لماذا يصلّي البعض خارج المساجد؟

السبت 19 فبراير 202205:42 م

عندما تمر من أمام أحد المساجد في أي حي شعبي يوم الجمعة تحديداً، داخل القاهرة أو الإسكندرية، تجد المصلين يفترشون السجاد، على الأرض، من أجل الصلاة، حتى لو ترتب على ذلك غلق الشوارع وتعطيل حركة السير، الأمر الذي قد يؤدي إلى غلق مداخل العمارات والأبراج حينما يتوسط المسجد المباني السكنية.

فإن قررت امرأة الخروج من منزلها، تشعر بالحرج حينما تحاول أن تتحرك بين الشيوخ والشباب، إلا أن هذا لا يمنع المصلين من التجمع خارج المساجد. وأسأل نفسي كلما رأيت ذلك المشهد: ما هي قصة هذه الظاهرة الغريبة؟ ومتى بدأت؟ وكيف انتشرت في مصر؟

كيف تمر سيارة إسعاف تحمل في داخلها رجلاً مريضاً إن كان الشارع مغلقاً من أجل الصلاة، ولا يسمح حتى بعبور المارة؟

الهروب من الضرائب

في فترة السبعينيات، وخلال حكم الرئيس الراحل السادات، صدر قانون الإعفاء الضريبي، وبموجبه فإن أي بناية سكنية تقام أسفلها "زواية"، وهي المسجد الصغير الذي قد تصل مساحته إلى 30 أو 40 متراً، شاملةً دورات المياه وساحة الصلاة، يتم إعفاء صاحبها من دفع فواتير المياه والكهرباء. ترتب على ذلك انتشار زوايا الصلاة، فإذا رغب المصلون في أداء صلاة الجمعة فإنهم يضطرون إلى الصلاة خارج المسجد لأن مساحته لا تستوعب أعداد المصلين، على الرغم من أن الشارع قد يكون متسخاً ولا يصلح للصلاة التي تحتاج إلى مكان نظيف طهور، ناهيك عن عدد الزوايا المبنية من دون ترخيص داخل القاهرة.

إدمان الدين

لكن الظاهرة ذات بعد سياسي أيضاً. فعندما رغب أنصار التيار السلفي في مصر، في الزج بالناس إلى "إدمان الدين" حتى يتسنى لهم التحكم في المجتمع عن طريق إبراز مظاهر معيّنة، ومنع المارة من المرور في شوارع معيّنة، جعلوا الناس يصلون في الشارع ويتركون المسجد فارغاً من الداخل، وهذا يعني أن الأمر لم يقف عند حد ضيق مساحات المساجد فحسب، وعدم قدرتها على استيعاب المصلين، إذ استغل السلفيون فصل الصيف وعدم قدرة البعض على تحمل ارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى عدم وجود مراوح للتهوئة ووسائل تبريد. وإن مررت بعمر طوسون (مسجد) أمام البنك المركزي، في الإسكندرية، فإنك تجد أن الصلاة لا تتم داخل المسجد يوم الجمعة، ويتم الخروج إلى الشارع وقطع الطريق تماماً حتى للمارة، والمسجد فارغ تماماً على الرغم من اتساعه.

إن قررت امرأة الخروج من منزلها، تشعر بالحرج حينما تحاول أن تتحرك بين الشيوخ والشباب، إلا أن هذا لا يمنع المصلين من التجمع خارج المساجد. وأسأل نفسي كلما رأيت ذلك المشهد: ما هي قصة هذه الظاهرة الغريبة؟ ومتى بدأت؟ وكيف انتشرت في مصر؟

إغلاق الطريق

كيف تمر سيارة إسعاف تحمل في داخلها رجلاً مريضاً إن كان الشارع مغلقاً من أجل الصلاة، ولا يسمح حتى بعبور المارة؟ النبي محمد، عليه السلام، نهى عن الجلوس في الطرقات، وأمر المسلمين أن يعطوا الطريق حقه، فلا تقل لي إنك قاطع الطريق من أجل صلاتك، لأن بيوت الله، هي المكان الذي يليق بالصلاة حتى وإن كانت للضرورة أحكام، كما أن الصلاة علاقة شخصية خاصة بكل فرد لا يدركها إلا الله والمصلّي، ويفضَّل أن تكون الصلاة بلا رياء، ولا تعطيل الطرق، وألا تؤثر سلباً على الآخرين.

هل الصلاة خارج المسجد باطلة؟

إن غالبية رجال الدين المصريين الذين يؤكدون جواز الصلاة خارج المنزل، لا يتحدثون عن حالة واحدة تبطل فيها هذه الصلاة، لكن في تصريح للشيخ عثمان الخميس، وهو رجل دين كويتي، يؤكد أن الصلاة خارج المسجد في ظل وجود أماكن فارغة للصلاة داخله، باطلة ولا تجوز، فكيف يمكن أن تجوز الصلاة في شارع غير طهور، وشرط الصلاة الطهارة التي تشمل طهارة الشخص نفسه وطاهرة المكان الذي يصلي فيه؟

هل يستطيع رجل دين أن يخرج إلى الناس ويطلب منهم الامتناع عن الصلاة خارج المسجد حتى لا يعطلوا حركة المارة؟ لا أحد يقدر على ذلك إذ سيكون عرضةً لاتهامات بالكفر وبتحريض الناس على الفسق بالابتعاد عن الصلاة

تسيّد الإسلام السياسي

في تقديري، إن ظاهرة الصلاة في الشارع انتشرت داخل مصر بسبب تسيّد الإسلام السياسى للمشهد المصري، وازدياد شعبية الجماعات الإسلامية التي ادّعت أن أرض الله طهور، على الرغم من وجود النفايات حول المصلين، كما يعدّونها إعلاءً لشأن الدين بفرض الأمر الواقع بالقوة على العامة، وأعتقد أنها السبب الرئيسي في حالة التظاهر بالتدين الذي أصبح سائداً اليوم، ذلك التظاهر الذي تسبب في نمو الفساد والرشوة والكذب، وأبعد الناس عن العبادة الحقيقية لله تعالى.

هل يستطيع رجل دين أن يخرج إلى الناس ويطلب منهم الامتناع عن الصلاة خارج المسجد حتى لا يعطلوا حركة المارة؟ لا أحد يقدر على ذلك إذ سيكون عرضةً لاتهامات بالكفر وبتحريض الناس على الفسق بالابتعاد عن الصلاة، وأن فرض الله يجب أن يؤديه الناس في أي مكان وبأي طريقة، لكن الصلاة لها شروط وآداب وليست وسيلةً للتظاهر بالإيمان غير الحقيقي، فكيف تكون واقفاً بين يدي الله وفي الجهة المقابلة لك مكبّ قمامة؟

لا يمكن لأحد أن يبدي اعتراضاً على هذا السلوك، أو حتى مجرد انتقاد، حتى لا يجد نفسه بين عشية وضحاها خلف القضبان، والسبب هو أن المجتمع نفسه الذي تشرّب الدين حتى الإدمان، وأصبحت كل مظاهر التدين فيه أمراً مسلّماً به لا يقبل المساس. حتى عندما يتناول الإعلام الحديث عن الصلاة خارج المسجد لا يخرج عن إطار جوازها.

يظن البعض أن الصلاة خارج المساجد في الوقت الحالي تقلل من تزاحم المصلين، وهذا بالطبع يمنع انتشار وباء كورونا، وهذا ظن خطأ إذ يمكنك الصلاة في جماعة داخل بيتك مع أفراد أسرتك الذين تثق بعدم إصابة أحدهم بالفيروس، فيما المصلون قد يكون أحدهم مصاباً ولا يعير اهتماماً لما أصبح عليه.

أنا لست ضد الشعائر الدينية، أو ضد إقامة الصلوات بأي شكل من الأشكال. الجميع أحرار في ما يفعلون، لكن يجب أن تكون الحرية مسؤولةً وأن يحترم الجميع حق الغير في الشارع، لأنه ليس ملكاً لطائفة بعينها أو لأصحاب معتقد ديني معيّن... الشارع ملك للجميع

عشت سنواتٍ طويلةً من عمري في قرى الصعيد، ولم ألاحظ مرةً واحدةً تجمهر الناس للصلاة خارج المساجد في الشوارع، على عكس الحارات الشعبية في القاهرة حيث لا تمر صلاة جمعة من كل أسبوع إلا وأجد المصلين يفترشون الشارع بالسجاد أمام المسجد المقام أسفل المنزل، على الرغم من أن حارس العقار يغسل سجاد السكان ويسكب المياه في الشارع وبجوار المسجد مغسل سيارات ومغسل ملابس، وكلاهما يلقي بنفايات المياه الملوثة في الشارع، والغريب أن جميع المصلين يرون هذا كل يوم بعيونهم.

أنا لست ضد الشعائر الدينية، أو ضد إقامة الصلوات بأي شكل من الأشكال. الجميع أحرار في ما يفعلون، لكن يجب أن تكون الحرية مسؤولةً وأن يحترم الجميع حق الغير في الشارع، لأنه ليس ملكاً لطائفة بعينها أو لأصحاب معتقد ديني معيّن... الشارع ملك للجميع.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard