هل المخدرات هي طريق مختصر إلى الله؟

الأحد 13 فبراير 202209:52 ص

منذ المراهقة، وأنا أسعى إلى "الغياب عن الوعي"، كما يطلق عليه البعض. كنت أظن أن هذا ما أفعله حين أتحجج بتناول أدوية الإنفلونزا التي تضعني في حالة نوم طويلة. كان النوم بالنسبة لي فرصةً للتحرر من الجسد والانطلاق في عوالم أخرى... أين نذهب حينما ننام ونعود بأحلام مليئة بالتفاصيل؟ هذا سؤال لم يستطع أحد الإجابة عنه حتى الآن إجابةً حاسمة.

وكلما كنت قادرةً على تسلّق درجات جديدةً من الوعي، ازدادت قناعتي بأن الغياب عن الوعي هو طريقي المختصر للوصول إلى الله.

بعد فترة من الزمن، اكتشفت أن رغبتي في "الغياب عن الوعي"، لم تكن سوى وسيلة للغوص في الوعي، والغياب عن الواقع الذي نعرفه ونراه بأعيننا، الواقع المليء بالماديات وبمتطلبات الجسد. أما الجانب الآخر، الذي عرفت طريقه للمرة الأولى من خلال النوم تحت تأثير عقاقير الإنفلونزا، فأصبح عالماً خاصاً بي أعيش فيه حياةً كاملةً، وكلما كنت قادرةً على تسلّق درجات جديدةً من الوعي، ازدادت قناعتي بأن الغياب عن الوعي هو طريقي المختصر للوصول إلى الله.

في العديد من الحضارات القديمة، مثل حضارة مصر القديمة، وحضارة السكان الأصليين لأمريكا، وحتى وقتنا هذا، كانت نوعية بعينها من المخدرات تُعدّ تجربةً روحانيةً، ورحلةً عقليةً للتقرب من الخالق. كانوا في مصر القديمة يستخدمون اللوتس الأزرق لهذه المهمة منذ آلاف السنين. وحتى الآن في بيرو، يُستخدم نبات اسمه الآيواسكا في بعض الأماكن المخصصة لهذا الغرض؛ حيث يأتي شخص باحثاً عن رحلة لروحه داخل دهاليز وعيه، ويمنحه "الشامان"، هذا النبات على شكل مشروب، ويشرف على رحلته الروحانية.

ويطلقون عليها "رحلةً"، لأن تأثير العقار يستمر ما يقرب من ثماني ساعات، يعيش خلالها الإنسان تجارب فريدةً وغريبةً داخل عقله. ولماذا يجب أن يكون هناك إشراف على تلك الرحلة؟ لأن الإنسان من الممكن أن يواجه أصعب مخاوفه، وأشدها رعباً، في تلك الرحلة، وعندها سيحتاج إلى مساعدة من شخص لتهدئته.

في العديد من الحضارات القديمة، مثل حضارة مصر القديمة، وحضارة السكان الأصليين لأمريكا، وحتى وقتنا هذا، كانت نوعية بعينها من المخدرات تُعدّ تجربةً روحانيةً، ورحلةً عقليةً للتقرب من الخالق

العنصر المشترك في الآيواسكا، أو أي مخدر آخر يُستخدم بهدف روحاني، مثل الفطر السحري، أو "إل إس دي"، أو "دي إم تي"، هي مادة البسيلوسيبين/ Psilocybin؛ تلك المادة التي عُدّت لفترة طويلة على أنها مجرد مادة مهلوسة تسبب لمن يتناولها هلوسات سمعية وبصرية واضحةً للغاية.

ولكن منذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت مجموعة من علماء النباتات بإلقاء الضوء على دور جوهري قد تكون لعبته تلك المادة في تطور عقل الإنسان، وقد ظهرت نظريات عديدة تُعدّ أشهرها نظرية عالم النباتات، ترانس ماكينا، والتي ترجّح أن الحلقة المفقودة في مراحل تطور الإنسان، والتي تُعدّ قفزةً تطوريةً في المخ لم يعرف العلماء سببها إلا الآن، هي مادة البسيلوسيبين، حين أشار ماكينا إلى أن الإنسان الأول قد سافر واحتكّ ببلاد ينمو فيها الفطر السحري بكثرة، وقد اعتاد هذا الإنسان تناول طعامه من الأرض، والتقاط ما يتاح له من خيراتها، وأطلق على تلك النظرية اسم Stoned Apes Theory.

بالنسبة لي، كانت تلك مادة "بسيلوسيبين" هي المفتاح الذي يفتح لي بوابة التواصل مع روحي ومع الله.

بل إن هناك دراسةً نُشرت مؤخراً، تشير بوضوح إلى احتمال صحة نظرية ترانس ميكانا، بأن الفطر السحري كان له دور في تطور عقل الإنسان ووعيه، بعد أن أثبتت تلك الدراسة أن من يتعاطون جرعاتٍ صغيرةً من تلك المادة بغرض العلاج النفسي، قد طوّروا بالفعل مهاراتٍ عقليةً وقدرةً أفضل على التعلم والبحث عن حلول.تعرضت تلك النظرية للكثير من النقد والرفض في الأوساط العلمية في ذاك الوقت، ولكن مؤخراً، وفي السنوات العشر الأخيرة، اعتُمدت في أكثر من بلد، وأكدت أكثر من دراسة مدى فاعلية الجرعات الصغيرة المستمرة لمادة بسيلوسيبين في علاج الاكتئاب والقلق المزمن وبعض الأمراض النفسية الأخرى.

بالنسبة لي، كانت تلك المادة هي المفتاح الذي يفتح لي بوابة التواصل مع روحي ومع الله، ودائماً ما كنت أتخيل مثلثاً تجري بين نقاطه الثلاث الطاقة والرسائل، وفي خيالي النقاط كانت: أنا ككيان مادي/ أنا ككيان روحي/ إسقاط نجمي-الله. وكأن تلك الطاقة تسري بين النقاط الثلاث، وتنقل المعلومات منهم وإليهم في عقلي، وأشعر بهذا الدفء وبهذا الضياء يغمراني، ودائماً ما أقول: ربما لا أعرف شكلك يا الله، ولكن -بقدر ما يتحمله جسدي الفاني- يغمرني ضياؤك في كل مرة أدخل فيها في تلك الحالة من الخدر اللذيذ، أو الخدر المريح، كما وصفت تلك الحالة الفرقة الغنائية بينك فلويد في أغنيتها Comfortably Numb.

هل المخدرات بشكل عام بوابة مختصرة للطريق إلى الله؟ من واقع تجربتي لا. بعض المخدرات فحسب، على سبيل المثال الكوكايين، وبدلاً من أن يساعد الإنسان على الانفصال بعيداً عن جسده، وخوض رحلة عقلية روحية، فهو يجعل الجسم في حاجة إلى الملذات، ويزيد من رغبته في السلطة والظهور أمام الناس.

هل المخدرات بشكل عام بوابة مختصرة للطريق إلى الله؟ من واقع تجربتي لا. بعض المخدرات فحسب، على سبيل المثال الكوكايين، وبدلاً من أن يساعد الإنسان على الانفصال بعيداً عن جسده، وخوض رحلة عقلية روحية، فهو يجعل الجسم في حاجة إلى الملذات، ويزيد من رغبته في السلطة والظهور أمام الناس

أما نوعيات بعينها من المخدرات، مثل القنّب، والمخدرات التي تحتوي على مادة بسيلوسيبين، فهي مخدرات قادرة على فتح باب سرّي في عقلك، يأخذك إلى عوالم روحانية ودرجات مختلفة من الوعي، وتلك المادة لا يكون تأثيرها في الساعات الثمانية، مدة الرحلة، فقط، بل إن الإنسان قد يحتاج إلى شهور بين الجرعة المكثفة والأخرى، مدة قد تصل إلى شهرين حتى يستوعب عقله كمية المعلومات والأفكار التي تم تمويلها من نقطة المصدر الموجودة في مثلث التواصل الروحي، كما أراه أنا في مخيلتي.

إن فكرة استخدام المخدرات في الطقوس الروحانية -كما ذكرنا سابقاً- ليست جديدةً، بل هي قديمة منذ الأزل، وأيضاً ليست منقرضةً، فلا يزال هناك كثيرون ممن يلجأون إليها بغرض المعرفة الروحية، وليس ضرورياً أن يكون التقرب إلى الله يحتاج إلى غياب عن الوعي، ولكن قد يكون هذا الطريق الذي اختاره البعض، فوجدوا أنه يناسبهم أكثر، أو يحفّزهم بشكل أكبر، وهذا لأن "الطريق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق".

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard