ثلاث حكايات من دبي... ثلاث طرق للبقاء وحيداً

الثلاثاء 15 فبراير 202203:32 م

تندرج هذه المادة في "ملف عيد الحب".

1 سوبرمان الحَجْر

صارت المدينة مدينة أشباح، لكن ليس بالنسبة إليه.

عامل ديلفيري يتحرّك في مكان يختبئ سُكاّنه خوفاً من العدوى، والتزاماً بقانون طارئ يلزم الجميع بالإقامة الجبرية. كان يعيش أسعد أيامه وهو يقود دراجته النارية ليوصل الطلبات يميناً وشمالاً. لا زحام يجلب له مسبّات أصحاب الطلبات، ولا نظرات متعالية من عابري الشوارع. واكتشف أن هذه النسخة الخائفة من المدينة هي النسخة الأقرب لروحه.

كان يجوب الأحياء رافعاً صوت الأغاني في دراجته، صادحاً بها كما يحلو له، لا تعكّر صفوه حتى دوريات الشرطة التي تعرف من "اليونيفورم" الذي يرتديه طبيعة عمله. كما اختلفت نظرات الناس إليه، ولم يعد أحد يلومه أو يقرّعه على الـتأخير، هو المنقذ في زمن التباعد الاجتماعي... سوبرمان الحجر.

بعد الشهر الأول من التأقلم مع أشباح المدينة، هبط عليه الحزن وبدأت الوحدة تنهشه، لم تعد تبددها كلمات الأغاني، أو تخفف من وطأتها النظرات الخاطفة التي يتبادلها مع الزبائن، وكأنه يبحث عن شيء ما، مختلف، لم يكن يعرف أنه الحب.

في إحدى مكالماته مع أهله في بلده الأم، كان يغالب دموع الشوق وهو يحكي لهم عن الفراغ الذي هنا، وهم يحكون له عن الجنون الذي اجتاح الشوارع هناك، حين لمح بنتاً خجولة تظهر في الخلفية، توشوش شقيقته الصغرى وهي تضحك. خطفت قلبه رغم رداءة الصورة، وسأل أمه عنها، فقالت إنها بنت تخرجت لتوها من إحدى معاهد التمريض، وتبحث عن عمل في إحدى دول الخليج. صرخ بحماس: دبي! لكن أمه حاولت أن تخفف من اندفاعه وهي تنبهه أنها على خلافه أكملت تعليماً لائقاً ومن المستبعد أن ترى فيه الشريك المناسب، لكنه لم يأبه وطلب منها فقط أن توصله بها.

لم تردعه كل التحذيرات، وبدأت مكالماته معها بتلك الأحاديث السطحية التي تُطيل في السؤال عن الصحّة وأحوال الأهل، كي تشتعل بسرعة وتبادره هي بكلمة "أحبك".

تحوّلت دبي، مدينة الأشباح، إلى ساحة كبرى، مضاءة، ينطلق فيها معبراً عن حبه لهذه الفتاة الرقيقة، صاحبة الضحكة الخجولة... وبدأت الحياة تدبّ في أوصال المدينة شيئاً فشيئاً، براعم تشق الأرض في الصحراء.

وكي يمهّد لمجيئها، ترك الخجل جانباً وبدأ في اقتناص أي "أوردر" يأتيه من طبيب، ممرضة، منشأة طبية، خيمة مسحات كورونا. أي شيء له علاقة بالطب لكي يضع بين أيديهم نسخة من سيرة حبيبته الذاتية. لم يتوقف ولم يتهاون يوماً واحداً، لمدّة ستة أشهر كاملة، حتى أنه كان يوافق على عمل إضافي دون أجر، على أمل أن يلتقي أحد الأطباء. وحين يعود منهكاً إلى البيت كان يفتح معها مكالمة فيديو طويلة حتى يغالبه النوم، هاتفه في يده وأنفاسه معلّقة على الطرف الآخر من الشاشة.

ومع كثرة المحاولات، طُلبت حبيبته في أكثر من مقابلة عمل، لكنها خافت أن تكون دون نتيجة، خاصة وأنها غير قادرة على تحمّل نفقات السفر، فطمأنها بأنه سيتحمل كل التكاليف، وكل ما كان يفكر فيه أنهما سيلتقيان أخيراً، وجهاً لوجه. ولم يتردد في الاستدانة من كل شخص يعرفه حتى يوفّر لها تكاليف التأشيرة السياحية والتذكرة.

وأخيراً حان يوم مجيئها، فتح حقيبة كان يخزن فيها الهدايا العائلية وأخذ ملابس جديدة ليستقبلها في أحسن صورة. وقف أمام صالة الوصول، وقلبة يدق بعنف، حتى أشرقت أمامه، ليكتشف أنها أجمل في الحقيقة مما رآه في الفيديو أو تخيله في أحلامه. وقف كالصنم أمامها للحظات بينما هي تغالب خجلها منه، ثم فجأة تحوّل إلى دينامو يتحرك أمامها وخلفها وعن يمينها وشمالها كأنه يحرسها مما لا يعرف.

وكان قد اعتنى بكل التفاصيل؛ وجد لها غرفة لإقامتها طوال أسبوعي الزيارة قريبة من أماكن المقابلات، وضبط مواعيد عمله بما يناسبها، حتى حصلت على وظيفة في أحد المستشفيات، براتب هو ثلاثة أضعاف راتبه. كانت سعادته لا توصف، لكن يشوبها بعض القلق حين يتذكر كلمات أمه والفارق في المستوى بينهما. وكي يتخفف من ثقل شعوره بعدم الكفاية صارحها بمخاوفه، لكنها نظرت في عينيه بحنان وقالت إن حبهما لا يغيره شيء.

وبدأ الاثنان في التخطيط للزواج وأنشآ حساباً بنكياً مشتركاً ليضعا فيه كل الأموال التي يقدران على ادخارها. وبعد مضي عام ونصف، أفاق سوبرمان الحجر على رسالة من البنك تفيد بسحب جميع الأموال من الحساب.

بدأ الاثنان في التخطيط للزواج وأنشآ حساباً بنكياً مشتركاً ليضعا فيه كل الأموال التي يقدران على ادخارها. وبعد مضي عام ونصف، أفاق سوبرمان الحجر على رسالة من البنك تفيد بسحب جميع الأموال من الحساب

2 القبلة

كلاهما كان يحب التمثيل، وكلاهما كان فاشلاً فيه!

هو يعمل مندوب أدوية في إحدى الشركات العالمية، وهي تعمل في شركة طيران. عالمان بعيدان عن بعضهما كليّاً، لكن هو تعثر في واحد من إعلانات السوشيال ميديا عن ورشة لتعليم التمثيل، وهي رأت نفس الإعلان مطبوعاً في طريقها من العمل إلى البيت. كانت رسوم الدورة باهظة، ولم يكونا يعرفان بعد أن هذه الدورات تدغدغ أحلام الشهرة السهلة لدى القادرين على دفع الرسوم، كوسيلة مبتكرة للجباية، في مدينة متلألئة تعدك بكل شيء ولا شيء.

وكما هو معروف، تقف أول الأمر أمام المشرف على الدورة وتمثل بعض المشاهد، فيصفّق بحرارة وهو يثني على أدائك المتفرّد وموهبتك الاستثنائي، تباشرُ بعد ذلك ساعات التدريب المكثفة.  

في كل مرة كانا يشاهدان قبلة، هو يتحمس ويتمنى، وهي تخجل وتمزح بتوتر، ودائماً ما كان يقترب منها كأنه يهم بتقبيلها دون أن يفعل، بينما تمثل هي الاستياء مع تمنيها أن يكمل

بالرغم من كل شيء، شعرا بطاقة وتحرر لم يشعرا بهما منذ سنوات، منذ أن انفصل هو عن زوجته الأولى بعد زواج تقليدي دام بضعة أشهر، وخرجت هي من علاقة دامية مع شخص مؤذ استنزفها حتى أجهضت منه عدة مرات. كلاهما كان مندفعاً وهارباً نحو شيء جديد ومجهول يمنحهما بعض الشغف. ولعلّ هذا ما سيحصلان عليه حين طلب منهما مشرف الدورة نصف الشهير ارتجال مشهد رومانسي يجمعهما معاً، وكان عليهما التحضير له في وقت قصير.

لقاؤهما الأول خارج الورشة كان مرتبكاً وخجولاً، هو يحاول أن يلقي بعض النكات السمجة ليخفي توتره، وهي تدفن وجهها خلف الهاتف وتراقبه بنصف عين. حتى حل بينهما الصمت للحظات، ذلك الـawkward silence وليت العربية تسعف بشيء يشبه المعنى الإنجليزي. قطعته هي بجدية وقالت إن عليهما التدرب، بدآ إثر ذلك في استحضار كل السخافات التي سمعاها في الورشة عن التقمص، والحيونة (نعم حيونة، أي أن على كل ممثل أن يجد حيواناً يشبهه ويتماهى مع سلوكياته) لكنهما لم يعثرا على تلك "الشرارة" التي تحدّث عنها المشرف، فحاولا الاحتيال على تعليمات الورشة بمشاهدة كمّ مهول من المقاطع الرومانسية من أفلام شهيرة على يوتيوب.

في كل مرة كانا يشاهدان قبلة، هو يتحمس ويتمنى، وهي تخجل وتمزح بتوتر، ودائماً ما كان يقترب منها كأنه يهم بتقبيلها دون أن يفعل، بينما تمثل هي الاستياء مع تمنيها أن يكمل. لم تكن تشعر تجاهه بأي شيء خاص ولا هو كان يكن لها أية مشاعر، لكن المشاهد الرومانسية حرّكت داخلهما شيئاً مبهماً.

مرة واحدة فقط أجادا فيها "تمثيل" تلك الرومانسية، بعد ليلة سكر طويلة تحدثا فيها عن أشياء حميمة وصعبة، عن زوجته السابقة وحبيبها الشرير، عن أهله وأشقائها، أدويته وسفراتها. ووجدت نفسها تلقائياً تقول له: بحبك، وهو يقول لها: بحبك. ثم غرقا في قبلة طويلة. كرّراها في اليوم التالي في الورشة، أمام المشرف الذي أطرق باستياء وتمتم: غير واقعية... مبتذلة.

 3 خفّة لا تُحتمَل

على الرغم من غرابة هوايته في تربية التماسيح، وجد لنفسه مكاناً بين المشاهير على السوشيال ميديا. يعرف الناس أولئك الذين يربون الفهود، الأسود، النمور، القردة... لكن التماسيح لا تملك تلك الجاذبية اللازمة لصنع قصص مبهجة، فهي بالنسبة لكثيرين، قبيحة ومرعبة ولا تتمتع بتلك الهالة السينمائية التي تحيط بالأسود على سبيل المثال، ولا يوجد في الوعي العربي شيء عن التماسيح أكثر من تلك الإشارة المكرّرة إلى "دموعها" الزائفة، لكن كل هذه الأسباب المنفّرة مجتمعة، جعلته هو يحبها ويتعلق بها.

عندما تعرف على جانين، كانت تمشي وحول عنقها شال متحرّك من الثعابين الملوّنة، لها طلّتها المهيبة التي يحتاط منها الجميع، وكانت تعرف كيف تجذب الأنظار في ذلك التجمع الخرافي لمربي الحيوانات الغريبة وهي تُوازن بين الاستعراض المبالغ فيه وهدوء الأعصاب، الذي لم يعكّره سوى رهان الحاضرين حول أي الحيوانين أكثر قدرة على الفتك بالآخر: الثعبان أم التمساح؟ فقالت باستياء إن الأناكوندا التي تملكها قادرة على الفتك بأي كائن حي، بينما أثنى هو على جلد تماسيحه السميك صعب الاختراق. وتواعدا على مسابقة دموية، تساقطت فيها نقود الرهانات من كل صوب.

كيف يمكن له أن يُدهش جانين؟ هذه التي تنام في أفخر فندق في العالم؟ طارده السؤال لأيام، حتى هداه التفكير أخيراً إلى المنطقة الشعبية في المدينة، ودعاها إلى هناك، فوافقت بحماس

في موعد اللقاء، أحضر أكبر تماسيحه، وجلبت هي أناكوندا طولها سبعة أمتار. وبدأت المسابقة في البركة الصناعية، بشرط واحد للحاضرين: لا تصوير، لا قصص سوشيال ميديا، فهما لا يريدان إثارة فوضى بين جمعيات الدفاع عن الحيوان.

كانت تتابع المعركة الطاحنة وهي تضع يدها على كتفه دون اكتراث، بينما تحاول الأناكوندا تطويق التمساح وهو يقاوم بذيله وفكه الرهيب. فتح الجميع أفواههم عندما تقابل وجه التمساح أمام وجه الأناكوندا المرعب وكاد أن يطبق عليه لولا أنها استطاعت الإفلات ونجحت في النهاية في الالتفاف حوله، وبينما هو ينازع في اللحظات الأخيرة، أطبق فكه على جلدها وشقّ جسدها نصفين، فارتخت الأناكوندا وسقطت جثة هامدة وسط صراخ وتصفيق الحشود.

اختفت جانين عقب هذه الحادثة، وحاول في الأيام التالية التواصل معها بكل الطرق، لكنه لم يفلح، إلى أن استعان بمعارفه واهتدى إلى الفندق الفخم الذي تقيم فيه فترة بقائها في دبي. حين رأته حاولت التملص منه، فمازحها قائلاً إنه سيطوقها مثل الأناكوندا، واقترب منها بحزن شديد هامساً إن تمساحه أيضاً لم يصمد سوى يومين بعد تلك المعركة. وأصرّ أن يدعوها على قهوة، غداء، عشاء، أي شيء... فنظرت حولها وقالت بتحدّ إنها تريد أن ترى شيئاً يدهشها.

كيف يمكن له أن يُدهش جانين؟ هذه التي تنام في أفخر فندق في العالم؟ طارده السؤال لأيام، حتى هداه التفكير أخيراً إلى المنطقة الشعبية في المدينة، ودعاها إلى هناك، فوافقت بحماس.
 في المركب الشراعي الذي استأجره لساعات، جلسا يراقبان الأسواق القديمة وتحرّكات المشترين، وكأنهم جزء من العرض. اعتذر لها مرة أخرى عمّا حدث لثعبانها، وحكت له عن جدّها الذي كان مربياً للثعابين في حديقة الحيوانات في نيويورك، وكأنها تحثه ليقول سرّه الخفي الذي يربطه بالتماسيح، لكنه لم يكن يملك حكاية ليحكيها. فشعرت بقليل من الخيبة، لكن بالفضول إزاء هذا الشخص الذي لا يملك أي شيء مثير للاهتمام على الإطلاق، كان نوعية مختلفة من البشر الذين لم يسبق لها أن صافتهم من قبل.

وفي الأيام التالية تكررت النزهات النهارية، وأعقبتها أخرى ليلية. جرفته الخفة وهو يحاول اللحاق بإيقاع حياتها كي يكون أكثر إثارة، حتى أنه غيّر من طريقته في اللباس واستبدل سياراته ذات الدفع الرباعي الضخمة بأخرى رياضية سريعة. وبدأ يرتدي ساعات باهظة وملابس من ماركات عالمية، وأصبح يشبه كل الذين تعرفهم.

ودون سابق إنذار أو وخزة من تأنيب الضمير، سجلت جانين خروجها فجراً من الفندق وركبت الطائرة باتجاه الولايات المتحدة.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard