العراق يطوي صفحة الانتخابات ويفتح الباب للمجهول!

الخميس 2 ديسمبر 202104:47 م

استقرّت المفوضية العليا المستقلّة للانتخابات، على النتائج النهائية للاقتراع الذي جرى في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، والتي برزت من خلالها وجوه سياسية جديدة، وخسارة قوى اعتادت على التواجد في البرلمان بشكلٍ كبيرٍ، خلال الدورات النيابية الأربعة السابقة.

وطالب الإطار التنسيقي الشيعي، وهو تحالف يضم الأحزاب الخاسرة، بإلغاء نتائج الاقتراع التي حصد فيها خصمهم مقتدى الصدر، 73 مقعداً برلمانياً، وهي النتيجة التي فاجأتهم، وفاجأت الكثيرين، فيما رأى زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم، النتائج الحالية بأنها تُسبّب "بالإرباك وفقدان التوازن".

وتتجه بقية القوى المنضوية في الإطار، إلى الاجتماع بزعيم التيار الصدري، من أجل الوصول إلى تفاهمات سياسية، ولم تتّضح بوادر الخروج من الأزمة المستمرة منذ بدايات شهر تشرين الأول/ أكتوبر، وحتى الآن، الأمر الذي دفع الكاتب السياسي، غسان العطية، إلى "الاعتقاد بأن المخرجات ستحدَّد على ضوء قرار المحكمة الاتحادية بخصوص الانتخابات".

نتائج الانتخابات تضع الأطراف الشيعية المعترضة أمام خيارين: إما القبول بالأمر الواقع الذي يعني الانقسام داخل صفوف الإطار التنسيقي، وإما التصعيد واللجوء إلى العنف

وكانت المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، قد أرسلت النتائج التي أصدرتها الثلاثاء في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم، إلى المحكمة الاتحادية للمصادقة عليها.

وسيضع إقرار المحكمة للنتائج الأخيرة، في حال حصل، الأطراف الشيعية المعترضة أمام خيارين، حسب العطية: "إما القبول بالأمر الواقع الذي يعني الانقسام داخل صفوف الإطار التنسيقي، وانضمام بعض أعضائه إلى الصدر، وتدعم هذا الخيار اللقاءات التي جمعت الصدر بالعامري، وإما التصعيد واللجوء إلى العنف، وهو المرجّح، خاصةً وأن الصدر يحظى بتعاطف قائمة تقدّم الفائزة بالمرتبة الثالثة بـ37 مقعداً، بالإضافة إلى تأييد القوى الكردية، وبعض المستقلّين، ما يمنح الصدر أغلبيةً لا تقلّ عن 170 عضواً في البرلمان الجديد".

جمعت مباحثات سياسية الصدر بالعامري، بحضور  نوري المالكي، ويُعتقد أنها تهدف إلى حث الصدر على الانضمام إلى الإطار التنسيقي 

وجمعت مباحثات سياسية الصدر بالعامري، بحضور رئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، حسب القيادي في دولة القانون بهاء النوري، ويُعتقد أنها تهدف إلى حث الصدر على الانضمام إلى الإطار التنسيقي، وهذا يبدو إلى الآن مستبعداً، مع إصرار الصدر على أنه "من غير الضروري أن يكون البرلمان كله متوافقاً على الحكومة".

وفي ما يخص موقف القوى الشعبية المقرّبة من متظاهري تشرين الأول/ أكتوبر 2019، يبدي العطية اعتقاده بأن "الخيار الأمثل بالنسبة إليهم، هو تشكيل حكومة أغلبية قوية، بدلاً من حكومة توافق تتقاسم الكعكة، وسقف التوقعات الشعبي العالي إزاء حكومة الصدر، سيضع الأخير في تجربةٍ قاسية، إذ إن إشراك بعض أحزاب الإطار التنسيقي سيُشكّل خيبة أمل شعبية تجاهه، كما أن فشله في تحقيق بعض الإصلاحات التي وعد بها، كقانون ‘من أين لك هذا’، والكشف عن قتلة الناشطين التشرينيين، سيفتح باباً لمعارضة جديدة من النواب المنبثقين عن الجنوب الشيعي، وحركة امتداد".

سقف التوقعات الشعبي العالي إزاء حكومة الصدر، سيضع الأخير أمام تجربةٍ قاسية، إذ إن إشراك بعض أحزاب الإطار التنسيقي سيُشكّل خيبة أمل شعبية تجاهه

وكان الصدر قد أعلن عن مبادرة "من أين لك هذا"، والتي تقوم على كشف الذمم المالية للسياسيين، وأعضاء الأحزاب، كوسيلة للإصلاح، ومنع الفساد.

من جانبٍ آخر، يرى العطية أن "المشكلة الأكبر المرافقة للأزمة، هي اختيار شخص رئيس الوزراء، إذ إن رئيس الوزراء الأسبق، حيدر العبادي، مرفوض كردياً، ولكن يوافق عليه نوري المالكي، والعكس بالنسبة إلى مصطفى الكاظمي الذي يرفضه المالكي، ويرغب به الأكراد"، مستدركاً أن "خيار الكاظمي يبقى متاحاً إذا تم تجزئة الإطار. على الرغم من ذلك، تبقى تسوية اختيار رئيس الوزراء صعبةً، وتستغرق أسابيع للبتّ بها بعد تشكّل البرلمان".

خيار الكاظمي يبقى متاحاً إذا تم تجزئة الإطار. على الرغم من ذلك، تبقى تسوية اختيار رئيس الوزراء صعبةً، وتستغرق أسابيع للبتّ بها بعد تشكّل البرلمان

ومن المقرر أن يعقد البرلمان الجديد أولى جلساته، بعد تصديق المحكمة الاتحادية على النتائج، وتبدأ بعدها مرحلة انتخاب رئيس البرلمان، ومن ثم الجمهورية، وتسمية رئيس الوزراء.

ويُذكر أن هناك ترحيباً عربياً، وعدم معارضة تركية على تشكيل حكومة برئاسة التيار الصدري الذي طرح نفسه كخيار وطني، تميّزاً عن الفصائل الولائية التي "يطالب بحلها"، حسب العطية.

وطُرحت في الآونة الأخيرة، سيناريوهات مختلفة، منها عودة العراق إلى البندين السادس والسابع، في حال لم يتم التوصل إلى اتفاق، وذهاب البلاد إلى فوضى، أو مراوحة.

لا يرى العطية أي إمكانية لهذا الأمر حالياً، "في ظل المفاوضات الجارية مع إيران في فيينا، إذ تدرك طهران أن تفجير الوضع في العراق سيعكّر صفو المفاوضات، كما لا تفكّر أمريكا حالياً في الدخول في صراعٍ مع إيران، وتحاول إقناعها بالعودة إلى اتفاق 2015 المقبول، بين الأوروبيين وروسيا التي تطالب برفع العقوبات الاقتصادية عن إيران حالياً".

 تدرك طهران أن تفجير الوضع في العراق سيعكّر صفو المفاوضات، كما لا تفكّر أمريكا حالياً في الدخول في صراعٍ مع إيران، وتحاول إقناعها بالعودة إلى اتفاق 2015 المقبول

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي عمر الراوي، أن "العراق خاضع للمراقبة الدولية حالياً، في ظل استهداف الميليشيات للسفارات الأجنبية، وتهديد رئاسة الوزراء، وإطلاق تصريحات من شأنها جعل البلد منطلقاً لاستهداف دول الجوار، بما ينعكس سلباً على أمن البلد واستقراره".

تراكم الأزمات السياسية ستضر بالانتعاش الاقتصادي الذي شهده البلد، خلال الفترة الماضية، ويؤدي إلى عودة البلد إلى عصرٍ مظلمٍ

وتحرر العراق من البند السابع المفروض عام 1990، بعد أن صوّت مجلس الأمن على خروجه بالإجماع، بقراره المرقّم 2390 عام 2017. ويشير الفصل السادس بمادته 33، إلى وجوب حل النزاعات عبر التفاوض والتحقيق والوساطة، ويتيح البند السابع لمجلس الأمن اتخاذ التدابير اللازمة، سواء بالتدخل العسكري، أو الحصار الاقتصادي، كوسيلة للحفاظ على الأمن والسلام".

يقول الراوي إن "البلد مرّ بظروف حالكة، إبّان فرض البندين عليه، خلال تسعينيات القرن الماضي، وأدّى منعه من التجارة والاستيراد والتصدير، إلى مجاعات كبرى، وبقي خاضعاً للبندين بعد 2003، بسبب الفوضى الحاصلة آنذاك، حتى عام 2013، وموافقة مجلس الأمن على معالجة ملفات الأسرى والممتلكات الكويتية، بموجب البند السادس، بدلاً من السابع، أي عبر التفاوض، وإلزام العراق دفع تعويضات إلى الجانب الكويتي قُدّرت بـ4.6 مليار دولار على شكل استثمارات، بالإضافة إلى التنازل عن بعض حيّزه المائي، لقاء الخروج من طائلة البند السادس كلياً".

استمرار الأزمة الحالية يذهب بالبلاد نحو هاوية لا يُحمد عقباها، بسبب انشغال السياسيين بطموحهم السياسي

ويضع الراوي، "تراكم الأزمات السياسية، وتصعيد الاضطرابات، في خانة المُسبب بتضرر الانتعاش الاقتصادي الذي شهده البلد في المجالين الإنتاجي والتجاري، خلال الفترة الماضية، ويؤدي إلى عودة البلد إلى عصرٍ مظلمٍ يصعب الخروج منه"، مؤكداً أن "السياسيين الحاليين يتجاهلون تأثير استمرار الأزمة السياسية، على الرغم من إدراكهم مدى خطورتها، خاصةً وأنهم عايشوا فترة المفاوضات من أجل إلغاء القيود التجارية على البلد".

ويختم: "استمرار الأزمة الحالية يذهب بالبلاد نحو هاوية لا يُحمد عقباها، بسبب انشغال السياسيين بطموحهم السياسي، بعيداً عن مصالح الشعب".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard