الجمهور، وفقاً لحنا.

لم يمرّ الأمر بسلام، وإنما، يذكر حنا التالي: "اعتقل ناظم باشا، والي الشام، الزهراوي، إرضاءً للعامة، وخشيةً عليه من فتكهم، وأُرسل مخفوراً عن طريق بيروت إلى الآستانة، فوُضع هناك في الإقامة الجبرية مدة ستة أشهر، ثم أُرسل محفوظاً إلى حمص أيضاً بالراتب ذاته الذي تقاضاه في دمشق، وفي عام 1902 هرب إلى مصر".

"نُفّذ به حكم الإعدام في ساحة المرجة، وسط دمشق، في 6 أيار/ مايو 1916، وعند إعدامه انقطع الحبل به، فرُفع من جديد، ويُروى أنه نظر بإصرار وتحدٍّ إلى وجه ظالميه، وقال: "العناية ترعى وطننا الحبيب، وسوف نصل إلى الحصول على استقلالنا كاملاً"

مقالات الزهراوي الثلاثة المذكورة نشرتها مجلة المنار عام 1910، تحت عنوان "الفقه الإسلامي". وفيها يقول: "كلامي في الفقه الإسلامي حملني عليه سبب شريف، ذلك أنني كتبت إلى صديق فاضل هو رشيد رضا، وعرضت نبذةً من أفكاري بأننا إخوان سعي في سبيل إصلاح، يهتم له الشاعرون بالأحوال، وينكره الواقفون الذين تتجاذبهم الأهواء ويتجاذبون الأدواء، والمكتوب جاء فيه إنكار لكثير من العلوم التي يعتبرها المسلمون من العلوم النافعة لهم في دينهم ودنياهم، وأعتبرها بالعكس بما قدم عندي من البرهان".

وعلّقت "المنار" على كلمات الزهراوي بالقول: "هو يريد الاختصار والتبسيط والعودة بالدين إلى البساطة والسهولة والاشتغال بعلوم الدنيا التي تعطي أصحابه القوة والعزة".

حياة الزهراوي في القاهرة

عن حياته في القاهرة، يروي محمد راتب الحلاق أنه "اتصل بالشيخ علي يوسف (أحد أشهر الصحافيين المصريين في عصره)، وكلفه الأخير بأن يكون محرراً في جريدة المؤيد، فنشر المقالات ذات المواضيع المختلفة، إلى أن تأسس حزب الأمة، فانتقل إلى العمل مع (أحد روّاد حركة النهضة في مصر) أحمد لطفي السيد، محرراً في الجريدة، وتابع نشر المقالات ذات الاهتمامات المختلفة، والهادفة أصلاً للإصلاح، وبقي في مصر عَلَماً من أعلام الفكر والإصلاح حتى عام 1908".

وبعد أن خُلع السلطان عبد الحميد الثاني في 27 نيسان/ أبريل 1909، يروي حنا أن الزهراوي عاد إلى سوريا وإسطنبول مرةً أخرى، وأصدر في الأخيرة، بالاشتراك مع شاكر الحنبلي، في أوائل عام 1910، جريدة الحضارة، وكتب في افتتاحية العدد الأول: "إننا ندعو إلى إقامة ميزان العدل في هذه الحكومة، ونقاوم ما نراه حيفاً أو نصراً للحيف بقدر ما تساعدنا عليه القوانين".

ويوضح يوسف حازم أن الزهراوي انتُخب ممثلاً عن حمص في مجلس المبعوثان، وهو أول مجلس عثماني (أنشأه السلطان عبد الحميد الثاني عام 1877)، ورئيساً للمؤتمر العربي الأول الذي عُقد في باريس في 21 حزيران/ يونيو 1913، لمطالبة الحكومة التركية بالإصلاحات، وعُيّن بعد المؤتمر عضواً في مجلس الأعيان.

آراء الزهراوي وأفكاره

كتب الزهراوي مقالاتٍ في الأدب والنهضة والسياسة والإصلاح، وتميّز بالجرأة والصراحة وتغليب العقل والمنطق، كما اهتم بحرية الرأي، والتنوع والاختلاف في الآراء.

في مقال له بعنوان "القوة"، ورد في مؤلفه "الأعمال الكاملة"، يتحدث عن الاختلاف، ويقول: "الاختلاف أمر طبيعي، لا يحسن بنا أن نشمئز منه، بل يجب علينا أن نسلك فيه أحسن السبل، وأن تكون لنا فيه أدوية من الآداب والسنن الاجتماعية، يجب أن نعرف أن له درجات، وأن بعض درجاته يمكن تخفيفها بحسن التفاهم وتقارب الرغائب، وهو الذي نسميه وفاقاً ووئاماً، وبعض درجاته يمكن تخفيفها بحسن التدبير وهو الذي نسميه سياسةً".

"الأحسن لا يأتي إذا بطل الانتقاد، والانتقاد لا يتيسر إذا صادف مَن يقدر على الاستبداد، فالوقوف أمام منافذ الاستبداد أعظم الأعمال"... عن عبد الحميد الزهراوي، أحد أعلام النهضة السياسية في سوريا في نهاية القرن الـ19 وبداية القرن الـ20

كان الزهراوي سياسياً كارهاً للاستبداد، لأنه يخنق الفكر ويسد عليه المنافذ، ويحول دون التقدم والإصلاح. يقول في مقال بعنوان "النظار" نشره في جريدة الحضارة: "الطموح إلى الأحسن هو اللائق بالحيّ، والأحسن لا يأتي إذا بطل الانتقاد، والانتقاد لا يتيسر إذا صادف مَن يقدر على الاستبداد، فالوقوف أمام منافذ الاستبداد أعظم الأعمال، وتأييد الذين يقفون هذا الموقف أكرم الخلال".

ويؤكد في مقال آخر حمل عنوان "خواطر السياحة"، ورد في "الأعمال الكاملة": "تا الله لو ظلت الأمم طول دهرها حليفة الشكوى مع عدم المقاومة لما زال عن رأسها المتغلبون الذين يحبون أن يُحمدوا بما لم يفعلوا، ويكرهون أن يناقَشوا بما يعملون".

"مَن لا قوم له لا وطن له"

عارض الزهراوي بشدة مصادرة الحريات والأفكار بحجة الحفاظ على الدولة وبقاء وحدتها، فكتب تحت عنوان "تربيتنا السياسية 2"، في مجلة الحضارة: "نحن مسلمون لكننا لا نريد اتحاداً يكون خارجه أبناء وطننا من غير المسلمين، ونحن عثمانيون لكن لا نريد اتحاداً يكون خارجه كل أبناء الوطن من غير الترك، وتفسير هذا الكلام بغاية الصراحة أن الاتحاد النافع هو الذي يبقى فيه العربي مثلاً عربياً، والرومي رومياً... ولا يسيء أحد بأحد الظن حين يريد خدمة لسانه، ويسعى في ترقية أفكار قومه، ويظهر تمنيه بأن يكثر فيهم العلماء والأدباء، فالاتحاد إذا كان من أجل الوطن فالرجل الذي ينسى قومه وقوميته لا يأمنه على الوطنية إلا أحمق، فإنّ مَن لا قوم له لا وطن له، ومَن ينسى أهله فهو ناسٍ وطنه قبل ذلك".

كان الزهراوي يريد لأبناء وطنه أن يتزودوا بكل علم نافع، وحث على تعليم البنات، فكتب في مجلة الإنسانية التي أسسها الشاعر الفلسطيني إبراهيم الدباغ عام 1903، في القاهرة: "الأم هي المربية الأولى فيجب أن يتعلمن (البنات) تدبير المنزل وأمور بيتهن، ولست أدري لماذا لا يعلّموهن قواعد اللغة العربية أيضاً، وتاريخنا المجيد، والسيرة النبوية كما يجب وينبغي، أما تعليمهن لغات الأجانب فلا أجد له معنى".

وحين استطاع الأوروبيون إجبار الدولة العثمانية على تخفيض الرسوم والضرائب على التجارة التي يمارسها الأجانب في الدولة، أدرك الزهراوي أنها لعبة استعمارية، وهاجمها من خلال مقالات عدة نشرها في جريدة الحضارة.

نهاية على خشبة الإعدام

يروي القائد العثماني تحسين علي، في مذكراته، الأحداث التي أدت إلى إعدام الزهراوي: "اشتد الخلاف بين الأتراك والعرب، وكانت جمعية الاتحاد والترقي التي خلعت السلطان عبد الحميد، هي صاحبة السلطة، وتعارض المطالبين بالاستقلال الإداري للبلاد العربية واللا مركزية، وكان المنتدى الأدبي (الذي أسسه في إسطنبول عام 1910 طلاب وموظفون عرب)، يروّج لهذه الفكرة، ويطالب الحكومة بإقرار اللا مركزية وتطبيق اللغة العربية في محاكم البلاد العربية رسمياً، وقد حاول الاتحاديون إخماد هذه الحركة بتعيين بعض زعماء العرب في مجلس الأعيان، إلا أن العرب لم يوافقوا على ذلك، وطلبوا من هؤلاء الامتناع عن قبول هذه العضوية".

ويتابع سرد روايته: "عندها عيّنت الحكومة التركية وزير الحربية جمال باشا، قائداً عاماً على سوريا ولبنان، فاتخذ مدينة عاليه في الأخيرة مقراً له، وألف ديواناً عرفياً لمحاكمة الناشطين من القوميين العرب، متهماً إياهم بالخيانة العظمى، وقد حكم على عدد منهم بالإعدام". كان الزهراوي واحداً منهم.

وحسب موقع الموسوعة الدمشقية، اتُّهم الزهراوي بالتخابر مع فرنسا لقلب نظام الحكم في إسطنبول. وفي هذا السياق، يقول محمد نذير سنان، في مؤلفه "لماذا سوريا بين حرب وسلام خلال مئة عام 1918-2018؟": "صدر حكم الإعدام في 26 نيسان/ أبريل عام 1916، على الرغم من البرقيات التي أرسلها الشريف حسين (شريف مكة)، إلى (القائد العسكري العثماني، وأحد قادة حركة تركيا الفتاة التي خلعت السلطان عبد الحميد الثاني)، أنور باشا، طالباً العفو عن الزهراوي ورفاقه"، ويشير إلى أن "الأمير فيصل (ثالث أبناء الشريف)، زار جمال باشا، في 5 أيار/ مايو، يطلب منه إرجاء تنفيذ حكم الإعدام، وإعادة المحاكمة، لكنه رفض وهدد الأمير بإعدامه إذا تعرض لمثل هذه المسائل".

ويتحدث يوسف حازم عن نهاية الزهراوي قائلاً: "نُفّذ به الحكم في ساحة المرجة، وسط دمشق، في 6 أيار/ مايو 1916، وعند إعدامه انقطع الحبل به، فرُفع من جديد، وشُدَّ من رجليه شداً قوياً حتى قضى نحبه".

وحسب الحلاق، حين صعد الزهراوي إلى منصة الإعدام، نظر بإصرار وتحدٍّ إلى وجه ظالميه، وقال كما نقل الدكتور جهاد مجيد محيي الدين، في بحث له بعنوان "المقاومة العربية في بلاد الشام وجمال باشا": "إن العناية ترعى وطننا الحبيب، وإننا سوف نصل إلى الحصول على استقلالنا كاملاً، بعد أن ننتقم من الخونة الأتراك".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard